جمال ابو شادي
abushadijamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
09 April 2010

كاتب عربي مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
إبن الزبال قاضي، القبطي طبيب نساء، المرأة رئيس دولة، الشيعي أستاذ في الأزهر ... أعوذُ بالله

نحن أمة عنصرية طبقية أُحادية الفكر والتفكير والثقافة بإمتياز، لا تقبل أبسط أنواع الإختلاف ولا تعترف بالآخر مهما كان ومهما كانت قدراته العلمية والفكرية والثقافية والإبداعية، طالما أنه لا يشبهنا.

في الفترة الأخيرة دارت حوارات وكُتبت مقالات وتمت لقاءات وندوات في كل وسائل الإعلام على خلفية ما أثاره وزير العدل المصري حين صرح أن إبن الزبال لا يمكن أن يكون قاضياً! وفي نفس السياق أثار الدكتور خالد منتصر في عدة مقالات عن الطبقية والعنصرية والتمييز في حق دخول المصري القبطي كلية طب النساء ومزاولة هذه المهنة سواء كمدرس في الكلية أو التطبيب نفسه.

في مصر وفي كل المحيط العربي نمت وإزدهرت وشبه تأصلت ثقافة صحراوية بدوية قاحلة محاقة باهته قضت على لكل إختلافٍ وتنوع جميل في حياتنا
. فلم يعد يَنبت في بيئتنا سوى العشب الجاف الذي لا يفيد إلا النار، وإنعدمت الألوان من محيطنا فلم نعد نرى سوى اللون الرمادي الممل - وفي هذه الأيام لا نرى سوى اللون الأحمر القاني لون الدم والدمار-، وسكتت معظم الألحان فلم نعد نسمع سوى نعيق الغربان والعربان وفحيح الأفاعي وزئير الفئران، وإنقرضت الفنون والآداب والموسيقى والرسوم والإبداع والجمال والرقي وكل مظاهر المدنية والتحضر وكل ما ينتجه إختلاف اللون والجنس واللغة والدين والعرق وكل ما يبدعه أي إنسان، الإنسان الذي لم يفسده فكر وثقافة ومال تلك الصحراء النفطية القاحلة.

أما التمييز والعنصرية والطبقية والمذهبية في دول الخليج النفطية التي صَدّرت لنا تلك الثقافة، فلا مجال لذكرها في هذا المقال لأننا نحتاج إلى صفحات بل كتب ومجلدات لكي نُوثّق فيها كل جرائمهم العنصرية ضد العمالة الوافدة سواء العربية أو الأجنبية، وجرائمهم الطبقية والتمييز بين الأجانب وأهل البلاد الأصلية، وجرائمهم المذهبية والطائفية بين مكونات ونسيج المجتمع الواحدة، وكل جرائم حقوق الإنسان بشكل عام سواء الداخلية منها أو الخارجية. ولكن لِما العجب والإستغراب وهؤلاء هم أنفسهم أصحاب ذلك الفكر وتلك الثقافة وهم من صَدّر تلك الثقافة العنصرية البدوية الصحراوية لمصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين والأردن والمغرب والجزائر وتونس وباقي البلاد العربية.

هذا الفكر العنصري وهذه الثقافة إنتقلت للشعب المصري خاصة وللشعوب العربية عامة عن طريق الوهابية السلفية التي هبت عليهم من صحراء الجزيرة العربية من خلال عمالة وبعثات ومشايخ من تُجار الدين، والذين نقلوا تلك الأفكار وتلك الثقافة إلى الأزهر  ومناهجه ومشايخه وكل مؤسسات الدولة وبين كل الطبقات، وأصبح السكوت عليها فضيلة ومن يثيرها فهو يريد الفتنة وإثارة النعرات والحروب الطائفية بين أفراد المجتمع الساكت على مشاكله وعنصريته وطبقيته، إلى أن تنفجر تلك القضايا المسكوت عنها بين الحين والآخر، وبعدها تهدأ العاصفة وتبقى تلك الثقافة متغلغلة بيننا بلا حل.

نحن (العرب والمسلمين) خاصة، مجتمعات عنصرية طبقية بإمتياز ، فنحن لا نقبل الآخر طالما يختلف عنا باللون وكلما إقترب لونه من اللون الأسود نبتعد عنه أكثر، من يختلف عنا في العقيدة فلا أمل له ولا رجاء ولن يُقبل منه حتى يصبح من عقيدتنا وهذا لا يكفي حتى يصبح من مذهبنا وهذا لا يكفي حتى يصبح من عشيرتنا وحتى هذا قد لا يكفي حتى يصبح من أتباعنا فقد نقبله حينما يموت من أجلنا ودفاعاً عنا فقط لنبقى أحياء فهو حقاً معنا ولكن في السماء
!!! نحن نقبل فقط من يخدعنا ومن يكذب علينا ويتظاهر  وينفاق لنا ويقول بلسانه وبلباسه وزبيبته أنه ينتمي لنا ومن ديننا، فسوف نسكت عن عيوبه وأخطاءه وقلة أدبه وقذارة أخلاقه وعدم ورعه ووضاعة علمه وفشله في عمله وعدم إنتاجه وضحالة فكره وثقافته، كل ذلك لا يهم طالما أنه يشبهننا، والويل كل الويل لمن يختلف عنا حتى لو كان من العباقرة والمبدعين والمفكرين والأدباء ومن لهم أخلاق حميدة ومبادئ إنسانية سامية رفيعة لكنه يختلف عنا فلا مكان ولا وجود لهم عندنا، حتى لا ينقلوا لنا عدوى التنوع والتمدن والإختلاف والإبداع. الويل كل الويل لمن يختلف عنا في نمط الحياة والطبقة الإجتماعية ومن له مرض ومن عنده إعاقة ومن له جنسٌ آخر فالذكر أفضل من الأنثى والمرأة أقل درجة أو قل عشرة درجات عن الرجل،  إلى آخره من الإختلافات والتنوعات التي لا تنتهي، والتي نرفضها ولن نقبل بها ولن نقبل أصحابها طالما لنا ثقافة البداوة.

مشكلة العنصرية والطبقية والتمييز بين إبن الزبال والقاضي لن تُحل ببعض المقالات وبعض الندوات والحلقات التلفزيونية سواء في مصر أو غيرها من الدول العربية، وفي مصر لن تُحل قضية التمييز بين طبيب النساء المصري القبطي مع تفوقه وبين الطبيب المسلم مع بلادته، طالما أن الفكر والثقافة الصحراوية البدوية المتخلفة متغلغلة بإسم الدين في عقولنا وفي كل مؤسساتنا وعلى رأسها الأزهر، طالما لم يتغير الفكر والثقافة والتربية ومناهج ومُنتجات ومُخرجات الأزهر ومؤسسات الدولة وقوانينها سوف يبقى المصري القبطي والمصري إبن الزبال والمصري المسلم المستنير والمصري النوبي والمصري الصعيدي والمصري السيناوي والمصري الشيعي أو من غير مذهب أو طائفة،  متهمون حتى تثبت براءتهم أمام تلك الأفكار الصحراوية البدوية الوهابية السلفية التي تدعمها الدولة - حتى الآن للأسف - وتسكت على خطابها العنصري التكفيري التحريضي ضد كل تلك المكونات وتسكت عن فضائياتها ومؤسساتها ومشايخها وأتباعهم في كل مكان يبثون فيه سموم الحقد والكراهية والعنصرية والطبقية والمذهبية الدينية، فلا أمل ولا حياة ولا بقاء لأحد مختلف في هذا البلد وفي كل البلاد العربية، أمة لا تحب التنوع والإختلاف هي أمة في طريقها إلى الإنقراض.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز