نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: سقوط العروبة المقدسة

في الأدبيات السورية العامة المعاصرة، وبسبب الهيمنة البعثية العروبية على المشهد السياسي السوري طيلة خمسة عقود مضت، اكتسبت العروبة صفة القداسة، وكنتيجة لتلازمها القوي مع الإسلام وارتباط ظهورها الوجودي بظهور الإسلام، وكانت إلى حد كبير، التعبير السياسي والغلاف الحداثوي الجديد له

وقد نشأت أجيال سورية متعاقبة، خلال الفترة المنصرمة وما قبلها، على فكرة تقديس العروبة، وكانت السياسات الخارجية الرسمية السورية المعلنة تصب جميعها في قناة تقديس وتعويم وخدمة وترويج فكرة قداسة ومعصومية، وربما ألوهية العروبة. وحتى اليوم، ما زالت الأجيال والأطفال الصغار يردّدون في طابور الصباح المدرسي، وقبل الشروع في اليوم الدراسي، وفي عملية البرمجة والأدلجة القومية، الشعار الشهير الذي رددته الحناجر: “أمة عربية واحدة،…..ذات رسالة خالدة”. وكان من مفارقات وأعاجيب السياسة الإعلامية والثقافية والتربوية، داخلياً وخارجياً، وحتى اليوم، وكانت تشكـّل سابقة غريبة وفريدة وغير معهودة في تاريخ العلاقات بين الدول، هو تبني ثقافة وهوية غير وطنية (العروبة) والترويج لها وخدمة مصالح دول أخرى من خلالها أكثر من خدمة مصالح الدولة الوطنية، والتركيز على تلك الثقافة وتلميعها أكثر من التركيز على البعد والخصوصية السورية التي تتعارض بالمطلق مع تلك الثقافة الجلب المستوردة، وهذا ما جعل ولاء كثير من المواطنين السوريين لتلك الدول صاحبة ومصدرة تلك الثقافة (السعودية وشقيقاتها) أكثر من ولائهم لدولتهم ووطنهم السوري الأصلي. وبموجب ذلك، مثلاً، فقد اعتاد حامل الجواز العربي، ورعايا مجموعة الدول المستعربة كالصومال وجيبوتي وجزر القمر ولغة البعض الرسمية ليست اللغة العربية، الحصول على امتيازات هائلة ومغريات وتسهيلات وامتيازات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات البينية بين الدول كحق الزواج، والتملك، والتجارة والإقامة والدخول والخروج بدون فيزا، لكن لاحقاً، وبعد خراب البصرة، واستدراكاً طيباً، تم إلغاء هذا كله بموجب قانون أصدره السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد بـ”رقم 2 للعام 2014 القاضي بحظر دخول أي شخص إلى الجمهورية العربية السورية أو الخروج منها إلا لمن يحمل جواز سفر ساري المفعول أو أي وثيقة تقوم مقامه مؤشر عليها بسمة دخول من احدى بعثات الجمهورية العربية السورية الدبلوماسية أو القنصلية في الخارج أو أي هيئة تكلفها الجمهورية العربية السورية بذلك.” (وكالة سانا). كما تبنـّت سوريا كل القضايا “العربية” وفضـّلتها على القضايا الداخلية السورية والشؤون اليومية للمواطن السوري

  وحتى اليوم، ورغم “تقاعد” البعث عن قيادة الدولة والمجتمع وفق المادة الثامنة الشهيرة المدفونة، هناك “قيادة قومية” في ما يسمى بـ”حزب البعث” مهمتها متابعة قضايا وشؤون ما تسمى بـ”الدول العربية”، وخاصة ما تعرف بـ”القضية الفلسطينية”. وبوحي من تلك الميـّزة التفضيلة، جعل سوريا تتجاوز قوانينها وتتحالف مع منظمة حماس ذات الخلفية والعقيدة الأممية الإخوانية، إذ أن هذا الفكر والتنظيم-الإخوان- ممنوع قانوناً في سوريا، وذلك بموجب القانون 49، لعام 1981، الذي يعاقب المنتمي لهذا التنظيم الدولي بالإعدام. (لم تطبـّق العقوبة فعلياً ولا مرة وتم تخفيضها في كل الأحكام الصادرة إلى 12 سنة سجن). وفي سابقة غير معهودة في تاريخ الدول كان هناك وزراء أجانب “فلسطينيون” في حكومات “وطنية” سورية، ولا تزال المراسيم والقوانين والكتب الرسمية السورية تصدر بالتقويم والتاريخ “الهجري، أولاً ثم بـ”الغريغوري” الغربي ثانياً، التزاماً سورياً رسمياً بالعروبة، وتقديمها رمزياً على ما عداها من مفاهيم وإيديولوجيات وبروتوكولات معمول بها عالمياً. هذا غيض من فيض لا يمكن حصره بعجالة على مدى ما نالته فكرة “العروبة” ( أو المحاولة الحداثوية لإعادة تطبيع الإسلام)، من أهمية وتقديس في سوريا، وتبعاً لذلك، كان بعض المسؤولين السوريين، وإعلاميوهم، يحاولون الظهور دائماً كشيوخ دين، ودعاة، أكثر من كونهم رجال دولة وساسة ونجوم إعلام. غير أن ما سمـّي بـ”ربيع العرب”، قد حمل فألاً سيئاً للعروبة وأشــّر، عملياً، لبداية انهيار وتآكل قدسية وبريق ذاك المفهوم الذي عاش، واعتاش عليه، وتاجر به كثيرون لفترة طويلة من الزمان. ورغم أن الكثير من المسؤولين السوريين، وبنوع من بقايا الكبرياء السياسي السالف، ما زالوا “يدارون”، ويتحدثون بشكل رومانسي ونوستالجيا درامية، ويذكرون “العروبة” بشيء من الورع، والإبقاء على شعرة معاوية القومية، لكنّ الأمور لم تعد كذلك على الأرض وفي واقع الحال. ومع تحولات الواقع التي تغير، بالمقطع، كل بالمفاهيم وتصيب الوعي بالصميم، فقد تبين مع توالي وتعاقب فصول “الثورة”، بأن الجامعة “العربية” والدول “العربية”، كانت رأس حربة، والمسؤولة مباشرة عن العدوان التدميري الإجرامي الهائل والشامل والإرهاب الدولي (الثورة)، الذي يستهدف الشعب السوري وبناه التحتية، وهذا ما ترك شرخاً عميقاً، وجرحاً غائراً لا يندمل في الضمير والوعي الجمعي العام

 وصار “العربي” السعودي والخليجي والتونسي والليبي والمصري والفلسطيني والمغربي والأردني ، الحامل الرسمي الشرعي الوحيد للموت والقتل والخراب في سوريا، بعد أن كان حاملاً لـ”الرسالة الخالدة”، ومعولاً عليه في الدفاع عن سوريا ضد العدو “الصهيوني”، الذي بات يحرك ذاك “العربي” عملياً ويتلاعب به ويوجهه لقتل السوريين وتدمير بلدهم. وقد حفلت السنوات الأربع الماضية بأهوال وفظائع وجرائم إبادة قام بها “العرب” دون سواهم، ولم تقم بها إسرائيل، وبرعاية ودعم رسمي من دول “عربية” معروفة، صارت تشكل المعادل الموضوعي للموت والقتل والإجرام والتآمر والخراب في وعي الرجل السوري البسيط والعادي. وصار من الصعب جداً، بموجب المستجدات المفاهيمية المتبلورة بعمق بوجدان السوريين، والمعطيات القائمة، وعناد واستشراس الأنظمة العربية في حملة تدمير سوريا، الحفاظ على بريق الفكرة القومية العربية، أو حتى مجرد الدفاع عنها، ولم يعد أحد يملك، حقيقة، الوسائل لتبرير الفكرة، ومهما أوتي من مهارات إقناعية

  وصار مجرد ذكر العرب والعروبة، في سرادق العزاء المفتوحة ليل نهار، وأمام عوائل، وأرامل، وذوي وأطفال شهداء الجيش الوطني السوري الباسل البطل، يثير مشاعر محبطة وخذلان وسخط متوزعة بين الغضب والغيظ والحقد والرغبة ربما بالانتقام من كل ما هو عربي، رغم المحاولات الرسمية الفاشلة والعبثية، والمستميتة للدفاع، ولأسباب تبدو صادمة كما هي مبهمة، أحياناً، لكثيرين، عن البعد القومي. وقد يمر وقت طويل، ويستلزم الأمر جهداً أكبر بكثير لتطبيع الفكرة القومية وإعادة ذاك الدفء القديم لها، بذات الزخم، وذات البريق. 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز