د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
سقوط الشين من داعش


وصلنا في تعاملنا مع ظاهرة الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" المرحلة التي لم نعد فيها نفكر كثيرا في أصل الظاهرة، وكيفية نشوئها، ومن يدعمها، بل يتركز تفكيرنا على اتجاه نشاطاتها، وخططها المستقبلية، أي على السؤال عن المصيبة المقبلة التي ستتسبب فيها للمنطقة. وهنا، في خضم التغطية الإعلامية العالمية الشاملة لنشاطاتها، هذه التغطية التي تتفق كل قنوات وفروع الإعلام - حتى تلك التي قد تكون متواطئة مع داعش، على إظهار الجانب الوحشي في وسائل تعاطيها مع سكان المناطق التي تتواجد فيها، وتخريبها للإرث الثقافي للمنطقة، فإننا منشغلون بإبداء الامتعاض والإدانة والاشمئزاز، ويفوتنا أن نتنبه إلى ما هو مثير في طريقة تعامل داعش مع الوضع السياسي والعسكري المحيط بها. لا نقصد فقط الصمود المريب لداعش في وجه عالم برمته يحاربها ويريد القضاء عليها، سواء كانت تلك الحرب جادة أو كاذبة، بل نقصد عقليتها العسكرية الستراتيجية، وحربها النفسية المخيفة التي تكشف بوضوح أنها ليست مجرد مجموعات جاهلة من "الجهاديين" المتعطشين إلى الجنس والذين يطلبون الموت على عجل ليلحقوا بالحور العين، بل إنها تدير العمليات العسكرية بكوادر تتميز بعقليات تخطيطية على مستوى عال - يزعم بعض المحللين السياسيين أنهم في العراق من ضباط الجيش العراقي السابق. وقد يكفي هنا أن نذكر مثلا قدرة داعش على جذب الانتباه إلى موقع معين وتصوير المعركة فيه وكأنها هي المعركة الفاصلة في الوقت الذي تحضّر لتوجيه ضربة كبيرة في مكان آخر، وهو ما حصل قبل عام في معارك سامراء، والرمادي، والموصل، ويتكرر. ولم يتكشف حتى الآن الهدف من وراء تفجيرها لواحدة من أشرس المعارك في موقع ثانوي مثل مدينة عين العرب.

 

على أية حال، فإن التحركات التي تقوم بها داعش في كل من العراق وسورية ينبغي لنا أن نفهمها على ضوء بعض الحقائق التي تظهر أحيانا للعيان وتُرى بوضوح ثم تخفت أحيانا فتُنسى.

أولا) إن وجود داعش وغيرها من المجموعات المسلحة في سورية وقتي ولا مستقبل له، فالصراع في سورية محسوم في آخر المطاف، فهو يتميز بأنه يحمل صفة دولية وإقليمية وحدودا لا يمكن تجازوها، الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على صمود السوريين الاسطوري في محنتهم. وما بات واضحا في هذا الصراع هو أنه لن يؤدي على الإطلاق إلى إسقاط النظام في سورية. وحتى الساسة الأتراك يدركون ذلك بعمق، ويعرفون أن خط الحدود بين تركيا وسورية سيصبح في المدى البعيد خط التماس بين حلف شمال الأطلسي والحلف الجديد الذي تقوده روسيا. إن معارك الكر والفر والسيطرة على مدينة هنا وموقع هناك في الشمال السوري تدخل في إطار تكتيكات فض الاشتباك بين الطرفين ومشاغلة الجيش العربي السوري إلى حين! في سورية لا مستقبل لا لداعش ولا لغيرها من المجموعات المسلحة.

ثانيا) إن الوضع في العراق، على عكس الوضع في سورية، غير محكوم حتى الآن بأية قواعد للعبة، أو حدود للصراع على مستوى دولي أو إقليمي، فالبلد يعاني من فوضى وعدم وضوح في العلاقات بين الأطراف السياسية العراقية نفسها، وليس هناك صراع روسي أمريكي على الأرض العراقية، وكذلك فإن الالتزام الإيراني تجاه العراق غامض هو الآخر على عكس الالتزام الواضح والصريح تجاه سورية. بعبارة أخرى، فإن داعش تتمتع بفرصة أفضل لترسيخ نفسها في العراق من خلال الفراغ الاقليمي والدولي، والفوضى الداخلية، والفساد الذي ينخر جسد الأجهزة الحكومية العراقية.

ثالثا) إن الساسة الأتراك الذين يدركون حدود اللعبة في سورية يتحركون أيضا من واقع أن سورية لا تشكل خطرا على تركيا، مثلا فيما يتعلق بوضع الكرد الضعيف في الشمال السوري. أما الحديث عن الأطماع في اقتطاع حلب أو غيرها فقد تكون من التهويشات التي لا يخلو منها أي صراع. لقد كانت أقصى أمنية للساسة الأتراك من خلال نشاطاتهم في الشمال السوري هو تغيير نظام الحكم في البلد، وتنصيب نظام موال لهم في دمشق على غرار النظام الذي كان مواليا لهم في القاهرة على أيام حكم الاخوان المسلمين. وكل هذه الأمنيات والخطط هي الآن في مرحلة التصفية. أما في العراق فالوضع مختلف تماما، فهناك حركة كردية قوية تتمتع بوضع مستقل عن الحكومة المركزية في بغداد، وهذه الحركة هي ظهير للحركة الكردية في جنوب شرقي تركيا - مهما كانت علاقات الحكومة التركية جيدة برئيس إقليم كردستان. وهناك أيضا دواع أكبر، أو أرضية أقوى لتفكير الأتراك بدور كبير في الأوضاع الداخلية في العراق من خلال الأقلية التركمانية المتركزة أصلا حول إقليم كردستان والتي رغم تضررها من تقاعس تركيا عن حمايتها من داعش فإنها تبقى مرتبطة بتركيا بوشائج قوية.

رابعا) الأتراك يقيمون علاقات سياسية واقتصادية جيدة مع حكومة اقليم كردستان العراق، وهم يعاملون هذا الاقليم أحيانا كدولة، فرئيس الوزراء التركي سبق له أن زار الاقليم دون المرور بالبروتوكولات الرسمية مع الحكومة المركزية في بغداد. على السطح يبدو وكأن تركيا تدعم قيام دولة كردية في شمال العراق. وهذا غير صحيح، بل ينطوي على مغالطة كبيرة للمنطق السياسي لتركيا، إذ لن يلحق بتركيا غير أفدح الأضرار لو قامت دولة كردية في جنوب منطقتها الكردية، ومعروف أن تركيا تعمل كل ما في وسعها لـ "حل" مشكلتها مع الكرد بطرق لا تنطوي من قريب أو بعيد على احتمال أو إمكانية الانفصال. وبهذا فمهما بدت علاقات الحكومة التركية باقليم كردستان جيدة يبقى إجهاض مشروع الدولة الكردية في شمال العراق يصب في آخر المطاف في مصلحة تركيا، وقد يكوّن أرضية مشتركة لها مع داعش.

 

وهنا نحاول أن نستجمع الخيوط في عبارات قصيرة ومعدودة: تركيا وداعش كلتاهما داخلتان في معارك تكتيكية وليس ستراتيجية في سورية، وهما في مرحلة فض الاشتباك مع الدولة السورية. تركيا وداعش كلتاهما لهما مصالح أساسية في العراق وتتمتعان بفرص وإمكانيات كبيرة  للعب دور أكبر فيه. جذب الأنظار إلى معركة الرمادي وجعلها تبدو وكأنها المعركة الفاصلة قد يكون مجرد إثارة لغبار تختفي وراءه حركة مباغتة وسريعة لاحتلال كركوك بالكامل. كركوك أهم بما لا يقاس من الرمادي، فالسيطرة عليها تعني تحكما تاما لداعش بنفط العراق، وتعني في الوقت نفسه "شاه مات" تركي لمشروع الدولة الكردية في شمال العراق. لن يمر وقت طويل قبل أن تختصر "داعش" إلى مجرد "داع". وبالنسبة لأمريكا فإن وجود "داع" في مثلث كركوك - الموصل - الرمادي أمر يبعث على الاطمئنان في المدى القريب، فداع ستكون بمثابة إسفين بين إيران وسورية ريثما يتمكن الأمريكيون من ترتيب الأمور في بغداد بالشكل الملائم لهم.

 

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز