سيلوس العراقي
saggio2007@hotmail.com
Blog Contributor since:
08 January 2014



Arab Times Blogs
ريادة اليهود في عالم المطابع والطباعة

سارت الطباعة العبرية وتطورت بموازاة مع نشوء وتطور الطباعة عامة في اوربا، بل لعب اليهود دورا كبيرا في الطباعة والنشر منذ الأيام الأولى للاختراع الجديد. وهنا نبذة بسيطة لبدايات وريادة اليهود في عالم الطباعة منذ فجر تاريخ المطابع الأولى في العالم.

كان للطباعة الدور المهم في تفجير وبدء عصر جديد في التعليم في الفضاء الديني اليهودي، اضافة الى أنها ضمنت استمرارية الحفاظ واطلاع اليهود اليسير على الأعمال والكتابات والارث اليهودي الديني والمدني.

ومن الجدير ذكره أن الطباعة العبرية في ذلك الوقت نمت بشكل أوسع وأسرع من الطباعة العلمانية، بسبب حجم الطلب الكبير على الكتب العبرية من قبل الشعب اليهودي، وكانوا بحاجة ماسة للكتب ومستعدين لدفع أي مبلغ تكلفه.

إن مركز الطباعة والمطابع العبرية كان في ايطاليا في القرن السادس عشر، وتذكر بصورة خاصة مطبعة سونشينو، التي انتقلت في القرن السابع عشر الى امستردام بواسطة منسى بن اسرائيل ، المارّانو.

كان لجوهانيز جوتنبرغ (مخترع المطبعة) حلماً وهو أن يقوم بعمل ونسخ المخطوطات الليتورجية للقرون الوسطى والكتاب المقدس، بطرق ميكانيكية، لينتج منها كميات كبيرة.. وتمكن في عام 1455 من طباعة 150 نسخة من الكتاب المقدس، وبدأ منذ حينها عصر وعالم جديدان بالنسبة للأمم (عامة) وللشعب اليهودي بشكل خاص.

اهتم اليهود، من جانب آخر، منذ الأيام الأولى لصناعة الكتاب في مطبعة ميكانيكية، بنشر كلمة الله (الكتاب المقدس). وبنفس الوقت فان الصناعة الجديدة توفر استثماراً اقتصاديا تجنى منه الاموال والارباح. يضاف الى ذلك العوامل التالية التي ساعدت في اهتمام اليهود بالاختراع الجديد ونموه السريع.

لما كان للقراءة (والدراسة) من مكانة رئيسية وضرورة دينية عليا بالنسبة لليهود لممارسة ديانتهم، حيث تعتبر بمثابة وصية دينية تحتم على كل يهودي قراءة التوراة.

ويضاف الى ذلك تميز ابناء الشعب اليهودي بتفوقه بنسبة من كانوا يجيدون القراءة والكتابة في حينها بين باقي الشعوب وحتى من قرون قبل اختراع الطباعة.

علاوة على امتلاك اليهود امكانيات مالية اعلى بكثير (نسبيا) من باقي الشعوب الاوربية حينها وذلك لانخراطهم في أعمال المال والصيرفة والتجارة والاقتصاد والبنوك الأمر الذي ساعد بكل تأكيد على خلق سوق واسعة وواعدة ومشجعة لانتاجات الاختراع الجديد.

أوائل المطبعيين اليهود، رأوا في صناعة الكتاب الجديدة (الطباعة) فرصة ذهبية لجمع الأموال والثراء، اضافة الى انها وسيلة تيسر عملية تمكن الأغلبية من الحصول على نسخة من التوراة، كما تساهم نسبة من هذه الأموال في أعمال الخير ومساعدة المحتاجين من اليهود .

كل هذه العوامل الرئيسية، وربما غيرها أقل أهمية ، كانت عاملا مسرعا لانتشار الكتب العبرية.

كما كانت حافزا لدوافع ربحية حصرا حتى للمطبعيين الاوربيين من غير اليهود على البدء بطباعة الكتب بالعبرية لما وجدوا اقبال اليهود على شرائها.

رأى أغلب اليهود في الاختراع الجديد، الطباعة والمطابع، قفزة هائلة في التطور، واعتبروه كأنه تاج للعلم وصنعة مقدسة. وكأن بنبوءة النبي اشعيا تتحقق من خلال هذا الاختراع الجديد "ستمتليء الأرض كلها بمعرفة الرب الاله".

لكن ماذا بشأن ناسخي المخطوطات؟

ان الأمر كان مختلفا لدى النساخين الذين ينسخون الكتب الدينية وبالدرجة الأولى كتاب التوراة ومن ثم كتب التلمود، فاعتبروا هذا الاختراع الجديد كعمل من أعمال الشيطان، تخوفا منهم على الضرر الذي سيؤثر على مصدر رزقهم. بالرغم من أن عمل الناسخين لم يتوقف، لأن الطلب على لفائف التوراة التي تستخدم في دور العبادة اليهودية في كل أنحاء العالم استمر ولغاية يومنا هذا.

أحدث الاختراع الجديد ثورة يهودية كبرى في الحياة الثقافية والدينية على حد سواء. فابتدأت طباعة القواميس والمعاجم وكتب قواعد اللغة العبرية وسهل الحصول عليها من قبل الجميع، كما أعطى الكتاب المطبوع انتشارا واسعا لكتب تفاسير التوراة والتلمود. فاصبح الحصول على التلمود يسيرا من قبل اي يهودي وفي أي بقعة في العالم. وطبعت كتب الصلوات العبرية بغزارة وبدأت مرحلة تطويرها وتنظيمها في اسلوب منهجي ليتورجي ليلائم كافة الجماعات اليهودية.

بينما في العالم المسيحي الاوربي فالاختراع الجديد أحدث تطورا في المسيحية البروتستانتية بشكل خاص، لأنها قامت بسرعة كبيرة بطباعة الكتاب المقدس باللغات الحية، بينما استمر اقتصار طباعته باللغة اللاتينية فقط في الكنيسة الرومانية اللاتينية .

المطبعيون اليهود الأوائل :

من أبرز المطبعيين اليهود الكبار اثنان:

سونشينو في القرن الخامس عشروالسادس عشر،

و منسى بن اسرائيل في القرن السابع عشر.

ان الطباعة العبرية ابتدأت في ايطاليا، وليس في المانيا، لأنه لم يكن مسموحا لليهود في الانضمام الى النقابات الالمانية التي كانت مسيطرة على المطابع، الى حين انتقال بعض المطبعيين الالمان الى ايطاليا فتمكن اليهود في الانخراط معهم هناك في هذا العمل.

الكتاب العبري الأول الذي تمت طباعته كان في عام 1469 م، وبعده وخلال ثلاثين عاما نشأت ما لا يقل عن 22 مطبعة عبرية في كل من ايطاليا واسبانيا.

المطبعة العبرية الأكبر في حينها كانت مطبعة سونشينو بالقرب من مدينة كريمونا (لومبارديا ـ ايطاليا) حين انتقل اليها كل من صموئيل وسيمون (السونشيني) من المانيا. وكان لصموئيل ابنا طبيبا وهو اسرائيل ناثان، الذي انجذب وانخرط في العمل الطباعي كما اشترك معه ابنه يشوع في هذه الصنعة.

في عام 1488 م قام سونشينو بطباعة الكتاب المقدس العبري كاملا، كما قام يشوع خلال الفترة ذاتها بطباعة أكثر من 40 عمل.

ولما لم يكن ليشوع ابنا يخلفه في مواصلة هذا العمل الذي نجح فيه، استلمها حفيده جيرشوم بن موسى، الذي يعتبره البعض من أبرع المطبعيين اليهود. كان لجيرشوم مهمة كبيرة وصعبة حيث كان يطبع الكتب ليس بالعبرية فقط بل أيضا باليونانية واللاتينية والايطالية، وكان في سباق ومنافسة مع المطبعيين الايطاليين. وكان بالامكان العثور على كتب مطبعته في مدن عديدة في ايطاليا، بريشيا ، باركو، ريميني، انكونا وغيرها. ولازالت  العديد من المكتبات الايطالية واليهودية تحتفظ بنسخ نادرة منها.

يعتبر جيرشوم أول مطبعي في العالم استخدم الزيلوغراف في الطباعة، كما يعتبر أول من قام بطباعة الكتب العلمانية بالعبرية.

وعلى غرار المطبعي الفينيتسي (من فينيسيا) قام جيرشوم بطباعة كتب الجيب الصغيرة التي تتميز بكونها ملائمة الحمل في السفر والتنقل وذات الكلفة الزهيدة المتاحة للاغلبية :كتب صغيرة الحجم ،  جودتها أقل من غيرها حيث يستخدم في صناعتها نوعية ورق زهيدة بغلاف ورقي أو من الورق المقوى.

ولأسباب غير معروفة تحديدا، ربما تكون بسبب المضايقات التي كانت تمارس على اليهود وبالخصوص البارعين والناجحين في منافسة الآخرين، وربما لأسباب أخرى كان تكون طموحات شخصية في الانتشار العالمي، ترك جيرشوم ايطاليا وتوجه اولا الى سالونيقيا ومن ثم الى استنبول في عام 1527 م حيث استمر هناك في نشاطه المطبعي. 

أما منسى بن اسرائيل (1604 ـ 1657 م)

الذي أخذ اسما أخر بعد عماده في الكنيسة الكاثوليكية وهو : مانويل دياس سوييرو.

حينما كان منسى فتى صغيرا، اكتشفت محاكم التفتيش بأن عائلته كانت من المارانوس (يهود متحولون الى المسيحية ويمارسون اليهودية سرا)، التي قامت بالحكم على أبيه كاسبار نونيس بالحرق بالنار، لكنه نجا في اللحظات الأخيرة حينما أعلن وعداً بأنه سيكون مسيحيا حقيقيا.

وحين سنحت له الفرصة لاحقاً، أخذ كاسبار عائلته وهرب الى امستردام، حيث عاد وعائلته يهودا يمارسون ايمانهم بحرية كيهود.

منسى ومنذ صباه، كان صبيا معجزة وبارعا في الدراسات الدينية.

كتب كتابه الأول في قواعد اللغة العبرية وكان يبلغ من العمر 17 سنة فقط. وفي عمر 18 سنة أصبح واعظا في سيناغوغ جماعة نبي شالوم.

وحين بلغ من العمر 22 سنة أنشأ أول مطبعة عبرية في أمستردام. واستمر كذلك في تأليف وكتابة الكتب باللغات العبرية والاسبانية والبرتغالية واللاتينية طيلة أيام حياته.

كتب منسى في اللاهوت والشريعة اليهودية وقوانينها، وجه كثيرا منها الى اخوته من المارانوس العائدين الى اليهودية.

تأثر منسى بالجماعات غير اليهودية أيضا، وأصبح صديقاً للفنان العالمي الكبير رامبراندت الذي كان يسكن قريبا من مسكن منسى.

قام رامبراندت برسم لوحة لمنسى وحفرا مخروطا على معدن له. وكان يوصي منسى صديقه رامبراندت خيرا باليهود ولغرض تقديم الأمور العبرية في أعماله الفنية.

كما أن أحد أعمال منسى وهو : بييدرا كلويوسا : الحجرة الممجدة ، يحتوي على نقش من عمل الفنان رامبراندت.

وبالرغم من أن منسى أصبح رائداً وقائداً للمطبعيين والناشرين بالعبرية في زمنه، كما تفوقت مطبعته على المطابع الايطالية وتجاوزتها، وأصبح علماً ومعياراً ومقياساً في أعمال الطباعة والنشر بالعبرية في اوربا، لم يجن منسى أموالا طائلة من أعماله. وقرر الانتقال الى البرازيل في عام 1650م ... وتوفي في عام 1657م.

في الدولة العثمانية

منذ سنة 1492 م وهو تاريخ طرد اليهود من اسبانيا ومن البرتغال بعدها، هاجر يهود اسبانيا باتجاه المغرب وايطاليا وتركيا، ونقل المطبعيون اليهود صنعة الطباعة معهم

بالنسبة للعثمانيين، كانت الطباعة في أول الأمر من الأعمال المحرمة على المسلمين فيها باعتبارها (هكذا !) مصدرا للتخريب. لكنهم سمحوا لليهود بالانخراط ومزاولة العمل المطبعي في الطباعة بالعبرية

ولم تصبح الطباعة مقبولة شرعيا وقانونية للاسلام والمسلمين في تركيا العثمانية الا في عام 1727 م

قام اليهود الاسبان المهاجرين والمقيمين في تركيا بانشاء أول مطبعة لهم في الامبراطورية العثمانية في استنبول في عام 1493م أي حال وصولهم واستقرارهم فيها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز