نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هولاند: ظاهرة كرازايات أوروبا

أظهرت “تيوبات” عدة تناقلها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في لقطات أقل ما يقال عنها كاريكاتيرية ومضحكة تهزأ به، وتظهره كمهرج من دون كاريزما، أكثر من كونه رئيساً لجمهورية فرنسا العظمى التي انطلقت منها ثورة الأخوة والعدالة والمساواة، وبزغت منها شراراة والإشعاعات الباكرة للميثاق العالمي لحقوق الإنسان، فرنسا، روبسبير، وروسو، وفولتير، وبودلير، وبومبيدو، وميتران، و”شيراك” (وعلى علاته وفضائحه)، ويقبع فوق هؤلاء جميعاً، نجم نجوم الجمهوريات الفرنسية، شارل ديغول، الذي أسس للديغولية، ومبادئ استقلالية وفرادة الدور الفرنسي العالمي، ورسالة الأمة الفرنسية العريقة للعالم، التي يبدو أن فرانسوا هولاند يطيح اليوم، ويقامر بأجمل وأبهى، وكل ما تبقى من صورها الرائعة العالقة في القلب والمحفورة في الوجدان

ففي أحد “التيوبات” يظهر هولاند على “زلاجة” يقودها رجل وهو يجوب أحد شوارع باريس لا تذكـّر الرائي والناظر إلا بلقطات كوميدية طريفة ومتطابقة للممثل الفرنسي الشهير كريستيان ماران وحيث الشبه، ويا لمحاسن الصدف، كبير بين الرجلين

 غير أن القضية تتجاوز حد التشابه الطبيعي مع ممثل كوميدي، لتصل لما يمكن اعتباره تصرفات غير لائقة، و”بلاهة” فطرية وخرقاً للبروتوكول الرئاسي عبر حركات تنتهك أبسط التقاليد الرئاسية، قبل أن تنتزع قهقهة عالية من المتابع، ظهر في إحداها في استقبال في البيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي بارك أوباما الذي كان يوجهه كصبي تائه ينبغي الأخذ بيده تجبر أوباما الآخر على إطلاق ضحكات منتهكاً البروتوكول الرئاسي بسبب هذا الهولاند، فيما “تضبطه” لقطات أخرى في حالة تخبط، و”استهبال” واضح، وعدم إتقان، يتصرف كغر مبتدئ في مراسم استعراض العلم مع المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل”، وأما الطامة الكبرى، واستكمالاً لأدواره الوظيفية المرسومة كمجرد “كرازاي” أوروبي، فهي استقباله المتكرر وفي قلب الإليزية رمز العنفوان والقوة والسيادة والاستقلال الفرنسي، لـ” كرازايات” ما يعرف بـ”الثورة” السورية الذين لا يحملون أية صفات دبلوماسية ولا قانونية، ولا يحتلون أية وظائف مرموقة، ولا يحملون أية ألقاب أكاديمية أو اعتبارية اللهم إلا تلك الألقاب المصطنعة التي أعطاها لهم طباخهم الشهير روبرت فورد، وكانوا حتى وقت قريب “نكرات” ومجهولين عموماً على الساحة الدولية ومن دون أية نشاطات أو إنجازات على أي صعيد بشري، وذلك في خرق فاضح للتقاليد الرئاسية الفرنسية العريقة، بل ويمكن القول أن معظمهم يشكلون واجهات لحركات إرهابية وعصابات مرتزقة مسلحة تمارس القتل والدمار في سوريا، وهنا قد ندخل في بعد جنائي قانوني محض وخطير للموضوع

وليت الأمر توقف عند هذا الحد، واكتفى هولاند بهذا القدر من التهريج السياسي، والصبيانية والمراهقة في التعاطي مع الشأن العام، ومع قضايا عالية المستوى، وذات حساسية خاصة على المسرح الدولي، ليذهب حد توريط فرنسا، بما يمكن اعتباره جرائم ضد الإنسانية، وارتكاب إبادات جماعية في غير مكان من العالم، كليبيا، وسوريا، واليمن وتزويد القتلة الإرهابييين المرتزقة “الثوار” بالسلاح الفرنسي القاتل الفتاك في انتهاك صارخ، أيضاً، للقانون الفرنسي

 وفي الوقت الذي تقوم به، ما تعرف بمملكة آل سعود، بعملية إبادة ودمار، هي الأغرب والأكثر دموية وحقداً في العصر الحديث، عبر قصف عشوائي وعلى مدار الساعة للجار و”الشقيق” اليمني الفقير، شبـّهها كثيرون بعملية استنساخ حرفي لسيناريو قصف غزة على يد الإسرائيليين، تستعمل فيها أسلحة محرّمة ومحظورة دولياً، يقوم الرئيس هولاند بحضور قمة مجلس التعاون “التشاورية” الاستثنائية الأسبوع الماضي في الرياض، كضيف شرف ومفوّض سام، وشاهد زور لإسباغ الكثير من الشرعية على “المجلس”، الذراع العسكرية والاستخباراتية والوكيل المعتمد، والمفوض دولياً لقتل اليمنيين وارتكاب المجازر الجماعية هناك، وتدمير البنية التحتية لهذا البلد الفقير

 وبدا الرئيس الفرنسي هزيلاً، في ذاك المؤتمر، ومن دون فاعلية، أو “كاريزما” تذكر، أو تسجيل أي حضور وازن وقوي، كرئيس لدولة عظمى، وعضو دائم في مجلس الأمن، وبدا أكثر كرجل أعمال، وصائد صفقات وسمسار صغير “يتوسل” العقود والعقود التجارية الخليجية الدسمة، وقلبه ولبـّه على البترودولارات الخليجية، أكثر من ظهوره كرجل دولة كبير صاحب رؤية ومشروع حضاري وإنساني على المستوى الدولي، ذي استقلالية، ومقارنة، حقيقة، حتى مع دولة كعـُمان ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي، ظهرت أكثر استقلالية ومهابة، واحتراماً وحرية في قرارها الوطني من فرانسوا هولاند

وبعد الشهرة السياسية “الديغولية” الرفيعة والراقية التي اكتسبتها فرنسا كدولة مستقلة إلى حد كبير عن السياسات الأمريكية “الأطلسية” العدوانية الشهيرة، لاسيما في عهود بومبيدو، وميتران، وشيراك، وخاصة في حروب الخليج المتعاقبة، ها هي فرنسا هولاند تتحول إلى مجرد جرم تابع يدور في الفلك الأمريكي، منقاد بشكل أعمى وراء السياسات الأمريكية الهوجاء، وآلة القتل الباطشة العمياء حول العالم مردّداً ببغائية صدى تصريحات البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، ليبدو الإليزيه، اليوم، معها، كمجرد مكتب ملحق بالـ، State Department. وبعد عهود فرنسية طويلة من سياسة “النأي بالنفس” الفرنسي والاستقلالية عن الناتو ها هي فرنسا تعود لحظيرة الناتو من بوابة “الحروب البديلة” و”الثورات الملونة”، (الاستعمار الجديد)، التي افتتحها، ساركوزي، بالانضواء كلياً تحت مظلة الأطلسي، ويكملها الرئيس هولاند على أحسن وجه، ويبدو كخير خلف، لخير سلف لتنحصر مهمته الرئيسية بتلقي، وتنفيذ الإملاءات والأوامر والتعليمات و”الفرمانات” الأمريكية وتمرير سياساتها، و”البصم” بالعشرة على أية “حركة” وخطوة أمريكية، ليمسخ ويقزّم ويشلّ، بذلك، الشخصية الوطنية، ويطيح بالجملة بمبادئ الجمهورية الفرنسية، وربما يلغيها، لاحقاً، أمام السيد واللورد الأمريكي، تحت وطأة الشعور بالتبعية وقلة الحيلة والعجز، مرة، ومرة أخرى تحت الذوبان أمام بريق، والحاجة للبترودولار الخليجي..تلفزيون ليفانت







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز