نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هولاند: إعلان الحرب على المهاجرين

رغم غرابتها الاستثنائية وعنصريتها الفاقعة، فقد مرّت تصريحات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ودعوته الدول الأوروبية لقصف القوارب التي تقل مهاجرين أجانب مرور الكرام في الصحافة والإعلام العالمي، حتى على مستوى المنظمة الأممية المعنية بهذا الشأن. ولو كان هذا التصريح قد صدر عن أي حزب أو دولة أو شخصية​​ “مارقة”، ولا تحظى بالرضا الغربي، لرُفـِعت أسنة ورماح “الفصل السابع” على الفور في وجهها.

وفي الوقت الذي كانت فيه أفواج المهاجرين الهائلة، غير الشرعيين، تحط بسلام على شواطئ أوروبا من لشبونة وشبه القارة الأيبيرية في الغرب، إلى روما شرقاً، فيبدو الآن ان شهر العسل الأوروبي مع المهاجرين قد انتهى، وأميط اللثام عن ذاك الغطاء “الإنساني” البريء والخالص لقبول المهاجرين، فما عدا مما بدا؟ كانت الأهداف المعلنة من سياسات استقبال واستيعاب المهاجرين في أوروبا والغرب عموماً، ومن بابها العنصري البحت وغير الإنساني بالمطلق، وبعيداً عن كل تلك الأهازيج البلاغية “الملائكية” والحقوقية الإنسانية، تتركز بالغالب على توفير واستيراد العمالة الرخيصة لحاجات المجتمعات التنموية المتزايدة، وسد العجز الهائل في العامل الديمغرافي الآخذ في التناقص نتيجة انخفاض معدلات الولادة، نتيجة العزوف الواضح لدى الشباب الأوروبي عن الزواج..إلخ.

ومن الملاحظ في هذا السياق أن بعض الدول الأوروبية والشرقية على الخصوص، والتي لم تكن معنية، كما ظهر، ولم تعمل على أجندة “تسييس الهجرة”، كانت تنخفض فيها أعداد المهاجرين كلياً، مع الإقرار بوجود أسباب أخرى أيضاً، غير أن هذه الأعداد كانت ترتفع إلى أرقام مهولة في تلك الدول التي تعمل على “تسييس” الهجرة، كبريطانيا وفرنسا وألمانيا. غير أن ثمة أهداف حقيقية خفية أخرى أشد خطراً و”أدق رقبة”، كما يقال، وغير بريئة في العموم كانت تتم وتتجلى بما يمكن أن نطلق عليه بـ”تسييس الهجرة”، واستخدام أولئك المهاجرين في مشاريع سياسية وعسكرية وأمنية عبر العالم حين كان يتم العمل من خلال استقدام أعداد كبيرة من المهاجرين وغالبيتهم من دول عربية وإسلامية فقيرة ومفككة تعاني من الحروب والمجاعات والانقسامات والتطاحن الداخلي، وقد ظهر رأس جبل الجليد الظاهر من هذه السياسات فيما يعرف بـ”الثورات الملونة”، أو عملية استهداف وتغيير الأنظمة عبر العالم، والتي انكشفت بالكامل في ما سمي بـ”الربيع العربي”، حيث كانت شرائح واسعة من هذه الجاليات المهاجرة هي الخزان البشري الأهم، المؤهل والمدرب جيداً، والخلايا النائمة، والرصيد الاستراتيجي، والوقود الرافد والمساهم لإشعال وتسعير الحروب الداخلية هنا وهناك.

فالتدريب العالي والجيد، والمؤهلات والقدرات العسكرية الخارقة والقيادية التي أظهرها أفراد بعض الجاليات المهاجرة، يوضح بما لا يدع مجالاً للشك بأنهم قد خضعوا لعمليات تدريب عسكري ممنهجة وعالية المستوى على المستوى المهني، وعلى مدى طويل كما يبدو يستلزمه اكتساب تلكم الخبرات والمهارات القتالية العالية، التي لا تكتسب بين عشية وضحاها، وتمت، بالقطع، تحت إشراف عسكري وأمني واستخباراتي رفيع، وخبراء في هذا المجال، وغير بعيد، والحال، عن معرفة ودراية وربما إشراف الأجهزة الأمنية الغربية المعروفة بإمكانياتها وخبراتها الأمنية الخارقة، والتي إن لم تكن قد ساهمت في عمليات إنتاج وإعداد جيوش الإرهابيين “الثوار” الذين تدفقوا على المنطقة، كالجراد، لتغيير أنظمتها، فهي على الأقل، كانت قد غضـّت الطرف عن طرف ثالث كان يعمل على ذلك على نحو حثيث ومضطرد ومدروس ومخطط له، تمويلاً وتأهيلاً عقائدياً ونفسياً، لدرجة تحول بعض الأحياء السكنية الغربية إلى كانتونات ومناطق عازلة Buffer Zones، في قلب مدن أوروبية رئيسية كباريس ولندن وبرلين.

ولم تنته “الحتوتة” بعد، فقد كانت الغاية والأهداف من جهة أخرى، تقتضي انتقاء مجموعات وشخصيات ونخب فكرية وثقافية وعلمية مميزة من بين أبناء تلك الجاليات، وبرمجتها وتأهيلها لتنصيبها كـ”كرازايات” وقيادات مستقبلية، وممثلين لحكومات دمى في بلدانها الأصلية، بعد ضمان ولائها التام لتلك العواصم الأوروبية التي نشأت وترعرت بها، لحكم والتحكم بالبلدان المستهدفة بواسطتها، وإدارة شؤونها بالوكالة عن طريق هؤلاء، كما هو حال ما يسمى بـ”الائتلاف” السوري، أي أنه نمط جديد من الاستعمار والاحتلال بالوكالة وبالوساطة. لكن يبدو أن رياح “تسييس الهجرة” سرت بما لا تشتهي سفن هولاند وأئمة الحروب البديلة الجديدة، وتعثــّر المشروع نوعاً ما، ومضت سياقات وتطور الأحداث باتجاهات أخرى مع خروج بعض الجماعات، والشخصيات، والأفراد والتيارات المتطرفة، عن “النص” والمسارات المقررة، وبدأت أمواج الحملة ومفاعيلها ترتد على محركيها، وتبين بأن هناك أجندات، و”بزنس” خاص وإستراتيجيات مستقلة، لبعض تلك المجاميع المهاجرة، نابعة من رؤاها الإيديولوجية الأممية، وتحول بذلك هؤلاء المهاجرون الذي كان يعوّل عليهم كثيراً في مشاريع سياسية إلى قنابل موقوتة وكابوس مرعب للسلطات الأوروبية، وتجلت ذروة تلك المخاوف والهواجس في سيناريو “شارلي إيبدو”، وهذا ما يفسر علو كعب تصريحات هولاند المثيرة إذ كانت بلده هي من حصدت أولى ثمار سياسات تسييس الهجرة الخاطئة، وربما، وبعدما فات القطار، أطلق تلك الصرخة المدوية كي يقطع الطريق على أي “شارلي إيبدو” جديدة ومن منطق: “الباب الذي تأتيك منه الريح سدّه واستريح”.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز