عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
معركة وصية لامرأة عطية

 

 

استبراء للدين والذمة

 

ربما يكون بعض القراءالكرام قد أحسوا بغيبتي عن الكتابة هنا في "عرب تايمز" مدة تقارب عدة المطلقات أو تزيد شيئاً أو تنقص شيئاً. صدقاً، كان أهم الأسباب وراء ذلك هو وصية المرحوم والد زوجتي لابنته. ولقد عشت في أمر تلك الوصية وكيلاً عن زوجتي أحداثاً أرى أن أحدّث الناس عنها بين الحين والحين، فلعل في ذلك عبرة، ولعل في ذلك ما ينتفع به قوم آخرون. وفي هذا المقال تمهيد للتعرف على مواقف المذاهب الإسلامية من الوصية للوارث، ليكون ذلك أساس الاستبراء للدين والذمة والمقدمة الأولى للنصر في المعركة، والله أعلم بالضمائر والسرائر، ومن ثَمَّ نتابع الحدثَ أحاديثَ على تباعد إن شاء الله تعالى.

آراء في "لا وصية لوارث"  عند المذاهب الأربعة وغيرها

جاء في الحديث الشريف: "لا وصية لوارث".

وجاء أيضاً قول الرسول عليه الصلاة والسلام يوم حجة الوداع: "إن اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقّهُ، فلا وصيّةَ لوارثٍ إلا أنْ يجيز الورثة".

(1) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ تَنْعَقِدُ صَحِيحَةً مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي نَفَذَتْ وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ نَفَذَتْ فِي حَقِّ مَنْ أَجَازَهَا، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزْها.

ومن أجاز الوصية للوارث من سائر الورثة فلا رجوع له عن موافقته مطلقاً ولو كان الرجوع قبل القبض، ولو قبل التسليم والاستلام؛ لأنه قد أسقط حقّه في رد وفسخ عقد الوصية الموقوف على إجازته، والساقط متلاشٍ فلا يعود ولا يرجع. والإجازة تكون صريحة أو بالدلالة أو بالسكوت الدال على الرضا عرفاً أو بالقرائن. فأي وارث قال موافقاً على وصية وارث آخر: أجزتُ، أو أنفذتُ، أو أمضيْتُ، فبمجرد أن يغلق فمه مُكملاً التفوه بها فقد صار رجوعه عن إجازة الوصية ماضياً لا يرجع أبداً؛ أي كما نقول بالعامية: "راحت عليه"، كالذي يقول لامرأته: طلقتك، فتكون طالقاً بمجرد أن لفظها وأغلق فاه. فالأحكام الشرعية ليست محل تلاعب وتقلبات مزاجية، فهي تقصد استقرار المعاملات من خلال الالتزام بها والإلزام بها.

(2) الأْظْهَرُ الصحيح عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:

 تَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةً مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ سائر الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي نَفَذَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ نَفَذَتْ فِي حَقِّ مَنْ أَجَازَهَا، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزهاْ.

(3) الأظهر الصحيح عند الحنابلة:

تَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةً مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ سائر الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي نَفَذَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ نَفَذَتْ فِي حَقِّ مَنْ أَجَازَهَا، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزْها.

(4) في قول صحيح عند المالكية:

تَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةً مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ سائر الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي نَفَذَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ نَفَذَتْ فِي حَقِّ مَنْ أَجَازَهَا، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزْهاْ.

ملاحظات:

أ- إن إجازة الورثة لوصية الوارث الموصى له تعني أن الموصى به قد أصبح ملكاً ثابتاً له فوراً بمجرد الإجازة، وأن له كامل الحرية في التصرف فيه (ولو على وجه الشيوع).

ب- إن إجازة الورثة حسب المذاهب الأربعة جميعاً (ولو على الأظهر والأرجح والأصح فيها) ترى أن إجازة الورثة هي مجرد رفع للمانع عن ثبوت الملكية للموصى به لمصلحة الموصى له، وترى أن التمليك ليس من الورثة الذين أجازوا الوصية، وإنما هو تمليك من الموصي نفسه خارج منه بأثر رجعي، وليس هو في الأصل من حقوق الورثة.

 (5) والأظهر عند المالكية، وفي قول للشافعية، وفي قول للحنابلة:

أن الوصية للوارث بَاطِلَةٌ مُطْلَقًا وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، إِلاَّ أَنْ يُعْطُوهُ إيّاها عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً، أي إنها تصبح بالإجازة متى صدرت من بقية الورثة- تصبح جائزة ولازمة التنفيذ لا على أنها وصية بل على أنها هبةً مبتدأةً خارجة من ملك الواهب نفسه.

ومن أعطى ذا رحم أو ذات رحم من محارمه هبةً من الهبات فليس له أن يستردها بتاتاً. والرجوع عن الهبة أيّاً كان الموهوب بالنسبة للواهب هو عند جميع المذاهب عملٌ مِن شِيم وطبائع مَنْ لا مروءة له حتى لو جاز له الرجوع عنها واستردادها.

 (6) وذهب الزيدية والإمامية والجعفرية إلى أن الوصية للوارث صحيحة من غير اعتبار لموقف الورثة، وقد ذهب الإباضية هذا المذهب أيضاً (وهذه الفرق الأربع التي قد يرميها أهل السنة بالضلال لم تذهب إلى ذلك إلا عن اجتهاد له حججه وحظه من الوجاهة).

 (7) والمطبّق في مصر، وليس ذلك اتباعاً لمذهب الزيدية أو الإمامية أو الجعفرية أو الإباضية، وهي بلد الأزهر الشريف، وموطن العلماء المجتهدين الكبار- المطبّق في محاكمها الشرعية قاطبةً منذ سنة 1946م؛ هو أن أي وارث ثبتت الوصية له وتحققت بالوجه الشرعي السليم، فإنه ينالها حتى ولو رفضها سائر الورثة رفضاً تامّاً.

 (8) وذهب الظاهرية إلى تحريم الوصية للوارث. ولكنهم اعتبروا أن إجازة بقية الورثة لها تجيز تحويلها من وصية إلى هبة.

ويرى الظاهرية أن عقد الهبة بين الواهب والموهوب له، هو عقد يثبت بمجرد صدور صيغة الهبة والقبول بها، ولا تفتقر الهبة عندهم إلى القبض، أي إن الهبة تصبح ملكاً للموهوب له فور الإيجاب والقبول ولو لم يتم القبض، ولا الاستلام والتسليم.

الخــــــلاصة:

1-   نجد في كل مذهبٍ من المذاهب الأربعة: الحنفي، الشافعي، الحنبلي، المالكي، ما يؤيد لزوم إنفاذ الوصية للوارث سواء على أصل أنها وصية، أو على اعتبار أنها تصبح بإجازتها هبة مبتدأة.

2-   ونجد أن المحاكم الشرعية في مصر منذ سنة 1946م، وهي بلد الأزهر الشريف، ومأوى كبار العلماء-  نجدها تقوم بتطبيق إنفاذ الوصية للوارث متى ثبتت وتحققت بالوجه الشرعي السليم، وذلك بغضّ النظر عن مواقف بقية الورثة سواء من قبل أو بعد وفاة الموصي، ولو عملوا مظاهرة مليونية تهتف برفضها. وكذلك يفعلون في دولة الإمارات العربية المتحدة.

والمذاهب الشيعية الأقرب إلى السنة: الزيدي، والجعفري، والإمامي ترى جواز الوصية للوارث ولزومها متى تحققت بالطريق الشرعي، وهي لا تعتبر أن لبقية الورثة أي علاقة بإنفاذها وإجازتها، وهكذا يرى الإباضية أيضاً. والله هو المستعان وهو ولي الصادقين.

عطية زاهدة    

 الخليل  - نيسان 2015م

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز