د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
كادت البطالة أن تكون كفرا


يقول بعض السفهاء إنهم يصفقون لمن يشتم القرآن، ويشتم الرسول الأكرم محمد لأنهم يدعمون الشعب السوري فالسعودية هي التي تشن الحرب على سورية. عجبي لما وصلت إليه حال "مثقفي" هذه الأمة من انحطاط. هل محاربة السعودية تكون بممارسة السفالة، وضرب العرب في هويتهم الإسلامية؟ أقول لهم إن من يشن الحرب على أهلنا في سورية هم الأمريكان والإسرائيليون، وهم يستخدمون أدوات ومرتزقة من ثمانين بلدا. هل أمريكا دولة إسلامية؟ هل إسرائيل تقتدي بالرسول الأعظم محمد بن عبدالله؟ الحرب على سورية هي أصلا لأن سورية هي آخر قلعة للعروبة وللإسلام. والحرب ستقف غدا إذا وافقت سورية على التطبيع مع إسرائيل. بل أنتم تقفون إلى جانب أمريكا وإسرائيل في حربهما على شعبنا في سورية. أنتم لا تستحقون إلا الازدراء، وأن يتعامل العربي معكم برد على مستوى تفكيركم.


صديقي القارئ، صرتَ تعرفني معرفة جيدة، فأنا لست مفكرا "إسلاميا"، أو "حداثيا"، ولا سياسيا، ولا حتى كاتبا وإعلاميا يريد أن تفرش السجادات الحمراء أمامه عندما يمر بمطار دمشق، وينتظر أن يقف الجنرالات استعدادا عند ظهوره الميمون، ويؤدوا له التحية، وإنما أنا بدوي بسيط، قلبه، وروحه، وعقله مع كل شعب عربي يتعرض للعدوان الظالم، وأعرف أني أقدم له ما هو أضعف الإيمان، كلمتي وقلبي. وأحمد الله على أنه وهبني إلى جانب البساطة مقدرة وهبها لكل البدو، ألا وهي الفراسة، فأنا بمجرد أن أنظر في وجه شخص أعرف من هو أبوه وجدّه، فمثلا يمكنني أن أقول بنسبة من الثقة تصل 99.99 بالمئة أن فلان من الناس يرجع نسبه إلى عمرو بن العاص أو خالد بن الوليد، رغم أنه قد يكون شخصا يشتم الرجلين ليل نهار (أرجع سبب الشتيمة إلى عقدة أوديب)، وبمجرد أن أقرأ مقالة أعرف الحالة النفسية والعقلية والاقتصادية لكاتبها، ما إذا كان، مثلا، محبطا، ومأزوما، (ومزنوقا)، وعاطلا عن العمل. ولا بد أنك، صديقي القارئ، تتذكر أني قلت في مقالة سابقة "عندما يكتب أحد المسلمين مهاجما الإسلام، والعرب، والبدو، علينا أن نعرف وعلى الفور أن التعيس ابن التعيسة لا يكتب مقالا، بل عريضة، أو "استرحاما" طالبا وظيفة لدى واحدة أو أكثر من مخابرات الصهيونية الربوية، أو لدى واحدة من منظماتها غير الحكومية التي تعمل على نشر "الديمقراطية" الربوية في العالم العربي، وتحتاج إلى وكلاء وأدلاء محليين". أحمد الله على ما وهبني من فراسة البدو، فلم تمض أكثر من بضعة أيام حتى أنطق الله الحجر، فعرفت أني أصبت في فراستي. تلك نعمة البداوة يسبغها الله على من يشاء.

 

وغير هذا، فأنا عندي تعاطف لا يوصف مع العاطلين عن العمل، وأرجو، صديقي القارئ، أن لا يلزمك أن أقسم أني حين عرفت بمحنة عاطل عن العمل امتهن بدلا من العمل المثمر شتم القرآن، والرسول الأكرم، والإسلام وكأنهم هم سبب بطالته، شعرت بألم عميق وقلت لنفسي "يا عمر يكفي، فالناس تعاني من أزمات واحباطات قاتلة، وأنت تعرف أن القرآن لن يقلّ قدرا بتفاهة الجاهلين به، وأن محمدا بن عبدالله وهو على الأرض أكثر رسوخا من الجبال لن يؤذيه طنين الذباب عند قدميه، والإسلام يكبر بالسلوك الإنساني للمسلمين"، وفكرت على الفور أن أجد وسيلة لأمد يد العون إليه. ذلك عندي هو التعظيم للإسلام والقرآن ولمحمد، وليس التلاسن والتجريح، وإنسان كهذا وفي وضع كهذا حرام أن يزيده الآخرون سوءً على سوء، فالقرآن والرسول يوصيان دائما بالإحسان إلى الناس.

 

لماذا أتعاطف أيضا مع من تسحقه البطالة؟ لأني أعرف طعمها المر. رغم أننا هنا في الدنمارك لدينا ما نسميها بشبكات الأمان أو الضمان الاجتماعي، ومنها تعويضات البطالة للعاطلين عن العمل، إلا أن الوقوع في براثن البطالة كارثة للعائلة، خاصة إذا طالت، إذ تكون أولى عواقبها أن العائلة تضطر إلى بيع بيتها بخسارة، ثم قد تؤدي المشاكل الاقتصادية بين الزوجين إلى الطلاق، وفي بعض الحالات إلى الانتحار - خاصة عندما يفتقر الإنسان إلى الوازع الأخلاقي والديني، ليس بالضرورة الإسلامي، بل أي دين. حقا، القرآن، مثلا، ينهى عن قتل النفس وعن قتل الأولاد خشية الإملاق فالله يرزق الجميع. والإمام علي بن أبي طالب له قولته الشهيرة (لا تكن للعيش مخلوع الفؤاد إنما الرزق على رب العباد). وهذا ما يجعلني أتعاطف مع من يشتم القرآن والإسلام تحت ضغط البطالة والاحباط، فهو لكونه متحللا من القيم والدين أكثر عرضة إلى الانتحار من غيره، وفي حال انتحاره فإنه لا يقتل نفسه فقط، بل واسرته أيضا.

 

كان الله في عون من يعاني منها.

 

أما تجربتي مع البطالة فكانت، يا صديقي، حين أكملت دراسة الماستر في الاقتصاد والتجارة في جامعة جنوب الدنمارك، وكنت يومها غارقا في الديون التي أخذتها لتمويل دراستي، فبدأت أبحث عن عمل لدى الشركات. كتبت أكثر من ثلاثمئة طلب (application)، بلا نتيجة. وكنت في هذه الفترة أتلقى تعويضات البطالة مثلي مثل كل مواطن عاطل عن العمل. ما أصعب أن لا يقيم الناس شخصا يرى أنه يستحق أفضل تقييم كأن يكون، مثلا، كاتبا عظيما على مستوى أناتولي فرانس، وكافكا، وتولستوي، أو إعلاميا على مستوى سيمور هيرش! الحمد لله، أنا ساعدتني دائما بساطة البدوي التي اتصف بها، وقدرته على تحمل قسوة العالم المحيط به. لكن، بعد فترة صار لزاما عليّ أن أدخل في دورة لتعلم كيفية كتابة طلب احترافي للعمل (professional application). وبصراحة فإني أصبت بصدمة حين عرفت أني كنت كل الوقت أكتب طلبات يرثى لها لا يكتب مثلها إلا الهواة. ماذا كنت أكتب؟ أنا عمر ظاهر درست الانجليزية والروسية في جامعة بغداد، وتخرجت منها عام 1974، ثم درست الانجليزية في جامعة دمشق وحصلت على درجة دبلوم، وعملت في سورية مترجما لدى شركة فنية مرموقة لمدة ثلاث سنوات، وفي الدنمارك قررت دراسة التجارة والاقتصاد حين وجدت أن شهاداتي من جامعة بغداد ومن جامعة دمشق لا يشترونها هنا إلا بثمن بخس، وأنا أعرف إضافة إلى العربية والانجليزية والروسية لغات أخرى، مثل التركية والفارسية والاسبانية والكردية، بشقيها السوراني والكرمانجي، وأستطيع أن أتفاهم مع الهنود أيضا. إي، ثم ماذا؟ هذا مجرد استعراض لا يغني من جوع، تماما مثلما يقول أحدهم عن نفسه، متذمرا من عدم احترام الناس له واكتراثهم لتراثه الفكري البائس، أنه كاتب وإعلامي، فنقول له: إي بكم فرنك؟ السوريون لا يحترمون كونه كاتبا وإعلاميا فيذهب ويشتم الرسول الأكرم محمد، ويشتم العرب، ويتطاول على القرآن.

 

رأيت أن كتابة طلب على وظيفة فعلا فن يدخل فيه علم النفس والسياسة، بل والحرب والستراتيجية والتكتيك بحيث يغري المتقدم على عمل رب العمل ليستدعيه أولا إلى مقابلة، ثم تكون له ستراتيجية جديدة للتفاوض أثناء المقابلة. ومن هنا، من خبرتي من الدورة، قولي لمن يريد الحصول على وظيفة خادم لدى الاستخبارات الصهيونية أن الطلب لا ينال القبول بمجرد أن يشتم كاتبه العرب والإسلام والرسول الأكرم والقرآن، ويعرض نفسه كحداثي متأثر بالحضارة النقيضة للإسلام، وأنه زاخاروف سورية. أصلا لو أن الكاتب الفذ والإعلامي الجهبذ أقسم بالزفت حتى يبيّض أنه ليس مسلما وأنه يرفض الإسلام لن يصدقه أحد، فهو في نظرهم مسلم وعربي لو كسروا عظامه سيجدون الإسلام في نخاعها، وبالعكس إنهم يحتقرونه إذ يرون أنه يشتم أهله وأصله. أي وفاء ينتظره الغريب من شخص يشتم أهله ويذمهم، وهم يعرفون أن ثقافة الأهل تدخل في جينات الإنسان؟ خائن الأهل خائن لنفسه. حتى يصدقوا أنهم سوف يستفيدون منه ومن خدماته يحتاج الأمر إلى "براءة اختراع" وسائل جديدة. أما إذا اكتشفوا أنه مأزوم ومحبط، ويكتب تحت وطأة البطالة فليقرأ على أحلامه السلام لأنهم سيفرضون عليه شروطا مهينة، يعني سيسقطونه كإنسان في نفس الوقت الذي يجعلون منه شخصا مشهورا، فيصنعون منه، مثلا، "زاخاروف سوري" يتبرأ من الإسلام.

 

كانت الدورة عبارة عن محاضرات يلقيها علينا خبراء في سوق العمل تليها تمرينات على كتابة الطلبات على وظائف افتراضية. وفي اليوم الأخير جاء أحدهم وألقى علينا محاضرة كان عنوانها "كيف تبيع نفسك؟" بمعنى كيف تسوّق نفسك وكفاءاتك في سوق العمل. ساعة انتهت المحاضرة حملت أوراقي وغادرت الدورة، فعنوان المحاضرة لم يعجبني، ووجدته مهينا للإنسان أن يبيع نفسه. هؤلاء الرأسماليون كل شيء عندهم بيع وشراء، فأنت عندما تقدم طلبا على عمل يجب أن تقنعهم بـ "شرائك"، وهم حين يعطونك عملا يشترونك، ولا يقولون حتى احتراما أنهم لا يعنون أنهم يشترونك كإنسان، بل يشترون قوة عملك ومؤهلاتك. ولهذا أقدم نصيحة مجانية لمن يريد أن يصبح سلمان رشدي جديدا، أو زاخاروف سورية، أن يقنع الأسياد بشرائه، بأنه بضاعة غير كاسدة، وأنه سيضيف رصيدا جديدا إلى جهود محاربة الإسلام، ولهذا فعليه أن يبدع، ويسجل براءة اختراع.

 

أحدهم، وهو أجنبي قديم في الدنمارك، همس في أذني "هل تريد فعلا أن تحصل على عمل؟" فقلت "طبعا"، فقال "أنت عندك مؤهلات جيدة. لا تستمع إلى كل هذا الكلام عن الـ (professional application). أنت يمكنك أن تحصل على عمل حتى لوكتبت طلبا مهلهلا، وذلك بتغيير كلمة واحدة في طلبك، اسمك. غيّر اسمك من عمر إلى جون، أو ديفيد، أو سيمون، مثلا". ضحكتُ. هناك من فعل ذلك بالفعل ليحصل على عمل. و كما قلت فإني كنت قد حملت أوراقي ومشيت، وقررت أن أعود إلى مقاعد الدراسة واقترض من جديد لأنجز رسالة دكتوراه، وأنا واثق من أنه سيكون هناك من سييعطيني عملا دون أن أبيع نفسي، ولم يخب ظني. وأعتقد أن ما ساعدني دائما على تجاوز المحن والمصاعب هو أني، رغم كوني بدأت شبابي كشيوعي متطرف، لم أفقد أبدا الإيمان بالقيم الإسلامية التي زرعها والدي في نفسي، وفي مقدمتها عزة النفس البدوية، والاقتداء بالرسول الأكرم محمد بن عبدالله.

 

لكنْ، صديقي القارئ، هناك من قد يفعل أي شيء كي يخلص من براثن البطالة .. يبيع نفسه .. حتى للشيطان، فهم مؤهلاتهم كلها على بعضها لا تساوي فرنكين، ويدخلون في منافسة على وظائف صعبة، فصارت وسيلتهم الوحيدة في كتابة الـ (unprofessional applications) شتم القرآن والإسلام ونبي الإسلام. إنها البطالة .. البطالة كادت أن تكون كفرا. 

 

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز