عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
هل تحتاج البُلدان العربية إلى ثورات وما معنى الثورة بهذا الزمن

**حينما أطلق الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) صرخته المدوية في التاريخ : "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "،، فإنما أطلق تلك الصرخة قبل ألف وأربعمائة عام وكأنها كانت موجّهة إلى الأنظمة والحكومات العربية وأبنائهم وأهاليهم وأقاربهم ومن يضرب بسيوفهم في زمننا هذا وليس فقط لِوالي مصر عمرو بن العاص الذي اعتدى ابنه على شابٍّ قبطي لأنه تقدم عليه في سباق الخيول، فما كان من الفاروق إلا أن دعا الجميع إلى حاضرته وأمر ابن القبطي بان يقتص من ابن عمرو بن العاص ، وحينما فعلها ، قال له : لو أنك ضربتَ عمرو بن العاص ما منعتك لأن الغلام إنما ضربكَ لسلطان أبيه .. ثم التفتَ إلى عمرو بن العاص وأطلق في وجهه تلك الصرخة التاريخية المدوية التي ما زال صداها ، وسيبقى يهزُّ الجبال والوديان والسهول والشطآن : "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" ... هذه الصرخة ، لو كان الفاروق حيا ، لأطلقها في وجه كل الحكام العرب وذويهم ، وفي وجه كل الدواعش والتكفيريين والمتطرفين والمتعصبين الذين يستعبدون الناس ، بل يقطعون رؤوسهم، أو يودعونهم غياهب السجون حتى الموت وينظرون إليهم وكأنهم أقل من بعوض متكاثر في مستنقعات سلطتهم وسلطانهم واستبدادهم وساديتهم .

  **وحينما أطلق سبارتكوس صرخته في وجه الأسياد في الإمبراطورية الرومانية قبل ألفين ومائة عام : "إن كانت مصلحتكم أن تكونوا أسيادا علينا فما هي مصلحتنا أن نكون عبيدا لكم " ، فإنما كانت رسالة تاريخية لكل الأسياد والمستبدين بالتاريخ ولم تكن فقط للمستبدين في روما القديمة .

  ** لا تنهض الشعوب في وجه الحكام حينما يحكمون بالعدل ويغارون على ثروات البلاد والعباد ويصونون الحريات والكرامات ويحققون مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء شعبهم ، فلا استئثار بالسلطة والثروة والمناصب والمراكز للمقربين والأحباب والأهل والأحبة والأصحاب ، ودونهم عبارة عن عبيد روما القديمة ، عليهم فقط الخضوع والخنوع . ** البلاد التي خلقها الله لكل شعوبها ماذا تفعل هذه الشعوب إن تحوّلت إلى ممالك للعائلات وإقطاعيات لأصحاب السلطة والنفوذ وأهاليهم وأصحابهم وأحبابهم فقط وما تبقى هم أشبه بالعبيد لا مكانة ولا دورَ لهم لأنهم ليسوا من عظام الرقبة ولا الرِجل ولا الأيدي ولا الخصية !.

  ** اختلفوا كثيرا في توصيف ما حصل في بعض بلدان العرب في السنوات الخمس الأخيرة ( ثورات ، عورات ، حراكات ، ربيع ، خريف ، شتاء , تآمر ، عمالة ، خيانة ، تفتيت ، جحيم ، جهنم ، إرهاب ، قتل ، إجرام ، حروب ، فوضى ... الخ) ، ولكن لنرمي بكل هذه الأوصاف خلف ظهورنا ، ونرمي معها كل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة التي افترتْ على الإسلام وقتلت وذبحت وخطفتْ واغتصبتْ وفجّرتْ باسمه وهو منها براء ، ونسأل سؤالا بسيطا واحدا : هل البُلدان العربية بحاجة فعلا إلى ثورات أم لا ؟. وهل عوامل قيام الثورات موجودة في بلدان العرب أم لا ؟. هل من حق الشعوب العربية أن تنعم بالديمقراطية والحرية واختيار قياداتها وممثليها بشكل ديمقراطي وحر كل أربع سنوات ، في ظل تعددية حزبية وسياسية وحرية تعبير ، وحيادية كاملة لمؤسسات الدول وجيوشها وأجهزتها وإعلامها ونقاباتها أم لا ؟.

   ما هو الحل مع أنظمة من المحيط إلى الخليج تنظر لشعوبها وكأنها قطعانا من الماشية يتعاملون معها من منطلق الرفق بالحيوان وليس من خلال كائنات بشرية حية لها حقوقها غير القابلة للنكران والتصرُّف ، ويجب أن تُمارِس هذه الحقوق وتعيشها بلا مِنَةٍ ولا عطفٍ ولا شفقة من أحد !.. أليسَ هذا ما دعتْ له كل قوانين السماء والأرض ، من ديانات ومن صكوك دولية تتعلق بحقوق البشر والإنسان ،سواء كانت سياسية ومدنية ، أم اقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها .. ** تتباهى أنظمة الغرب باحترام إرادة شعوبها وبِدُول القوانين والأنظمة والمعايير والعدالة وقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتناوب على السلطة وتكافؤ الفرص والقضاء المستقل ، بينما تتسابق الأنظمة العربية بتشديد القبضة على رقاب شعوبها وخنقها دون أن تجرؤ على النطق بكلمة، وزيادة احتكار الثروات والسلطة، والتمسك بتيجانها مدى الحياة . وتحويل بلدانها إلى سجون واسعة على مساحة الأوطان .

  ** تتحرك الشعوب عادة في وجه المستعمر الأجنبي لأنه ينهب ثرواتها ويمارس عليها الظلم والقمع والاستبداد، ويحرمها من كرامتها وإرادتها وقرارها وحقها في أن تحكم نفسها بنفسها بشكل حر ،، ولكن ماذا إن كانت الأنظمة والحكومات العربية تمارس نفس دور المُستعمِر الأجنبي !!. أليس من حق الشعوب أن تتحرك في وجهها أيضا ؟.. وماذا لو كانت هناك تنظيمات إرهابية ومتطرفة وقاتلة ومجرمة لا تقيم للإنسان وزنا ولا معنى ، فأليس من حق الشعوب أن تتحرّك في وجهها أيضا ؟. تعدّدت وتنوعّت أساليب القهر والقمع والاستبداد ، وتنوعت وتعدّدت الجهات التي تمارس ذلك على الشعوب ، وتعدّدت وتنوعّت كذلك أشكال الحراكات الاجتماعية ، فاختلط الحابل بالنابل وضاعت الحدود التي تفصل بين الثورة وبين الفتنة ، بين الردّة للخلف وبين التقدم للأمام ، بين الظلام وبين النور ، بين الاستبداد والقهر وبين الحرية والعدل .. بين القاتل والمجرم على الهوية المذهبية والدينية وبين المسلم الحقيقي الذي يخاف الله ويخشاه وهو يعلم أنه يراه في سره وفي علانيته !..

  ** لماذا لا تقوم ثورات في الغرب في عصرنا هذا ؟؟ أليسَ لأن هذا الغرب وصلَ إلى مستوى عال من الديمقراطية والرقي والتقدم والحضارة واحترام القانون وحقوق الإنسان وحرياته بالكامل ؟. فلماذا ستقوم عندهم ثورات ؟. بل لماذا لا تقوم ثورات في البلدان الديمقراطية في أي مكان بالعالم ، من أمريكا الجنوبية وحتى أفريقيا وآسيا ؟. الثورات لا تنشأ من فراغ ، فهناك عوامل وظروف ذاتية وموضوعية متعددة ومتنوعة تفرض وجودها فرضا .. وإن نظرنا إلى عالمنا العربي ، فهل هناك مكان بالدنيا تتوفر فيه عوامل الثورة الذاتية والموضوعية كما عالمنا العربي ؟.

  ** أختلفُ مع الكثيرين ممن تحدّثوا عن أشكال وأنواع الثورات ، إذ لا يوجد سوى شكلٌ واحدٌ منها في هذا الزمن وهي الثورات التي تنتهج الديمقراطية العَلمانية بكل ما تعنيه ، كما هو معمولٌ به في أوروبا وفي نصف الكرة الغربي .. ودونها فهي انقلابات وليست ثورات .. لقد حصلت في الماضي الثورة الفرنسية عام 1789 ، وحصلت ثورات في دولٍ متعددة بعد الانهيار السوفييتي ، وانتقلت بلدان أوروبا الشرقية سلميا نحو الديمقراطية العلمانية والتعددية الحزبية والسياسية ، وكان هذا الانتقال بحد ذاته هو ثورات لم تتخللها الدماء إلا في رومانيا ، وانتهجت جميعها النهج الديمقراطي العلماني بعد أن تخلّصت من نهج الحكم الأحادي والسلطة المنفردة !.. أمّا كل التغييرات التي وقعت في مراحل ما في التاريخ على أسس آيديولوجية لا يمكن وصفها بالثورات وإنما الانقلابات لأنها انتهجت منهجا أحاديا ، وحُكما انفراديا واستئثارا كاملا بالسلطة ، ولذلك احتاجت بعد ذلك إلى ثورات لتستقر على الديمقراطية العَلمانية والتعددية الحزبية والسياسية وينتهي بعدها زمن الثورة ليحل مكانها الديمقراطية والاستقرار والتناوب السلمي على السلطة ... فماذا يريد الإنسان من مجتمع الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والقانون وتكافؤ الفرص والتداول على السلطة ؟ هل يريد أن ينقلب على ذلك ؟.

 هذا لا يكون إنسانا سويا !.. لا يوجد شيء اسمه ــ ثورة ــ إسلامية ولا ماركسية ولا عُرقية ولا دينية ولا مذهبية ، هذه ليست ثورات وإنما احتكارا للسلطة بالقوة ،وباتجاه واحد ، والاستئثار بها على قاعدة الأقوى ، وبالتالي لا يمكن أن تستقر هكذا مجتمعات في حياتها وستبقى بها شرائح واسعة وعريضة وكبيرة ناقمة وحقوقها منقوصة وتطالب بحقوقها التي لا يضمنها إلا الديمقراطية العلمانية كما حال الغرب .. فليس من حق أحد في أي وطن أن يحكم ابن وطنه رغما عن إرادته ، أو يقصيه لأي سبب كان ، أو ينكر عليه حقه الكامل في وطنه وفي مؤسسته وفي وظيفته وعمله ، بسبب عدم توفر الداعمين له أو بسبب انتمائه المذهبي أو الديني أو العرقي أو غير ذلك .. هكذا لا نكون في مجتمعات بشرية وإنما في غابات وحوش .. كما حال المجتمعات العربية ..

  ** نعم قد يطلقون ــ تجاوزا ــ على بعض الانقلابات والحراكات الاجتماعية التي تؤدي إلى تغيير السلطة الحاكمة هنا وهناك مصطلح (الثورة) ولكن هذا غير صحيح أمام الحقيقة والواقع .. (فالثورة) حينما لا تكون لكل أبناء الشعب ومُعبِرة عن إرادة الجميع وتُرسِّخ مبدأ الديمقراطية العلمانية والتداول على السلطة في إطار برامج اجتماعية واقتصادية وسياسية متنوعة ومختلفة ، وتعتمد دستورا عَلمانيا يساوي بين كل أبناء الوطن بلا تمييز في أي حق ، فهذه ستبقى بحاجة إلى ثورة جديدة .. فكل (ثورة) تنحصر في إطار آيديولوجي مُحدد (إسلامي أو ديني أو يساري أو ماركسي أو عرقي ) لا يصح عليها مفهوم الثورة مهما قدّمت من إنجازات وخدمات ، لأنها بالضرورة ستقصي مكونات وشرائح كبيرة من أبناء الوطن، وهذا ما شهدناه عبر التاريخ .. ولو كانت أوروبا وأمريكا على غير ما هي عليه اليوم ، ولا تحكمها دساتير وقوانين ديمقراطية علمانية يتساوى أمامها الجميع على أساس مفهوم المواطَنَة ، لكان حالها كما حال العرب من جهل وتخلف وتناحرٍ واقتتال بداخل مجتمعاتها ..

  ** كل (ثورة) تأتي بنظام حكم يقصي الآخر ويحتكر السلطة ويحصرها في دائرة مفاهيمه وعقائده وقناعاته فقط ، لا يمكن أن توصف بالثورة حتى لو قامت أساسا ضد الظلم والاستبداد وسوء توزيع الثروة واحتكار السلطة ، لأنها بذلك تمارس ذات الظلم والاستبداد والاحتكار الذي انقلبت عليه وتكون بذلك لِنسبة من أبناء المجتمع وليس للجميع .. فيبقى الظلم مستمرا .. ويبقى التطلع للثورة قائما ... ولذا الحل هو دوما في الديمقراطية العَلمانية التي يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات والعدالة وتكافؤ الفرص ، والتغيير المستمر بتداول السلطة ..

** حتى في أكبر دولة أفريقية كما نيجيريا البالغ عدد سكانها مائة وستون مليون نسمة (160 مليون) قدّموا صورة متقدمة على العرب مئة سنة حينما خضع الرئيس السابق ــ جوناثان ــ لإرادة شعبه التي جسّدتها صناديق الاقتراع وسلّم السلطة للرئيس الفائز ــ محمد بهاري ــ بشكل حضاري وراقٍ ، وباحتفال مباشر وعلني على شاشات التلفزة !!. فحتى الأفارقة حسموا أمرهم منذ زمن باتجاه الديمقراطية والتعددية والتداول على السلطة ، فمتى سيرتقي العرب إلى مستوى الأفارقة !. وهل مَنْ بات أكثر تخلفا ودموية من العرب !. الكل من القصر إلى القبر ، ولا مساومة على ذلك !. كانوا يقولون لمن يرغب بزيارة قرنٍ من عصور الظلام أن يزور أفريقيا ، ولكن اليوم يمكنه أن يزور بلاد العرب .. فالظلام هو في العقول وليس في أضواء القصور والشوارع !. فمَن أظلم عقله لا تفيده كل أضواء الدنيا ولا تنير الطريق أمامه !. الضوء إن تعطّل يمكن إصلاحهُ ولكن كيف يمكن إصلاح العقل المعطوب أساسا !. كيف يمكن إصلاح عقلٍ داعشي وتكفيري ومتعصب وطائفي مثلا !.

  ** لا خلاص لبلداننا وشعوبنا إلا بالديمقراطية العَلمانية التداولية بكل معانيها الغربية التي تُساوي في دساتيرها بين كافة أبناء الوطن بشتّى تنوعهم الديني والمذهبي والعرقي، أو غيره على أساس المواطَنة فقط ..

  ** نتّهم الغرب بالعنصرية ضد العرب ، ولكن لا نرى عنصرية العربي ضد العربي ، بل عنصرية المسلم ضد المسلم لحدِّ إباحة دمه وعرضهِ ومالهِ وأكل قلبه !.. في أوروبا شاهدنا المُسلِمات من المغرب والجزائر يشغلن مناصب الوزيرات ، بينما عند العرب لا نرى منصبا أو مركزا لأحد ما لم يكن من عظام الرقبة أو الأقارب والأهل ،والأصحاب والأحباب لأهل السلطة والنفوذ الذين باتوا جميعا يحملون صفة من صفات الله وهي "الديمومة" ، فقد وقفت الحياة وتوقف الكون كله عند أهل المراكز والمناصب ، وتخصخصت المناصب للبعض لأن النساء عقُمت ، والأرحام جفّت ولم يبقى سوى بضعة صناديد يتنقلون من منصب لمنصب على مدى عقود ، أو من سفارة لسفارة كما نرى في الخارجية السورية التي تخجل حتى الدول المتخلفة من اعتماد قانون عنصري في وزارات خارجيتها كما المرسوم 4 للعام 2010 الذي يميِّز بين الزملاء في ذات المؤسسة ، بل من ذات الدورة ، بين مدعوم وغير مدعوم ، وتبعا لذلك تكون الامتيازات بلا خجل ولا وجل !.. أليسَ هذا فضيحة ؟.

أليسَ هذا تحريض للناس لتنقلب على الدولة وتعاديها؟. لم يكفي كل ما بتلك الوزارة من شخصنات ومحسوبيات وأمراض اجتماعية وشللية طائفية ومناطقية كنتُ ألحظها منذ أن التحقتُ بها أوائل الثمانينيات ، وانعدام للمعايير، وخصخصتها لاحقا لأبناء المتنفذين داخل الوزارة وخارجها ، فترى الأب والأبناء والأخوة والأخوات ، والأقارب (والكل يقبض بالعملة الصعبة بالبعثات، وما يقبضه واحدهم بالشهر لا تقبضه عائلات ثمانين شهيدا بينما لم يقدم لا هو ولا واحد من أسرته نقطة دم واحدة من أجل الوطن ، بل يرفض حتى أن يتبرع بمائة دولار لأبناء الشهداء الذين يتنعم هو وأبنائه بفضل دمائهم ، وبعد أن أعفى كل أبنائه من الخدمة العسكرية بدفع البدل النقدي ، تهرُّبا من خدمة الوطن) ، وما كان ينقص تلك الوزارة إلا المرسوم 4 ليزيد الطين بلّة !. هناك إدارات مفصلية وهامة ممنوعٌ أن يكون على رأسها أحدٌ من أبناء فئة معينة ، لاسيما بعد العام 2006، لأن أولئك بعرفِ "المستشار" كلهم مُخبِرون ، وبذات الوقت يبحثُ هو ذاتهُ عن ابنِ أو ابنةِ أي مسئول أو متنفِّذ بالدولة كي يضعه بجواره ويتمسّح لأهله من خلاله !.. ثم يبيعونك وطنيات ومزايدات !! طبعا شو خسرانين الحكي ما عليه جمارك !..

** يقول وزير الاقتصاد السوري الحالي "أن مرحلة إعادة البناء تتطلب وجود كل صاحب خبرة" ... ويبدو أنه اكتشف خلال هذه الفترة أن مؤسسات الدولة قد تفرّغت من خبراتها ، بل في الخارجية كان هناك استهدافا متعمّدا لأهل الخبرة وتهميشهم ثم إقصائهم لصالح الأقل خبرة ، وتعويم من لا يحمل شهادة إعدادية لتكون كلمته معادلة لكلمة الوزير !. فكيف ستنتصر "دبلوماسية" بإبعاد خيرة خبراتها لصالح بعض (وأقول بعض) مَن لا بالعير ولا بالنفير ويغرق ببركة ماء ضحلة ويطلب توجيهات وتعليمات في أبسط الأمور لأنه أعجز من أن يبادر أو يتّخذ قرارا ويتحمّل المسئولية !. والأمثلة عندي كثيرة لأنني عشتها !..

  ** ليس بأصعب من أن يشعر أبن الوطن المجبول بالوطنية وحب الوطن أنه غريب في وطنه ولا مكانة أو معنى له لأنه لا يقرَب هذا المسئول أو ذاك ، أو لأنه ليس صهرا لهذا المسئول أو ذاك ، وأنه لا حقَّ له إلا كنوعٍ من العطف والشفقة وكأنه يعيش في مزرعة هذا وذاك وليس في وطنٍ له به حقوقه كما أي مسئول أو ابن مسئول أو قريب المسئول!. ليس أصعب من أن يرى المرء وطنه كما سفينة تاهت عن مسارها في أعالي البحار وتتلاطمها الأمواج والعواصف العاتية ومهددة بالغرق في قيعان المحيطات، لأن كل من عليها انخرطوا بالاقتتال بين بعض على غرفة القيادة ، وهو غير قادر على فعل شيء !.. ليس بأصعب من أن يشعر الإنسان أنه في وطنٍ لا يحتاج به إلى مؤهلات وشهادات ولُغات ولا أن يكدَّ ويجهد ويتعب ليبني ذاته ، فهذه كلها لا معنى لها ، وكل ما يحتاجه فقط هو توفير الدعم ونقطة على السطر. فمن أين ستأتي الكفاءات التي ينشدها وزير الاقتصاد !. لماذا لا يُحاسَب من تسببوا في إقصاء الكفاءات أو تهميشها !. كم مرّة قُلنا أن أولئك مخربون في الوطن وهم الوجه الآخر للمسلحين الذين يهدمون أبنية المؤسسات ككُتَل اسمنتية ، بينما هم يهدمون عقول المؤسسات كخبرات وموارد بشرية ، فيتكامل الطرفان : هم وحاملي السلاح بالقضاء الكامل على المؤسسات لجهة البناء والبشر !..

** نتهم الغرب بالتآمر على بلداننا وشعوبنا ــ وهذا صحيح ــ ولكن العرب وحكوماتهم وأنظمتهم هم من فسحوا المجال لتآمر الغرب بسبب انعدام العدالة وتكافؤ الفرص وكل أشكال الحريات من سياسية وحزبية وإعلامية ونقابية وديمقراطية وحقوق إنسان .. وتحويل السلطة إلى شخصنات ومصالح خاصة وإلى وسيلة وأداة للثراء وتكديس الثروات وحياة الأباطرة دون حسيب أو رقيب .. ثم يصفون أنفسهم بالوطنيين ومن يعارضهم بالعميل والخائن !.. والغريب أن كل نظام عربي يحتضن المعارضين للنظام الآخر الذي يختلف معهُ ويصفهم بالوطنيين ، بينما يصفُ معارضيه هو بالخونة والعملاء !.. فأنت وطني في ديار العرب بمقدار رضوخك للأمر الواقع ،ومقدار ما تنافق وتمتدح وتتقن فنون الكذب ، ولكنك عميل متى ما تذمّرت وانتقدتَ أماكن الخلل وكشفتَ الأخطاء وتحدّثتَ بالحقيقة، مدفوعا من غيرتك على مصلحة وطنك وحبك له !.. والأغرب أن مسئولي الأنظمة العربية يشتمون الغرب ليل نهار مُعلِّقين عليه كل تبعات بلاويهم ، ولكن ما إن ينتهوا من السُلطة حتى تراهم قد رحلوا ليعيشوا في بلدان الغرب بعد أن يكون أبنائهم وأموالهم، قد سبقوهم إليها وحمَلوا جنسياتها ومهّدوا لهم الطريق !.. فماذا نسمّي ذلك في علم النفس ؟.

 بل كم من الثورجيين الذين يزايدون ليلا نهارا بعدائهم للغرب (الاستعماري الامبريالي الاستعلائي العدواني التآمري) ولكنهم يفاخرون أن أبنائهم يدرسون في جامعات هذا الغرب ويتخصصون في مشافيه أو يقيمون به ويحملون جنسياته ! فهل نُسمِّي ذلك نفاقا أم استغباء للناس ومحاولة للضحك عليهم !.

** كل مفاهيم وأشكال الثورات بالماضي باتت لاغية وباطلة في زمننا هذا ، فهناك شكلٌ واحدٌ لكل الثورات اليوم ولكافة أنظمة الحُكم الصحيحة والسليمة ، وهو الديمقراطية العَلمانية الإيمانية السائدة في عالم الغرب والتي أثبتت صحتها على مدى زمنٍ طويل وكان لها الفضل في رقي الغرب واستقراره وازدهاره والعدالة الاجتماعية في بلدانه إلى الحد الذي يدفع الملايين من بلدان العرب والإسلام وغيرها للتهافت عبر البحار والأخطار ، وكل أشكال الاحتيال ، لتحظى بمكانٍ لها في أحد بلدانه ، ودونها (أي الديمقراطية العَلمانية) كذب ودجلٌ واستمرار للحروب والصراعات وحُكم الأقوى على مبدأ شريعة الغاب ، وهكذا تبقى مجتمعاتنا مُكوِّنات متنافرة بعيدة عن بعضها ، غريبة على بعضها ، حذِرة وخائفة من بعضها ، متعصِّبة لأديانها ومذاهبها وطوائفها وعشائرها وعائلاتها ومناطقها ومدنها على حساب رابط الوطن .. ومع ذلك تسمع البعض يتباهى بتخلفه ويتهم الغرب بالتفكك الاجتماعي في وقتٍ أصبح كل مجتمع غربي وكأنه أسرَة واحدة كبيرة على مساحة وطن ، بعيدٍ عن كل أمراضنا وتعصبنا القائم على المفاهيم المتخلفة التي أشرتُ إليها آنفا ..

  ** وأخيرا سأنتقل من العموميات إلى التخصيص وأتحدّث باقتضاب عمّا يجري في وطني المُدمَى بالجراح .. فليس من احدٍ يستطيع أن ينكر أن الأوضاع في سورية بلغت مبلغها وكانت كل الأسباب والدوافع لخروج الناس للشارع متوفرة ،بعد عقود من إدارة الظهر وعدم الانتباه والاهتمام الحقيقي لما تعانيه الناس وتشكو منه على كافة الأصعدة !.. ولكن هل نحن في سورية اليوم أمام ثورة ؟؟. كلّا، لسنا اليوم أمام ثورة وإنما أمام فتنة طائفية بغيضة أبطالها هم كل تلك التنظيمات المسلحة (وداعميها ) التي تحمل جميعها أسماء دينية وإسلامية، وهي تتدرّج في آيديولوجياتها من التعصب والتزمت وحتى التطرف والتكفير والإرهاب !.. وكلها بلا استثناء طائفية وتستهدف الآخر على هويته الدينية والمذهبية ، ولا يوجد بينها تنظيم واحد سنَحتْ له الفرصة بالخطف إلا وخَطف أناسا أبرياء على هويتهم المذهبية والدينية الصرفة!.. أعرفُ أناساً ومنهم أطباء ومُحامين تمّ خطفهم وهم مسافرون على الطريق الدولي بعد مدينة دمشق بعدة كيلو مترات ، أو على الطريق وهم إلى قُراهُم ، ولا علاقة لهم بكل الدولة ، بل لم يحظوا بوظيفة بالدولة ، ولكن تم خطفهم على هويتهم المذهبية !.. "الثورات" لا تفعل هذا .. الثورات تطمين للناس بمستقبل أفضل وليس ترهيب لهم وقطعٌ للماء والكهرباء والغاز وتحطيم للبنية التحتية، وخطفٌ وقتل وسبيٌ وفدية وقطع للطرقات ، وتهديدٌ للناس الآمنة في قراها بالاقتحام والقتل والاختطاف والنهب ، وفرض العقائد والمذاهب عليهم ، أو دفع الجزية .... هذه ليست ثورات ، هذه فِتن وجرائم وردّة خطيرة ، أين منها الجاهلية وشريعة الغاب !!. أليس كذلك ؟؟. الثورات هي عدالة وصون للحياة والحرية والكرامة والشرف والعرض والمال لكافة أبناء الشعب دون تمييز وليست دعسا على الحريات والكرامة ، وانتهاكا للأعراض ونهبا للأرزاق التي أفنت الناس حياتها في جمعها !..

  ** فلو تأمّلنا بكافة التنظيمات والحركات التي تقاتل فوق الأرض السورية ، هل بينها من لا يحمل اسم إسلامي ؟؟ هذا لوحده كافٍ على أن يُسقِط عنها مفهوم "الثورات" .. لأنها تعكس عقلية تمييزية عنصرية أحادية منفردة متسلطة تنكر حقوق الغير الكاملة في وطنه، وتنسف مبدأ الحريات بأكمله والتساوي بالمواطَنَة !.. هذا فضلٌ عن أن الإسلام دين وعقيدة دينية خاصة بالخالق والمخلوق ، وليس الإسلام نظام دولة حتى نفرضه بالقوة والقتل والإرهاب وقطع الرؤوس في كل الأزمان والبلدان ، ووفق مفاهيم وعقائد بعيدة بالأساس عن كل ما جاء به الإسلام ونبي الإسلام !..أين هي إذا إرادة الشعوب ؟؟ أين هي قرارات الشعوب ؟؟ أين هي كرامة وحرية وخيارات وآراء الشعوب ؟؟ أين هو احترام عقائد وخصائص الآخرين ؟؟. أين حقهم في المواطَنَة؟.

كيف سنكون هكذا في القرن الواحد والعشرين ؟. فإن كانت "الثورة" ستقتلع كل ذلك وتفرض مفهوما واحدا أحاديا بالقتل والقوة وقطع الرؤوس وتسلبُ البشر حريتها وكرامتها ومعتقدها وإيمانها وعقيدتها وعاداتها وتقاليدها وثقافتها وخصوصيتها،،فكيف يمكن لهذه أن تكون "ثورة" !.. كلا هذا يكون نوعا من الاحتلال والاستعمار والاستعباد والإذلال والخنوع والإخضاع الذي لم يشهد له تاريخ البشرية سابقة !.. ولهذا فإن من يطمحون ليكونوا أصحاب رسالة "ثورة" بالفعل، عليهم أن يبرهنوا على ذلك بتغيير كل ممارساتهم ومسلكيتهم ومنهجيتهم وأهدافهم ، ويتوقفوا عن قتلهم وخطفهم وسبيهم وتحريضهم الطائفي في إعلامهم وخطابهم وتعليقاتهم ، ويفرجون عن كل المخطوفين، ويتوقفوا عن مهاجمة أو استهداف القرى الآمنة لأسباب مذهبية صرفة وارتكاب المجازر بها ، ويُعلنوها بصراحة ووضوح أنهم يهدفون إلى بناء الديمقراطية العَلمانية الإيمانية التداولية التي يتساوى في ظلها كافة مكونات المجتمع بغض النظر عن أي انتماء ، على غرار ما هو معمول به في الغرب ..

هذا هو مفهوم الثورات اليوم، وإن كانوا عاجزين فكفى أحاديث عن " ثورات " ليست سوى مشاريع للتحريض الطائفي والفتنة والاقتتال وسفك الدماء وتفتيت الوطن .. بحسب ما رأيناه وما نراه !. فمن يريد العنب لماذا يقتل الناطور ؟ إنهم يقتلون الناس الآمنة ولا يعملون لتأسيس ديمقراطية عَلمانية تداولية ، فهذه ليست أصلا من أهدافهم ولا عقيدتهم ولا إيمانهم ولا تفكيرهم ، بل يعتبرونها كُفرا لأن المرجعية فيها للشعب ، وهذا مرفوض لديهم بالمُطلق .. فعن أي شعبٍ يتحدّثون، وعن أية حرية وكرامة بينما تسلبُ الآخر حريته وكرامته وعرضه ومالهُ وبيته وأرضهُ وحتى روحهُ وحياته ، وتُصنِّف علنا أبناء الشعب إلى مؤمنين ومرتدّين وكفارا ومشركين ، وتهدد وتتوعّد ، وتخطف حتى صلاحيات الله لتمارسها وكأنك الله !.. فهل هذا هو مفهوم الثورة والثوار ؟!.

  ** ولكن ألا تحتاج سورية الانتقال نحو الديمقراطية العلمانية التعددية التداولية بمفهومها الغربي والعالمي المعروف؟ نعم تحتاج ونأمل أن يحصل ذلك بشكل سلمي على غرار ما حصل في بلدان شرق أوروبا بعد سقوط جدار برلين ومنظومة حلف وارسو . . فهذا ما تحتاجه سورية وليس المشاريع الداعشية والتكفيرية والإسلاموية الظلامية التي تعيد البلد إلى زمن المغاور والكهوف







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز