علاء ال جعفر
aljaffar_alaa@hotmail.com
Blog Contributor since:
02 April 2012

كاتب عربي من العراق



Arab Times Blogs
عربان الجهل... وضريبة الدم

 
لا يزال الاحساس البشري ـ الفردي والجمعي ـ بتوفر الحد الادنى والاقصى من الاستقرار الحياتي يؤخذ في احيان كثيرة من المسلمات الثابتة والحقائق المتأصلة التي تنساب في مضمارها تلك الجموع باسترخاء واطمئنان في حالة بلهاء غير مدركة لحقائق التأريخ وتجارب ما سلف من الامم، أو ما تراه وترقبه عن قرب دون فهم ودون استقراء، وستبقى كذلك حتى تتغير بعض معادلات ذلك الوهم الكاذب فلا تلبث أن تجد نفسها ضمن دائرة الحرمان أو التمني أو الندم، بل ربما يرهقها السعي لادراك ما فاتها بالكثير من المال والجهد والمشقة ... وربما الدماء، ولكن بعد ضياع كل شيء
  انها الطبيعة البشرية للكثيرين الذين يتوهمون ان كل ما هم فيه انسانياً  ومجتمعياً هو حق مفروغ منه،  ومعادلة غير قابلة للتغيير، أو الاضطراب، فلا يجدوا في انفسهم وعقولهم أي وازع لتشخيص ومواجهة كثير من العلل التي تتسرب في احيان كثيرة الى حياة الامم التي هم جزء منها لتنخرها وتهلكها كما تفعله الاورام السرطانية في الجسد البشري، فلا يقف دونها وباقي الاعضاء المسترخية إلا تقادم الايام، وتحيّن الفرص
  ليست هي أشبه بحكاية الثور الابيض التي كانت ترويها العجائز لتشحذ في النفوس ما يعنيه التوحد في مواجهة العدو، فتلك المأساة تجاوزتها الامة بجهلها كثيراً وباتت في عصرنا هذا هي الآكل... والمأكول، هي العلة... والمعلول
  ولا غرو في ذلك فاننا من أكثر الامم التي سقطت بوعي ودون وعي في دائرة الوهم القاتل هذه والتي تناثرت فيها المواقف بين الاسترخاء والجهل، أو المساهمة الشاذة في اذكاء حالة التردي والمرض ليزداد في جسدها فتكاً واضعافاً، كان ان ضيعت بسببه الكثير مما يمكن أن يجعلها أقوى الامم وأعلاها كعباً
  لم يدرك الكثيرون ـ غير المتآمرين قطعاً ـ  أن الوجود المجتمعي والانساني وبالتحديد في أمتنا العربية هو حلقات متصلة متشابكة، وهي أشبه بأحجار الدومينو المتراصفة تتلاحق بالسقوط عند تهاوي أحد اركانها وأحد اجزائها، سيما اذا كانت الاداة لا تخضع لضابط اخلاقي أو انساني، ومن السذاجة  التوهم ان العلل التي تنخر بعض أطراف هذه الامة تستهدف الرأس فحسب، بل هو داء خبيث لا يعنيها من الايحاء باستهداف ذلك الجزء فحسب إلا التمويه عن نيه استهداف الجسد بأكمله، أو الامة بأكملها، الدولة والنظام والشعب، وكل ما هو جميل ومتحضّر في هذه الحياة، أنه محض هدم وخراب وموت، ومخاض عسير لن يلد إلا مسخاً مشوهاً، وجنيناً يعج جسده بالعلل والامراض، والاوبئة المعدية
  واذا كان تأريخنا مليء بالعبر فان محنتنا هي قلة المعتبرين، سيما اذا كنّا أمام حالة تركت بصمات سوداء في حياة الامة  واخذت تتكرر بأشكال مختلفة ومسميات متعددة، معتمدة منهجاً خطيراً تمارس فيه الحاكمية السماوية بما لا يمت لخالقها بشيء، بل وتشرّع ديناً جديداً لم يعرفه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله عنوانه.... التكفير وفق مقاييس القوم
  وليست المأساة في الاصابع التي تدير تلك الادمغة الصدئة، فغاياتها معلنة واضحة، بل ولا في العقول الفاسدة التي انساقت خلف  المنهج اللا ديني  واللا انساني وبمظلة الدين في الغاية والواسطة من بعث رمم التخلف من مقابر التأريخ ومزابله، ونشر ثقافة التوحش والخراب فحسب، بل أن عمق المأساة تكمن في الحمق المثير للغثيان لدى شرائح كثيرة من شعوب مختلفة  ممن استمرأت  وحشية هذه الثقافة وجلست على مدرجات القتل والموت والتخريب تمارس هواية التطبيل والتزمير والتهليل، بل والتشفي أحياناً كثيرة، متوهمة انها ستبقى بمنأى عن أن تكون يوماً طلبة هؤلاء الافاقين، وفريستهم المقبلة
  هو أشبه بالجلوس الابله على مدرجات مسارح الموت كما كان يحصل في مسرح الكولسيوم  الذي أمر ببنائه الامبراطور الروماني فيسبيان عام 70 ميلادية مع غيره من مسارح الموت، حيث كانت تقام مذابح الموت الوحشية لمجاميع كثيرة من البشر على ارض هذا المسرح ، تتعدد أشكالها ما بين مخالب وحوش جائعة مفترسة، أو بسيوف محاربين قساة اعدوا ليمزقوا بسيوفهم تلك الاجساد المرتجفة من الخوف، والمفجوعة بصراخ الجماهير المنتشية بمشاهد الدماء المتناثرة على طول مسرح الموت هذا الذي لم يكن يتجاوزطوله 87 متراً، وعرضه  55 متراً
  أليس غريباً هذا التناغم بين مسارح الموت تلك وبين مسارحه اليوم، خلا انه بات استباحة متوحشة لشعوب بأكملها وبمساحات شاسعة لا تتحدد بالامتار كما فعله الرومان، ولكن المشاهد هي عينها، فكما كان يفعله الاباطرة  ونبلائهم وحاشيتهم على  مدرجات تلك المسارح، ومن خلفهم جموع  كثيرة من شعبهم في الانسياق خلف تلك الظاهرة اللا انسانية وهي تهتز منتشية بمشاهد القتل والموت، فقد بات يفعل ذلك ملوك وامراء وحكام عرب، ومعهم جموع عربية بلهاء في يومنا هذا أمام الدماء المستباحة، والاجساد الممزقة، والبيوت والمساجد والمعابد والكنائس المهدّمة، في العراق الذي بات مسرحاً لساديتهم، ومثله في سوريا وليبيا، وأخرها وليس أخيرها اليمن، الذي كان يدعى يوماً ما... سعيداً
  تتوهم دمى المسارح المشدودة بخيط الذل الى أصابع اسيادهم، ومن بعدهم جموع الغارقين في وهمهم من شعوبهم التي بات أكثرها لا يقرأ، وان قرأ لا يفهم، وان حصل وفهم شيئاً ردد في نفسه: وما شأني أنا بهذا!! يتوهم هؤلاء أن خيط الدم والخراب الذي صبغ ارض هذه البلدان سيكونون هما بمنأى عنه، وان لا تثريب عليهم في ما كانوا فيه شركاء بالفعل وبالقوة، من نشر للموت والدمار في بعض شعوب المنطقة، وذلك هو ذروة الجهل، ومنتهى الحمق
  والغريب أنهم يصبحون ويمسون وهم ينسبون للخوارج كل منقصة، ويصمون تحقيراً من يخالفهم الرأي بالخارجي، وخلافة الوهم والتخلّف التي وضعت رجال مخابرات على قمة هرمها الذي اقيمت أركانه على رمتي ابن تيميه وابن عبدالوهاب، وهم لم ينفكوا من السجود على أعتابه، ليست إلا مسخاً مشوهاً ومتقدّماً لفكر الخوارج، بل ويفوقه وحشية وافساداً، وتعضده دول ومخابرات، وحكام وملوك، وشيوخ ضلال ومؤسسات أعلامية... وبحار من النفط
  وإن كان للخوارج مسميات متعددة كالحرورية والمحكّمة والشراة، فان للقوم مسميات مثلهم تبتدئ بالقاعدة، وتمر بالنصرة، وتتوّج بداعش، وحينها لم يحصل وكما تمنى اسلافهم بتوقف فساد الخوارج عند حدود العراق، وسقط وهمهم وتلاشت امنياتهم  اذ لم يلبثوا  ان عاثوا فساداً في اليمن عام 67 هـ  بل وامتدت وحشيتهم الى حضرموت والبحرين، ومن ثم الى الجزائر وتونس وليبيا، بل وأقاموا لهم أمارات وولاة في المغرب، وهو نموذج لما نشهده اليوم في بلداننا المبتلاة بتكفيري العصر من امارات متعددة لهم في الموصل والرقة... وسيناء
  لن يكون أحد بمنأى عن تكاثر الغدد السرطانية لهذه الجماعات الضالة، وستبدو كما بدت بعض أعراضها لدى بعض من هلل وكبّر وسبّح لهم، وسيحيق المكر السيء بأهله، وأما المسترخين في وهم المصالحة مع الشيطان، والمراهنين على انتصاره فقد باتت حبات ساعة الرمل تستنفد ما تبقى منها بعجالة ليستفيقوا على تلك المسوخ الآدمية وهي تنصب مقاصلاً للموت، ومدارساً للتخلف في كل شارع وزقاق من بلدانهم ، وحينها سيشهد العالم  أكثر من كولسيوم  يتحوّل فيه اولئك المنتشون بالدم العراقي والسوري واليمني الى فرائس للوحوش، وطرائد للقتلة... فهل يستفيق العرب قبل فوات الأوان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز