نصار جرادة
palmal_2008@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 September 2011

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
عن المغضوب عليهم والضالين وغيرهم

 

كبسولة : في كاريكاتير شهير للراحل العظيم ناجي العلي ، رسم  الفنان صورة  لمواطن بسيط فقير حسن النية يناجي ربه ليلة القدر- ليلة الاستجابة –  ويدعوه في بالون حواري صاعد ( اللهم أنصر حكامنا ) فيأتيه الرد التالي سريعا في بالون حواري هابط غاية في التعبير و التراجيدية  ( بلا هبل !! ) .

وبعد:

وفقا لتفاسير كثيرة ، لقوله تعالى في أم الكتاب ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم  ولا الضالين ) ، وهي تفاسير رائجة  و راجحة في نظر نفر عظيم من المسلمين ، خواصهم وعوامهم ، وتأخذ حجية القرآن نفسه لدى هؤلاء رغم انها ليست اكثر من اجتهاد بشري محض !! .

وفقا لهذه التفاسير الغالبة فالمقصود بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين النصارى.

وتلك الآية هي بمثابة دعاء لله بان يجنبنا صراط اولئك المغضوب عليهم واولئك الضالين - أو بمعنى آخر أن ييسر لنا إتباع  طريقة  القويم الذي هو دين الإسلام – وهو طريق ليس من الضروري أن يتضاد ويتعاكس مع طرق أهل الكتاب الآخرين ، أو يحولهم إلى خصوم مفترضين ، فالرب واحد ، وقد أمرنا بالإحسان إليهم وبرهم طالما كانوا لنا مسالمين فضلا عن إنصافهم  و العدل معهم وعدم إكراههم على اعتناق ديننا قسرا ، حتى إن ديننا أباح لنا مصاهرتهم ، بمعنى نكاح نسائهم !! .

دعاء إن خلت منه صلاتنا فإنها تفسد ، وهو يتكرر يوميا ليبلغ الثلاثين ، بمقدار عدد الركعات في الصلوات الخمس المفروضة .

 

و بحسبة بسيطة ، يبلغ تعداد المسلمين في المعمورة وفقا لمنتدى بيو للأبحاث قرابة المليار وستمائة مليون نسمة ونيف ، واستنادا عليه يتوجب أن يبلغ مقدار دعاء الهداية هذا ثلاثين مليار مرة أو يزيد كل أربع وعشرين ساعة من عمر الزمن ، هذا طبعا بعد استثناء صغار السن ومن لا يصلون ، ومع ذلك  لا يتحقق شيء في واقعنا من جراء ترديده المستمر آناء الليل وأطراف النهار ، ولا يتغير حالنا كأمة نحو الأفضل قيد أنملة ، اعتقاديا و ماديا ، حيث لا زلنا منذ أكثر من ألف عام نعيش التقيا ونسكن خارج أحلامنا وخارج أرواحنا !!


والأنكى من ذلك أن من نحقرهم ونتسامى عليهم بدعائنا ونتفوق عليهم فقط في أمانينا  ونعدهم وفقا لتلمودنا التفسيري الغني والمتعدد من المغضوب عليهم والضالين ، لا يتغير واقع حالهم نحو الأسوأ أبدا ، وهم في تطور مستمر ومنعة وتمكين و رقي و ازدهار !!

وذلك يعني أننا ندعو ولا يستجاب لنا ، وان دعاءنا لسبب ما مجهول لا يبلغ حدود السماء ويرتد إلينا خائبا قبل أن يجتاز أدنى طبقات الغلاف الجوي للأرض !!

 

وبعد :

اعتقد وأكاد اجزم بان من فسروا الآية الكريمة  على هذا النحو الخاطئ لو عاشوا زماننا  وعاينوا واقعنا و فساد اعتقادنا  وسطحية إيماننا  وقارنوا بين  بداوتنا وتحضر أولئك المغضوب عليهم وأولئك الضالين ، و فقرنا وعوزنا ورغد معيشتهم ، وجهلنا و تخلفنا وتقدمهم ، واستبدادنا وقهرنا وذلنا وديمقراطيتهم وحقوق إنسانهم ، وفوضويتنا العارمة وقوانينهم الصارمة ومؤسساتهم التي لا تفنى ... الخ ،  لتغير حال تفسيرهم

ولعرفوا أن المقصود بالنعمة  والغضب و الضلالة شيء آخر لم تكن عقولهم لتحيط به أو تتخيله أو حواسهم لتدركه في ذلك الزمن البدائي السحيق !! وان أي من هذه الصفات إن انطبقت على قوم في فترة زمنية معينة  لسبب ما أو أكثر فلا يعقل أن تظل صفة لاصقة لأحفادهم بعد قرون ، إذ لا ذنب لهم ولا وزر ، ومقتضيات العدل الإلهي تأبي ذلك ، و الدليل على ذلك نحن ، كان جل أجدادنا في فجر الإسلام خير سلف وكنا ولا زلنا  أسوأ خلف !! ، وليس الفتى من قال كان أبي إن الفتى من قال ها أنا ذا !!

 

و بعد :

لا يبدو لي التفسير صحيحا أو منطقيا ولا الدعاء التمييزي المتعالي  على الآخر عادلا أو إنسانيا ونحن نهرع إلى بلدانهم للتعلم والسياحة والتسوق والطبابة والعلاج وكذا ونحن نطلب اللجوء  السياسي و الإنساني منهم كلما ضاقت بنا الأرض بما رحبت أو عندما نشرع في رحلة الهروب من جحيم حكامنا المجرمين  الذين ابتلانا بهم الله  !! وكذا ونحن نركب سياراتهم وطائراتهم ونأكل قمحهم و نلبس ملابسهم ونتزين بزينتهم ونتطيب بطيبهم ... الخ !!

 

 

ولقد انعم الله على أقوام غيرنا - سبقونا -  بالرسل والرسالات !!

ومن ثم انعم الله علينا بنعمة الإسلام ، فهل حفظنا ذلك وكنا حقا مسلمين ظاهر وباطنا ، قولا وفعلا ،والتزمنا حدود الله ونواهيه ؟! .

أو بمعنى آخر هل نحن حقا ممن رضي الله عنهم وممن اهتدوا ؟؟ وبذلك نباهي !! ( نكتة العكس ) !! لذلك نحن في أسفل القائمة وأدنى الهرم وأرذل الأمم !!

 !!

  وبعد أن غادرنا الرسول إلى الرفيق الأعلى بزمن يسير تبدل حالنا و لم يكن مذ ذاك أحسن من حالهم ولا زال !! ، فقد رجعنا بعده كفارا يضرب بعضنا أعناق بعض وعلمنا الحق ولم نعمل به و حرمنا ما احل الله وحللنا ما حرم واتبعنا شيوخ السلاطين الفجرة وفقهاءهم - الذين باعوا الدين بالدنيا - كما اتبع  الآخرون من أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم !!

 

شيوخنا وفقهاؤنا الذين روج قسم كبير منهم لثقافة الكراهية وبغض الآخر المخالف أو المختلف بقدر الله ( السابق ) !! ، وهي الثقافة التي تأسست وتعمقت منذ قرون طوال و لا زال البعض يحتفي بها بسبب التجهيل الحاصل والحقن المتعمد لعقول الناس بالخرافات والأوهام   .

 وبسبب تزييف وعي الناس عن قصد ، وطمس ومداراة الكثير من العيوب والنواقص في سبيل إخضاع الجموع وتامين السيطرة على عقولهم وأفئدتهم لحساب الإقطاع  والسلاطين على مدار تاريخنا الطافح بالمخزيات وواقعنا الحافل بالمآسي والسلبيات .

 

وفي الختام أتساءل - وهذا من حقي – كإنسان كرمه الله بالعقل والإرادة ، لم ينزل الله لنا نحن البشر كتبا و يتكفل بحفظ بعضها دون البعض الآخر ثم يترك لنا أمر تأويل آياتها وتفسيرها على النحو الذي قد يرضي بعضنا ولا يرضيه !!

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز