ميسرة عفيفي
maisara_afifi@yahoo.com
Blog Contributor since:
08 November 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
ما الذي يبوح القرآن به إلينا

تأليف: ماساهيكو شيمادا

ترجمة: ميسرة عفيفي

(ماساهيكو شيمادا: روائي وكاتب ياباني ولد في عام 1961 في طوكيو وتربى بمدينة كاواساكي بمحافظة المجاورة لطوكيو، وتخرج من جامعة طوكيو للغات الأجنبية قسم اللغة الروسية. نشر أول أعماله الأدبية سنة 1983 وهو لازال طالبا في الجامعة، وهي رواية "أعاني مبهجة من أجل اليسار اللطيف"، ورشح من خلالها للفوز بجائزة أكوتاغاوا. ولكنه لم يفز بهذه الجائزة العريقة حتى الآن، ولكنه حصل على جائزة نوما الأدبية عام 1984 للعمل الأول، وجائزة كيوكا إيزومي عام 1992، وجائزة إيتو عام 2004، وعلى جائزة وزير التعليم والعلوم عام 2008. غير الروايات كتب مسرحيات ومقالات وأدب رحلات ونصوص أوبرالية ومحاورات مع مشاهير وترجم رواية لستيف إريكسون. وإضافة على هذا قام ببطولة عدد من الأفلام والدراما. / المترجم)

تباع أقراص القرآن المدمجة (CD) في اليابان ضمن ركن موسيقى الأعراق وموسيقى الشرق الأدنى والأوسط داخل محلات السي دي. لقد حاولت تخمين من ذا الذي يقوم بشراء القرآن في اليابان. هل هو شخص دافعه الفضول الخالص ليس إلا مِثلي تماما؟ أم يشتريه مسلم رحل عن موطنه وجاء إلى اليابان سعيا للرزق، ويحاول أن يجعل غرفته الضيقة مسجدا يقيم فيها صلواته؟ أم يا ترى يشتريه شخص يريد استخدام هذا الصوت الرائع كخلفية صوتية لمكان ما؟

لو حاولنا على سبيل المثال جعل صوت ترتيل القرآن يتردد صداه في حجرة المنزل أو أحد المحلات التي تنساب منها في المعتاد أغاني موسيقى البوب ذائعة الصيت أو الموسيقى الخفيفة. سيتغير الجو العام للمكان في اللحظة ذاتها، وكأن زمنا آخر قد تدفق في المكان، فيعم الهدوء وتسيطر السكينة على المكان بشكل عجيب.

قرّاء القرآن الذين يُسمّون حُفّاظ، يُرتلون آيات القرآن التي يفيض الإيقاع في كل أركانها، من خلال تغيير نمط ومزاج التلاوة، بتفعيل اهتزاز الصوت، أحيانا بالتمهل، وأحيانا بالإسراع المدمدم، أحيانا بنبرة منخفضة مهيبة، وأحيانا بنبرة عالية بدرجة أوكتاف أعلى، وكأنها ستخرق طبلة الأذن. كلمات القرآن جميعها هي وحي "الله" للنبي محمد، الذي بلّغها بصوته للبشر، ولذا فهؤلاء القرّاء يرتلون كلمات القرآن المقدسة وهم في حالة تقترب من حالة "الترانس". اللغة العربية، ذات الحروف الساكنة على الأغلب، عند قراءة القرآن يتردد صداها وكأنها موسيقى ساحرة.


لا توجد موسيقى مصاحبة ولا ألحان سهلة الحفظ، بل مجرد قارئ منفرد لا يقوم إلا أنه بقراءة آيات القرآن بشكل متواصل. بل والأكثر من ذلك باللغة العربية التي لا أفهم منها أي حرف على الإطلاق، وفي الأول وفي الآخر أنا لست مسلما. ولكن رغم ذلك كله فهذا القرآن (معناه بالعربية الذي يُقرأ كثيرا)، يعطيني من الهدوء والسكينة ما لا تفعله المهدئات والمسكنات. وكأنه يزيل تماما كل القلق والتوتر اللذين تراكما بفعل معاناة الحياة المعيشية اليومية. ولسبب ما، ابني ذو الخمس سنوات أثناء سماعه القرآن، يمكث هادئا رزينا بدون أن يُحدث أية ضوضاء. وأعتقد أن القرآن سيكون له بالتأكيد مفعول مؤثر في تهدئة حالة الهستيريا التي لدى زوجتي لو استمعت إليه.
كل من زار العالم الإسلامي يعرف أن القرآن ينساب خمس مرات في اليوم والليلة من مآذن وسماعات المساجد الموجودة في كل ركن وكل طريق. والقرآن يجب أن يبدأ بقول "أعوذ بالله ..."، ثم يتلو القارئ ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

ثم يلي ذلك حمد الله العليم القدير وتسبيحه، وينتهي بصدق الله العظيم.

تنبثق الموسيقى الإسلامية جميعها من القرآن، ويتولد الأدب الإسلامي كذلك من آيات وسور القرآن. على سبيل المثال ملك فن "القوّالي" وهو فن المديح والموسيقى الإسلامية "نصرت فاتح علي خان" الذي توفى منذ زمن، طريقة غنائه عبارة عن استلهام طريقة ترتيل القرآن مع إضافة ارتجالات بطريقة فنية مبهرة، وإدماجها مع ألحان بالغة التعقيد، يُسبّح فيها لله ويمدح نبيه ويمجد الصديقين وفي نفس الوقت يهمس بالغزل لحبيبته، وهنا تمتلئ أغانيه بالنشوة والوجد والإثارة، لتصبح شبه متناقضة مع هدوء وسكينة القرآن. عندما تستمع لفن القوالي تجد عضلات جسدك تتأثر تلقائيا به ويبدأ الجسد في الترنح والاهتزاز معها.

أو مثلا أشعار ابن حزم الذي يحكي عن الفرحة بكونه مسلما وعن النشوة بتجارب الحب، يعلمنا ما لا نعلم عن عمق ونضج أفكار المسلمين.

لو كان الإسلام مجرد دين ضيق الأفق، يفرض بالقوة الأخلاق المتزمتة ويطارد مخالفيه، لم يكن ليستطيع أن يصير ديانة عالمية بهذا الحجم. لا يمكن قياس التأثير الضخم الذي تأثرت به أوروبا من العالم العربي الذي كان يفخر بامتلاك أعلى مستوى من الثقافة والعلم والحضارة في القرن الثالث عشر الميلادي. اليوم يجب علينا أن نتجنب سوء فهم العالم الإسلامي بسبب الانسياق وراء المصالح السياسية الضيقة. لأنه بدون العالم الإسلامي لم تكن لأوروبا وجودا اليوم وبالطبع أمريكا كذلك نفس الشيء. لقد أصبح الدين الإسلامي ديانة عالمية بسبب تسامحه الكبير وفكره القائم على العقلانية. كثيرا ما يوصف الإسلام بمقولة: "القرآن في يد والسيف في اليد الأخرى"، ولكن هذه الصورة تعكس مفهوم الإجبار والقهر المصاحب للمسيحية منذ الحملات الصليبية وما بعدها.

وكذلك عند ذكر الأصوليين لا يتبادر إلى الذهن إلا صورة المسلمين، ولكنها صورة صنعتها السياسة الأمريكية التي لا يمكن أن تقوم فيها الرأسمالية بوظيفتها بدون وجود عدو افتراضي محتمل طوال الوقت. ولكن الأصوليين يوجدون حتى بين المسيحيين الأمريكان. وفي الماضي كان يطلق على ستالينييّ روسيا كذلك أصوليين، وفي ألمانيا على النازيين. وفي اليابان أقرب فئة لذلك هم الجماعات اليمينية المهووسة. في أي مجتمع يوجد الصراع الدائم بين سياسة العنف وسياسة التسامح.

على سبيل المثال فيلم "المصير" ليوسف شاهين يعيد تصوير هذه الأزمة السياسية على أحد صفحات التاريخ.

ولكن هذا الفيلم يمتلئ بنشوة الموسيقى الإسلامية التي تظهر فجأة وتختفي فجأة في كل مشاهده، مما يمكن أن نصنّفه بسبب ذلك كأوبرا سياسية (بوليتيكال أوبرا). يوجد في هذا الفيلم تنفيس تطهيري متواضع يختلف جذريا عن أفلام هوليود التي يُستخدم فيها طوفان من الأموال والأجهزة ذات التقنيات العالية، والمتفجرات المرعبة وكميات لا حد لها من الدماء. يتردد صدى القرآن في كل ركن من أركان الفيلم، ويمكننا من اختلاس النظر إلى ابتسامات المسلمين. يوجد في هذا الفيلم شكل آخر من تطور صناعة السينما لم نكن نحن اليابانيين نعرفه من قبل







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز