د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
لا .. لحكم الاعدام بحق الرئيس المصري السابق مرسي

 

صدر في مصر يوم أمس حكم بإعدام رئيس البلاد السابق محمد مرسي وعدد من قيادات حزبه بتهمتي اقتحام السجون في نهاية عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، و"التخابر" مع جهة أجنبية، حماس وغيرها. ويبدو واضحا من تصرفات السلطات العسكرية في مصر أنها عازمة على تنفيذ حكم الاعدام، ويبدو واضحا أيضا أن الأوساط السياسية في مصر نفسها وفي العالم العربي وفي العالم عامة مستسلمة لقرار السلطات المصرية.

 

إنه لأمر مؤسف أن العرب لم يعودوا يفكرون لا بالعدالة ولا بعواقب ما يفعل حكامهم، بل صارت ممارسة القتل مسألة لا يتوقف عندها الناس كثيرا، وذلك ربما لأن موجة العنف التي تضرب المنطقة العربية تجعل ممارسة المزيد من العنف أمرا عاديا، وصار العنف مشروعا ومقبولا، أحيانا بدعوى كونه الوسيلة الوحيدة لإيقاف العنف السائد. إنها لمأساة تاريخية أن أمة كاملة بكل طبقاتها، ومعسكراتها السياسة والثقافية، بل والحقوقية تظهر عاجزة عن وقف موجة العنف، بل وعن التعبير عن رفضها لهذا العنف، وكأن الرفض غير موجود في نفوسها. وهي بهذا تحكم على نفسها بالفناء التدريجي بفعل العنف.

 

العنف والعنف المضاد، والأحقاد الشخصية، والجهل السياسي، وضعة النفوس وغرقها في الجشع كلها عناصر في وضع مأساوي يخلق غشاوة حتى على أعين المسؤولين عن العدالة، ناهيك عن الغشاوة على أعين المسؤولين عن مصير هذه الأمة. بالأمس القريب جرى لأول مرة في العصر الحديث إعدام رئيس عربي في العراق تحت حراب المحتل الأمريكي، وبعد ذلك جرت إبادة أسرة رئيس عربي، وإهانته، وإعدامه، وعرض جثته في مجزرة في طرابلس الغرب تحت حراب المعتدي الفرنسي، وأصبح إعدام الرؤساء العرب أمرا عاديا، بل ربما مسليا. واليوم يخطو العسكر في مصر خطوة أخرى على نفس الطريق. ليعلموا إذن أن الطريق أصبحت سالكة .. أمامهم أيضا.

 

كيف لا تقشعر أبدان العرب عندما يرون أنظمتهم القضائية وقد تسيست وصارت تصدر أحكام الاعدام وفقا لأهواء القابضين على السلطة في بلدانهم؟ كيف لا نشعر بالرعب عندما نرى القاضي بين الناس في أمور العدالة وهو خصم لمن يحاكمهم، ويحكم عليهم؟ إن من حق الناس أن يكون بينهم اختلاف في السياسة، وفي المواقف من أي شيء، ولكن عندما يكون هناك بينهم خلاف فلا بد من ترك أمر الحكم فيه لجهة محايدة تقضي بينهم بالعدل. وحتى حين تقضي هذه الجهة المحايدة بالعدل، فإن هناك عقلا فوق القانون هو الرحمة، ليس بالضرورة بالمحكوم عليه، ولكن بمصالح ملايين الناس الذين تخدمهم العقلانية والرحمة أكثر مما تخدمهم العدالة.

 

في عالمنا العربي لا عدالة، ولاعقلانية، ولا رحمة.

 

متى صار اقتحام السجون وإطلاق السجناء السياسيين في زمن الثورات على الأنظمة الفاسدة، مثل نظام حسني مبارك، جريمة يحاسب عليها نظام وصل إلى السلطة بفضل القفز على تلك الثورة وعلى ظهور الثوار؟







نحن نختلف مع الإخوان المسلمين، وندين كثيرا من سلوكاتهم، ولعل أكثر ما أصابنا في سلوك الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، كان ما بدا من كلامه أنه كان ينوي زج الجيش المصري في الحرب على شعبنا في سورية. لم يفعل الرجل ذلك. ولكن إن كنا ندينه في نيته، وحسب، فبماذا يختلف الرئيس السيسي عن مرسي، وهو الذي يزج بالفعل الجيش المصري في الحرب على شعبنا في اليمن؟ أليس خيانة كبرى حقيقية لمصالح الشعب المصري أن يجعله الجنرال السيسي في خندق معاد لأمن واستقرار شعب اليمن بالتفاهم مع تيوس الجزيرة العربية؟ هل انقضى الزمن الذي تحتاج فيه شعوب البلدان العربية إلى مساندة بعضها البعض؟ مصر مقبلة، دون أدنى شك، على مراحل صعبة في تاريخها يكون شعبها فيها بحاجة إلى إسناد الشعوب العربية، وليس إلى حفنات من دولارات النفط الخليجية.

 

إن العربي يرتكب حماقة كبرى عندما يسكت على اعتبار العلاقة مع حماس، أو أية جهة عربية أخرى "تخابرا" مع أجنبي، وبالتالي خيانة وطنية كبرى تستحق الاعدام. حماس، مهما اختلفنا معها، ليست إسرائيل أو أمريكا. القوميون العرب لا يشعرون بخطورة اعتبار علاقة المصري بالفلسطيني "تخابرا" مع أجنبي. هذه سابقة خطيرة إذ إن أي مصري، أو عراقي، أو غيرهما ينتمي إلى حركة عربية، قومية أو دينية، يمكن أن يعتبر بهذا في بلده "متخابرا" مع أجنبي. وهذه كارثة قومية كبرى. إنها ضربة لفكرة القومية العربية في الصميم. ثم تأتي المهزلة في أن انصياع الرئيس السيسي لرغبة السعودية وقطر ومشاركته في قتل اليمنيين لا يعتبر تخابرا مع أجنبي. تُرى ألا يتدخل السعوديون والقطريون في شؤون مصر الداخلية اليوم بقدر ما يُفترض أن حماس أو غيرها فعلت بالأمس؟

 

شهدنا سابقا إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، وصدام كان في نظر الأغلبية العظمى من العراقيين يستحق الإعدام ليس مرة واحدة بل ألف مرة، ولكن ليس تحت حراب المحتل الأمريكي، ولا من قبل حكومة احتلال، ولا بتهم باطلة. وكان العراقيون يتمنون موت صدام كي يسود الأمن والقانون في البلد، وليس ليكون الانتقام العشوائي القانون في البلد، وليس قطعا ليكون موته بمثابة صب الزيت على نار مستعرة. إن الحقد الأعمى جعل عملاء الاحتلال في العراق لا يرون في قتل صدام غير "العدالة" في مفهومها الانتقامي. ولم يستطيعوا، وهم أغبياء يحركهم الحقد والرغبة في الانتقام، أن يروا أن الشعب العراقي كان بحاجة إلى العقلانية، وإلى الرحمة به بعد كل تلك السنوات العجاف من الحروب والحصار والاحتلال. إنهم لم يفكروا بمصالح الشعب العراقي، فلم يستطيعوا أن يروا أنهم بإعدام صدام بتلك الطريقة المثيرة للقرف صبوا الزيت على نار الحرب الطائفية. واليوم يرتكب حكام مصر من العسكر الغباء نفسه، فهم يقدمون على قتل رئيس سابق بتهم واهية، لا يمكن نفي وجود أجندات شخصية انتقامية وراءها، وكأنهم يجهلون أن حركة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها مرسي، هي مستودع للعنف لا قرار له، وأن الشعب المصري أحوج ما يكون إلى السلم الأهلي، وأن سحب البساط من تحت أقدام حركة الإخوان المسلمين لا يكون إلا بحل المشاكل الاقتصادية للمواطن المصري، وتحريره من الحاجة إلى صدقات السعودية وقطر وغيرهما.

 

العربي بحاجة إلى التحرر من رغبات الانتقام، ومن اللاأبالية إزاء ما يجري. العربي بحاجة ماسة إلى أن يقول "لا" للعنف، سواء كان عنف داعش، أو السعودية، أو العسكر في مصر.


لا .. لحكم الاعدام بحق الرئيس المصري السابق محمد مرسي.








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز