نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
زمن الناصر ناصر قنديل .. ونهاية عصر هيكل

ليس هناك من اختبار يفوق اختبار الحرب .. وكأني بالحرب - للمهزوم وللمنتصر- فعل لايراد به القتال والقتل بل اعادة صياغة اللغة وترميم العقل واصلاح الفلسفة التي تحولها النفس الأنانية والجاهلة الى هرطقة .. وفي الحرب ليس أصعب من انصاف عدوك الا ألا تنصفه وهو يستحق المديح لعبقرية أو لفروسية .. ولكن بالنسبة لي فان ماهو أصعب من انصاف العدو هو أن تكون منصفا دون أن تنحاز الى صديق و حليف ترى أنه شجاع وبطل وصاحب رأي وموقف يستحق الثناء والتصفيق ..ومثالي الذي أقدمه دوما على الشجاع الذي تنحاز له وتخشى أن يدفعك انحيازك اليه الى عدم انصافه بسبب تقديرك لشجاعته هو الاعلامي اللبناني الكبير الاستاذ ناصر قنديل الذي ترددت كثيرا في الكتابة عنه في هذه الأيام بسبب هذه الخشية فقط ..

قد يكون ناصر قنديل من أولئك الذين يثيرون الجدل ومن الذين يختلف الناس فيهم ومعهم .. ولكن الحقيقة هي أن ناصر قنديل يشق طريقه بثبات ليكون أهم ظاهرة اعلامية عربية أزاحت الأستاذ محمد حسنين هيكل عن عرشه الذي تربع عليه لزمن طويل وكان لاينازعه فيه منازع .. فقد كان هيكل أهم صحفي عربي عرفه القرن العشرون على الاطلاق .. والمسافة بين هيكل وبين من يليه في الساحة العربية كبيرة جدا الى درجة أنه ان التفت خلفه ليرى أقرب الاعلاميين العرب الى موقعه لما وجد أحدا في الأفق .. الا ناصر قنديل الذي برز فجأة في الحرب على سورية كعبقرية اعلامية ذكية وشجاعة لاتنكر ووفاء لايضاهيه وفاء ..

ناصر اقترب بسرعة حتى تجاوز موقع هيكل وبدأ يكوّن مدرسة وظاهرة اعلامية تستحق الدراسة والاهتمام .. وصار بلا شك أهم الاعلاميين العرب على الاطلاق الذين بدؤوا يؤسسون لمرحلة اعلامية تزيح مرحلة الاستاذ هيكل وتزيح هيكل عن عرشه حيث تعثر هيكل عدة مرات عندما اقترب من قراءة الربيع العربي رغم أنه نجح كثيرا في تشخيص بعض تفاصيله وأورامه الخبيثة .. ولكنه تعثر عندما أراد أن يجامل الجميع وكان حريصا على ألا يستفز أحدا وأراد ان يكون صديق الجميع .. بل وتباهى بصداقته لأسرة فاسدة خليعة سماها الأسرة البديعة (واقصد عائلة آل ثاني في قطر) .. وهذا ماأثر على الثقة بتحليله وبدا أنه يقلل من هيبة فيلسوف الناصرية الأول الذي لم يكن من اللائق منه والمقبول منه أن يمارس مجاملة وهو ابن تجربة ثورية عظيمة لم تجامل في مشروعها أحدا .. كما أن هيكل وقع عن سرج جواده في غير مرة عندما اقترب من الشأن السوري قبل أن ينهض ويعتليه من جديد بعد أن يعدل السرج ويثبته بذكاء .. فالشأن السوري هو المعيار وهو المقياس لأن دمشق هي عتبة القدس .. والقدس هي مفتاح الشرق الأوسط مهما حاولنا الالتفاف حول هذه الحقيقة .. وهي مفتاح مغاليق التاريخ كله ومكتبة الله .. ومن يتعثر في طريقه الى دمشق لن يصل الى القدس ..

في كل الساحة العربية الاعلامية لم يكن هناك ولزمن طويل من يستحق التبجيل والاحترام مثل محمد حسنين هيكل الذي كان من ظلال مرحلة عبد الناصر والذي لم يكن مجرد صحفي بل مفكرا ومؤرخا ومثقفا بالفلسفة والسياسة وكان يكتب وفي كلامه سلاسل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد مع شيء من اللغة في كناياتها واستعاراتها .. وتربع هيكل بارثه الناصري وتجربته الغنية وشبكة علاقاته الطويلة والمعقدة مع شخصيات العالم على عرش لم يجرؤ أحد على منافسته عليه أو ترشيح نفسه لخلافته أو تسميته وليا للعهد .. الا أن ناصر قنديل تمكن أن ينهي احتكار تلك التجربة الغنية والفريدة وان يتبوأ مكانة خاصة في التجربة الاعلامية العربية لأنه لم يكن مجرد اعلامي بل كان مقاتلا حقيقيا ومفكرا بارزا وصديقا وفيا .. حتى استحق أن يكون لقبه .. الناصر ناصر قنديل .. الذي نصرنا وأغاثنا كلما طلبنا النصر والمدد في هذه الحرب ..

والحقيقة أن قدرته على بث حلقات (60 دقيقة مع ناصر قنديل) لفتت نظري الى هذه التجربة الفريدة .. والتي اضطررت الى مقارنتها مع تجربة حلقات (مع هيكل) التي كانت تبثها الجزيرة لاصطياد ثقة الناس باستعمالها اسم هيكل وهيبته ووطنيته لاكتساب الثقة بما تقول وتعرض في سياق التحضير لجريمة الثورات العربية .. فهيكل كان يتكلم قرابة ساعة وتحيط به ديكورات ومؤثرات اعلامية وضوئية وزوايا تصوير .. ورغم أن العمر كان يخذله قليلا فيدخل في الاستطراد وتطاير الأفكار الا أنه أدخل نموذجا جميلا من حديث فردي وخواطر وذكريات وتحليلات دون مقاطعة يرويها سياسي يستمع اليه الملايين .. ولكن ناصر قنديل في برنامجه (60 دقيقة) الذي تطوع بنفسه للحديث مع الناس دون مساعدات الجزيرة ومؤثراتها الضوئية والبصرية والاخراجية تمكن من التفوق على هيكل في رأيي .. لأنه أظهر حديثا متماسكا مترابطا متين البنية والتسلسل المنطقي .. وجذابا الى حد بعيد في قدرته على الربط المتناغم الرشيق بين أول الحديث وآخره مع تزويده بالوثائق والمنطق والحجة والذريعة والتحدي العقلي .. وهذه التجربة الذكية الملفتة للنظر في الاستفادة من الاعلام الالكتروني كرديف للاعلام الرسمي والفضائي والاندفاع في سبيل مشروع المقاومة والوفاء للسوريين تستحق الاحترام والتصفيق الطويل ..

واللافت للنظر هي عبقريته الاعلامية التي كانت تقوي من قلوب الناس وتشجع الناس وتثبتهم وتثبت قلوبهم .. وهذه العبقرية الاعلامية التي أدت دورا هاما للغاية في المنازلة النفسية في سياق الحرب الاعلامية المنقطعة النظير في شراستها ومهارتها التي تشنها الجهات المتآمرة على سورية قامت بدور خلاق وحيوي في التصدي للعاصفة وللاعصار الاعلامي الرهيب .. ورغم أن البعض حاول الحاق الاهانة بسذاجة بتلك المرحلة الخطرة والحساسة وجعل يحاكمها ببلادة وغباء الا أنه نسي أنها كانت بقعا من الضوء والقناديل على الطريق أضاءها قنديل ورفاقه من المخلصين والاوفياء كي يهتدي بها السوريون للابتعاد عن الفخاخ والحفر الاعلامية النفسية للعدو ..

أنا أتابع ناصر قنديل منذ بدايات الحرب على سورية وتكاد عيناي لاتدركانه في مكان واحد .. تراه في حلب .. ودمشق وحمص وطرطوس وتراه يكتب ويؤسس أفكارا اعلامية وكلما اشتد لهيب المعارك ورمى سحرة البيان ثعابين الحرب النفسية برز ناصر قنديل ليرمي بعصاه المتفوقة التي تأكل كل الثعابين .. وكان كلما اجتاز فارس خنادقنا الاعلامية برز ناصر من بين كل الفرسان ليتحدى الذين يعبرون "الخندق" .. ولاأذكر أنني رأيته يهزم في نقاش ولا في معمعمة اعلامية .. ورغم أنه مدجج بالخبرة والحنكة الديبلوماسية والعبقرية الاعلامية وخبثها الذكي فان لديه منصة اطلاق صواريخ وراجمات من الحجج والبراهين لاتتردد في قصف الخصم الذي يستهتر بصدق المقاومين فلايبدو من الحكمة التحرش بمنصاته خاصة اذا كان المتحرش أميريكيا ..

في حربنا الوطنية العظمى تصارعت الهرطقة مع الفلسفة وغرزت أنيابها في لحم الحكمة حتى نزفت .. وكان صراعا حتى الموت بين الهرطقة الثورية الدينية من جهة وبين الفلسفة الكلاسيكية وما يسميه الزعيم الوطني القومي السوري أنطون سعادة "الاثم الكنعاني" من جهة أخرى .. فكنا نبحث عن ناصر ينصرنا وينصر الفلسفة والعقل وكنعان .. وكان ناصر قنديل دوما هذا الناصر ..

وفي هذه الحرب الوطنية بدأ العقل باحراق كل ماجمعه من أسماء ونظريات وتراث وحكايات ومفكرين وأسماء .. وبدأ الوعي يخرج من جلده القديم الذي لبسه قرونا وينسلخ عنه وقد تعلق على الجلد القديم كل المثقفين المزيفين البلاستيكيين والمفكرين والأسماء فتآكلت كل الفلسفات القديمة والنظريات الكلاسيكية للصراعات وتداخلت المفاهيم الاعلامية وتلوّت الكتب القديمة تألما من نهش أجسادها بأسنان الثوار والجواسيس من المستعربين أمثال الجاسوس الاسرائيلي عزمي بشارة .. لكن ناصر قنديل أنقذ الفلسفة ونصر المثاليات الكلاسيكية الرفيعة للخطاب السياسي الرفيع بذكاء واقتدار ..

وفي هذه الحرب الوطنية توجعت اللغة وبكت بحرقة من تعذيبها وارغامها على أن تكذب وتزوّر وتهرج وترقص كالمومسات في المراقص الليليلة وتمارس الرذيلة على الهواء كما فعل اعلاميون وكتاب مختلون ذهنيا ونفسيا مثل فيصل القاسم الذي مزج لغة الاعلام العربي بماء المراحيض والحيض الذي يخرج من فمه .. لكن ناصر أنقذ اللغة الاعلامية وغسلها من الفجور والنذالة بماء الورد وستر عرضها وأعتق رقبتها التي قيدتها سلاسل النفط .. ففي كل (ستون دقيقة مع ناصر قنديل) هناك رحلة الى الحرية ورحلة الى المقاومة .. ورحلة الى الأمل بالنصر ..

لذلك أستطيع كمتابع ومراقب ومواطن يبحث عن وطنه أن أقول وبجرأة ودون مجاملة بأن عصر محمد حسنين هيكل الذي أحبه وأحترمه وتأثرت به قد انتهى وأننا دخلنا في عصر تجربة اعلامية سياسية جدبدة أسسها ناصر قنديل ..

المرحلة الناصرية الاعلامية انتهت وبدأت مرحلة تجربة الاعلام المقاوم التي يقودها الناصر ناصر قنديل .. أهم اعلامي عربي في القرن الواحد والعشرين ..

الناصر ناصر قنديل .. "شكرا لك" عبارة لاتكفي لمن بدأ عصرا ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز