علاء ال جعفر
aljaffar_alaa@hotmail.com
Blog Contributor since:
02 April 2012

كاتب عربي من العراق



Arab Times Blogs
الوهابية... والمدنية العربية


بلادُ العربِ أوطاني... منَ الشامِ لبغدانِ

ومنْ نجدٍ الى يمنٍ... الى مصرَ فتطوانِ

فلا حدٌ يباعدنا ولا دينٌ يفرّقنا... لسانُ الضادِ يجمعنا بغسانٍ وعدنانِ

لنا مدنيةٌ سلفتْ سنحييها وإنْ دثرت... ولو في وجهنا وقفتْ دهاةُ الانسِ والجانِ

 مطلع قصيدة نظمها الاستاذ فخري البارودي لطالما تغنى بها كثير من العرب في مجالسهم ومنتدياتهم، وحفظها الصغار ورددوها في مدارسهم وملاعبهم... واقترحها البعض ان تصبح نشيداً وطنياً للامة أجمعها

 ولكن ترى ما الذي تبقى اليوم من بلاد العرب أوطاني... مدنٌ وبلدانٌ تباعدت وتنافرت حتى باتت كالجزر الهائمة في وسط المحيط، وأرضٌ اتخمت بلحم أبنائها، وترابٌ امتزج لونه بحمرة الدماء، ، وسرادقُ حزن لا ينتهي، وبات العربي يقتل ببرود أخاه العربي  بل ويستقدم مسوخاً بشرية من أصقاع المعمورة لتشاركه هواية الذبح والحرق والتفجير... هي ذي بلاد العرب..  دماء في الكويت، ونزيف في العراق، وموت وخراب في سورية واليمن وليبيا، وأنين بات يسمع صداه تونس ومصر وغيرها... وتمزيق وحشي للنسيج الاجتماعي، وتشريد للاقليات، وقتلٌ وسبيٌ ونهبٌ وهتكٌ للاعراض ومتاجرةٌ بالبشر... وكل ذلك زوراً تحت مظلة الدين... دين محمد صلى الله عليه وأله وقرآنه الذي لم ولن يخبت صوته وهو يتردد على صوت مرتليه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).

  الدين الذي يلمّ شتات الاُمم وإنْ تنافرت قومياتها، ويوحّدها وإنْ تخالفت لغاتها، ويضمها الى بعض وإنْ تباعدت بلدانها بات اليوم في نسخته المشوهة الجديدة التي جاء بها السلفيون والوهابيون علة ما أصاب الاُمة الواحدة من التنافر والتخالف والتباعد، والاقتتال.

  فقهاء سوء نبشوا القبور واستخرجوا من رممه العفنة كل ما لفظه السابقون من العقلاء، وصنعوا لهم ديناً جديداً لم يبشر به نبي الانسانية ولم يدع اليه أحد، بل حذّر منه صلى الله عليه وآله وهو القائل:  لقد جئتكم بالشريعة السمحاء، ولكنهم قالوا باسمه زوراً: لقد جئتكم بالذبح!! في حديث مكذوب عليه صلى الله عليه وآله لم يرد إلا في مسند أحمد فتعبّدوا به رغم وضوح وضعه وأعرضوا عن واضحات شرعه، وصحيح أحاديثه، بل ودعوا السفهاء والحمقى والجهلاء الى اتّباعهم كما دعا السامري السفهاء من قوم موسى، فاطاعوهم كما أطاعوه، وأحلّوا قومهم دار البوار.

  " لنا مدنية سلفت سنحييها وان دثرت... ولو في وجهنا وقفت دهاة الانس والجان" امنية لن تتحقق بوجود عقائد التخلّف والجهل التي باتت منهجاً لجماعات أعرضت عن دين محمد واتبعت دين الجهل الذي جاء به ابن عبدالوهاب الذي يؤمن بان "الفكر الكفر سيان لانهما من نفس الحروف"!! عقائد تصيبك بالغثيان ويكفيك في معرفة جهلها انها تستميت دفاعاً في اثبات أن الارض ثابتة لا تدور!! حتى لا تفسد عقيدتهم المنحرفة بتجسيم الله تعالى وأن ـ جل اسمه ـ جالس في السماء فوق العرش!!! 

  تلك العقيدة التي زواجت بين التخلّف والتكفير والتوحش هي من تبناها آل سعود وأنفقوا المليارات في الترويج لها وتسللت كالافعى الرقطاء في أطراف الارض بلباس الدعوة والعمل الخيري دون ان يتنبه لها الكثيرون حتى نفثت سمومها في عقول من نراهم اليوم يزحفون من أقاصي الارض نحو بلادنا ليقيموا فيها شرع ابن عبدالوهاب وابن تيمية بدلاً عن شرع الله ودين رسوله، وشعارهم مع مخالفيهم "لقد جئناكم بالذبح".

  وقد أشار الى ذلك صراحة الكاتب البريطاني ديفيد غاردنر في صحيفة “الفايننشال تايمز″ متحدثاً عن دور آل سعود منذ الحرب الباردة والحروب الإنفصالية في يوغسلافيا خاصة في ألبانيا (كوسوفو)، البوسنة (مقدونيا) وحتى أجزاء من بلغاريا  في عملية بناء مساجد ومدارس ممولة باموال وفيرة تدرّس الفكر الوهابي مما أدى لتغيير الثقافة الإسلامية في هذه المناطق من ثقافة تركية صوفية الطابع الى وهابية مطلقة متشددة ومتعصّبة.

 ويضيف غاردنر: أن السعودية لا تقوم فقط بتصدير النفط بل الى تصدير عقيدة شبه شمولية وتجنيد مقاتلين مؤمنين بافكار ابن عبدالوهاب القائم على شجب الآخرين وكراهيتهم، في وقت تحاول في فيه منع آثار الجهاد العالمي من الوصول إليها.

  ورغم ان الوهابية هي المعتقد الذي يقوم عليه النظام السعودي ويروج له وارتكب من خلاله الكثير من الجرائم والمجازر إلا انه اتخذ منهجاً خطيراً منذ سبعينات القرن الماضي (1971) حين أنشئ ما يدعى بهيئة كبار العلماء بديلاً عن البرلمان، تضم جملة من السلفيين الذين يختارهم الملك ويترأسهم المفتي السعودي، وحيث ابتدأ العالم الاسلامي يدخل في نفق الفتاوى الشاذة والتكفيرية المروجة من خلال الدعاة الوهابيين الذين تسللوا من خلال الجمعيات الخيرية والمراكز المنتشرة لهم في توظيف خبيث للفقر والجهل لنشر أفكارهم، تساعدهم في ذلك الاموال الكثيرة التي حققتها الايرادات الضخمة للنفط.

  يقول الكاتب بول فاليلي في صحيفة الاندبندنت البريطانية: انه بحسب تقارير اعدتها وزارة الخارجية الامريكية فان نظام ال سعود استثمر على مدى العقود الاربعة الماضية اكثر من عشرة مليارات دولار في "مؤسسات خيرية" مزعومة في محاولة لنشر الايدولوجية الوهابية التي تتسم بالتعصّب والقسوة.

  فيما يقّدر خبراء استخبارات اوروبيون بان 20 بالمئة تقريباً من هذه الاموال السعودية تم تحويلها إلى تنظيم  (القاعدة) وتنظيمات ارهابية اخرى.

  بل ويضيف: ان نظام ال سعود يشكّل مصدراً رئيسياً لتمويل التنظيمات الإرهابية منذ سبعينيات القرن الماضي وذلك من خلال المبالغ الطائلة التي أنفقها في سبيل نشر "فكرها الوهابي المتزمت والصارم".

    ورغم ان قطر تلعب دوراً خطيراً في نشر ثقافة الكراهية والتكفير والترويج للتنظيمات الارهابية منذ عام 1991 حين أنشأت ما يعرف بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووضعت يوسف القرضاوي الارهابي الخرف رئيساً له، ومن ثم قامت بتأسيس قناة الجزيرة البوابة الاعلامية لارهابيي العالم الاسلامي، والمروجة لهم، فأنها تبقى مجرد آداة منفذة تسعى وفق أجندة محددة مرسومة لها، خلاف آل سعود ومملكتهم في جزيرة العرب فانهم المؤسس الحقيقي للارهاب، والمصدّر الاول له.

  فمن هناك كانت بدايات التكفير والقتل، واستباحة دماء المخالفين لهم، من الشيعة والسنّة والمسيحيين والغربيين وغيرهم بفتاوى وهابية صرفة، فتاوى تكفّر الشرق والغرب وتبيح لاتباعهم  دماء الآخرين وتحلل لهم نساءهم وِأطفالهم وأموالهم...

      واذ اخفقت السعودية خلال الخمسين عاماً مضت والى حد ما في التمدد بشكل علني وواضح في العديد من الدول العربية بفعل الحكومات المركزية التي لم تكن لتسمح بتحقيق ذلك كما في العراق وليبيا وسوريا وتونس إلا أن سقوط تلك الانطمة وما تبعها مما عرف بالربيع العربي وغياب الرقابة الصارمة مكّن آل سعود من التسلل الى تلك البلدان وغيرها عبر مئات من الدعاة الوهابيين ومن خلال خداع الشباب المسلم عبر بوابتي الفقر والجهل، فانتجت كل التنظيمات الارهابية في المنطقة.

  يقول الكاتب والصحفي الامريكي الشهير في شبكة فوكس نيوز جيرالدو ريفيرا: إن السعودية تقف وراء الأفكار التي كوّنت جماعات متطرفة، أمثال "النصرة" و"داعش" و"بوكو حرام" وأنها أي السعودية تمثّل "مصدر الشّر" في المنطقة.

 وتؤكد ذلك الخبيرة النمساوية في شؤون الشرق الاوسط "كارين كنايسل" في صحيفة (فينر تسايتونغ) من إن التعاليم المتطرفة التي يلقنها النظام السعودي للتلاميذ في المدارس وينشرها في الكتب المدرسية ويضعها في ايدي ملايين الشباب هي السائدة والمعتمدة لدى تنظيم "داعش" الارهابي الى جانب المواعظ الدينية المتطرفة التي تعتبر أي تعاليم اخرى كافرة بالنسبة لهم.
  وأوضحت أن نظام آل سعود يقدّم كل الدعم المالي لتغذية الفكر المتطرف في كل مكان يصل اليه بل وساهم بنمو تنظيم "داعش" وغذّاه بالأفكار المتطرفة والمال، كما سلف لهذا النظام ايجاد تنظيم القاعدة سابقاً ودعمه وموَّله.

 ولكننا رغم كل هذا كنّا في "بلاد العرب أوطاني" نصاب بالذهول حين نجد أنظمة وتنظيمات تسبّح بحمد هؤلاء القتلة وتناطح دفاعاً عنهم، بل وتعدوا لهاثاً خلفهم لتشاركهم في جرائمهم البشعة والمتوحشة وتبرر كل ذلك بالكذب الرخيص المثير للغثيان كما يحدث الآن في اليمن من ابادة وتدمير، وقتل متوحش للنساء والاطفال والشيوخ بشكل فاق كل التصورات، وجسّد بوضوح عقيدتهم الفاسدة "لقد جئناكم بالذبح" أقول "كنّا" قبل أن تفضح وثائق ويكيلكس كيف انّ الضمير الانساني في بلادنا بات كثير منه معروض للبيع في اسواق النخاسة.

  "لنا مدنية سلفت سنحييها وان دثرت... ولو في وجهنا وقفت دهاة الانس والجان" لا ريب أنه لم يعد هناك من يعنيه أن يقف دون امتنا العربية ومدنيتها أكان من الانس أوالجان، وهي بفضل آل سعود وعربان الخليج وفكر محمد بن عبدالوهاب أذهلت البشرية وهي ترى بعيونها ما لا تصدقه عقولها: مسوخاً آدمية بمسميات مختلفة: داعش، النصرة، بوكو حرام وهي تنحر الرقاب باسم الاسلام، وتحرق بتلذذ الاسرى المقيّدين بالنار حتى الموت، وتسترق النساء وتبيعهنّ في أسواق النخاسة، وتفجّر باجسادها الملغمة المساجد بمن فيها من المصلّين الساجدين، وتهدم بمعاول التخلّف تراثاً حضارياً انسانياً يمتد لالاف السنين.

  ترى هل حقاً بقي هناك من يردد بصدق "بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان" بعد كل هذا؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز