د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
الأكراد والعرب بين إيران وتركيا - ج1


حقيقتان مهمتان لا بد لنا أن نستهل بهما الحديث عن هذه الأمم الأربع التي تشكل قوام منطقة الشرق الأوسط. الحقيقة الأولى هي أن مصائر هذه الأمم مشتركة، وهناك مما يجمع بينها أكثر بكثير مما يفرق بينها، ولذلك فإنها مرشحة، في المدى المنظور، لقيام شكل من أشكال الاتحاد بينها. نعم، ذلك ليس أمرا ممكنا وحسب، بل هو ضرورة وجودية لها جميعا. الحقيقة الثانية هي أن إيجاد شكل عقلاني من الاتحاد بين هذه الأمم يعتمد بشكل حاسم على أن تكون كل أمة منها منتظمة في دولة عقلانية، وقوية، ومستقلة فتملك قرارها السياسي الذي يقوم على أساس ضمان مصالحها، هذه المصالح التي لا تتحقق بشكل تام بمعزل عن تحقيق مصالح الأمم الأخرى.

 

ورغم أن مثل هذا الحديث قد يبدو لبعض الناس من الأمم الأربع كلها في ظل الصراعات الجانبية القائمة الآن، طوباويا، إلا أن حركة التاريخ لا تعتمد، لحسن الحظ، على ما يراه المتشائمون، بل هي محكومة بقوانين ستغلّب في آخر المطاف العقلانية التي يرى الجميع منافعها، بل وحتميتها. ونحن إن أردنا حقا أن نرى النور في آخر النفق المظلم الذي أُدخلنا فيه، فلا بد لنا أن نبتعد قليلا عن التفاصيل المؤلمة هنا وهناك، والصراعات المشينة التي تسمم الحياة لجزء من الناس في هذه الأمم، وننظر إلى الإطار العام للعلاقات بينها سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، وأمنيا، فنرى أنها تتفاعل وتصبح أقرب إلى بعضها البعض بشكل غير مسبوق. ولا ينبغي لنا أن ننسى أن كل عملية تاريخية إيجابية كبرى تعتورها معوقات مزعجة، قد يكون مصدرها في أغلب الأحيان خارجيا، فليس من باب الإيمان بنظرية المؤامرة أن نقر بحقيقة أن هناك في العالم من ليس في مصلحته اتحاد هذه الأمم الأربع بأي شكل، وهم لهذا يحاولون إعاقة مسيرة تقاربها بكل الوسائل، ومنع استمرارها، أو على الأقل تأخيرها. يكفينا مثالا الحرب المجنونة بين إيران والعراق التي رغم طولها وتكاليفها الباهظة إنسانيا وماديا لم تمنع إلى الأبد التقارب بين شعبي العراق وإيران.

 

هذه المقالة المتواضعة ترمي إلى إبراز بعض جوانب العملية التاريخية التي تؤشر باتجاه تغير جذري في وضع الشرق الأوسط برمته، وتحاول أن تلقي بعض الضوء على وضع كل أمة من الأمم الأربع. ولعل إيران هي التي يجب أن نبدأ بها، ذلك لأن وضعها الآن يحظى باهتمام العالم كله بشكل عام، والشرق الأوسط بشكل خاص. لدى إيران نزعة إلى شكل من أشكال الاتحاد مع من حولها من الأمم، وفيها دولة قوية ومستقلة في قرارها، وهي ستكون من الدعائم الراسخة للاتحاد المقبل.

 

قبل مئة سنة تعرض الشرق الأوسط إلى زلزال مدمر حين سيطرت القوتان الاستعماريتان، بريطانيا وفرنسا، على مقدراتها. ما يهمنا من ذلك الزلزال هنا هو أن القوى الاستعمارية رأت، بعد أن هيمنت على المنطقة أن تقسمها إلى دول. فكرة إقامة دول في المنطقة على أنقاض الامبراطورية العثمانية لم تكن اعتباطية على الإطلاق، فهي لها جذور في الفكر الأوروبي الذي تعمق كثيرا في مفهوم "الدولة القومية" الذي يعد الخلفية الفلسفية للوضع السياسي القائم في أوروبا الآن. هذا المفهوم الذي بدأت أوروبا مؤخرا في إعادة النظر فيه وتعديله لصالح قيام اتحاد بين تلك الدول القومية التي ظلت لقرون تمثل كيانات مستقلة في سياستها، وقوانينها، فصارت أهمية الاتحاد تطغى الآن على  أهمية الدولة القومية التي يتوجب عليها التنازل تدريجيا عن جوانب من استقلالها لصالح الاتحاد. لكن فكرة إقامة دول في الشرق الأوسط كانت في الوقت نفسه ستراتيجية خبيثة لتحقيق مصالح القوى الاستعمارية، ذلك لأن التعامل مع منطقة مذهلة في تنوعها الديني، والقومي، والثقافي بدا أسهل بجعله يتم مع كيانات على شكل دول، فأعطت القوى الاستعمارية الكيانات شكلا مماثلا لدولها هي، فيما يتعلق بوجود الحدود، وأنظمة السلطات الثلاث، ووجود جيش وطني، وشرطة، إلا أن العقدة الأساسية في تلك "الدول" كانت جعلها مرتبطة بالقوى الاستعمارية، فلا تتوفر لها مقومات استقلال حقيقي عنها، فتركت فيها مشاكل يمكن أن تنفذ هي من خلالها إلى التحكم بها. يمكن أن نقول باختصار أن الدول التي أنشئت لم تتوفر فيها مزايا "الدولة القومية" كما هي الحال في أوروبا. تلك السياسة الاستعمارية نجحت نجاحا كبيرا إلا أنها تكشفت عن أخطاء ونواقص كان من الممكن أن تكون خطيرة، بل وقاتلة بالنسبة إلى القوى الاستعمارية، فاستقلال تلك "الدول" بشكل حقيقي بدا في أواسط القرن الماضي ممكنا، عندما توجه بعضها إلى العدو الستراتيجي للقوى الاستعمارية، الاتحاد السوفيتي، لأغراض التسلح، والتطوير، وغير ذلك، بل إن بعضا منها صارت تحمل شعارات الوحدة، وذهبت أخرى إلى حد بعيد في تجاوز الخطوط المرسومة لها فأممت، مثلا، قناة السويس، ثم النفط، وراحت تفكر في برامج التطوير الاقتصادي المستقل وامتلاك التكنولوجيا، ومنها تكنولوجيا صناعة الأسلحة.

 

تلك الأخطاء والنواقص استفاد منها الأمريكيون حين تمنوا أن يكون القرن الواحد والعشرون قرنهم هم، فاتخذوا قرارا واضحا بتدمير الدول التي أنشأها البريطانيون والفرنسيون، وتفسيخها، فلا تبقى في تلك الكيانات حكومات مركزية، ولا جيوش وطنية، ولا أنظمة، ولا سلطات، ولا اقتصاد، ولا تخطيط، ولا تطوير، أي لا يبقى هناك أمام شعوب تلك "الدول" فرص للاستقلال الحقيقي. ما يحصل بعد ذلك أمر غير ذي بال، فالداروينية التي تتحكم بعقول القوى الامبريالية البشعة تؤمن بحتمية زوال من هم أقل صلاحية من الأمريكيين للبقاء. لذلك نرى أن مقاومة العدوان الامبريالي الأمريكي على هذه المنطقة يجب أن تتخذ كنقطة انطلاق التمسك بـ "الدولة"، ليس بالضرورة القومية، بل الدولة التي تستطيع أن تحمي مواطنيها، وتخطط لمستقبلها، وتنفذ خططها بشكل مستقل.

 

السياسة الأمريكية الهمجية لم تكن تستهدف دول العرب وحدهم، بل إن الأمريكيين كانوا يريدون أصلا أن يبدؤوا بإيران أولا، فيفتتوا الدولة فيها، ولم تغب عن ذاكرتنا بعد أن ما أطلق عليها "الثورة المخملية" أو "الثورة البنفسجية" قد تم إعدادها لتضرب إيران قبل مشأمة "الربيع العربي" الأسود بوقت طويل.  أرادوا نشر الفوضى في إيران، وتجريد الشعب الإيراني من دولته، وربما كانوا يظنون أن تدمير الكبير أولا سيجعل تدمير الصغار سهلا، لكن أسقط في أيديهم.

 

لا بد لنا أن نثبّت هنا أن تجريد الشعب الإيراني من دولته أصبح من أضغاث أحلام الماضي الامبريالي، فالشعب الإيراني، على عكس معظم العرب، أثبت قدرته على الحفاظ على دولته والتمسك بها، وبالتالي على استقلالية قراره، وعلى فرصه الأكيدة في التطوير الاقتصادي، والتكنولوجي، وفي ازدهاره السياسي.

 

عندما نفكر باتحاد قوي، شبيه بالاتحاد الأوروبي، يضم أمم الشرق الأوسط فإننا نشعر أننا أصبحنا بالانتصار الإيراني أكثر إيمانا بالحتمية التاريخية لانتصار العقلانية. أمم الشرق الأوسط نجت من خطر المحو والإزالة من الجغرافيا والتاريخ حين ترسخت في المنطقة قوة عظمى مثل إيران. هذا لا يعني أننا نثق بنوايا الامبرياليين تجاه شعب إيران، وأن هذا البلد لن يواجه بعد الآن مؤامرات، وأخطارا. على العكس، فالامبرياليون لن يتخلوا عن رغبتهم في إضعاف الشعوب، ودولها، وأنظمتها. إنهم سيواصلون التآمر على إيران ومحاولة إعاقة نموها، وهم يفعلون ذلك مع الآخرين، مع الصين، ومع روسيا، ومع الهند، ومع البرازيل. إنهم لا يريدون أحدا في العالم له إرادة مستقلة عن إرادتهم. ولكننا واثقون بأن انتصار الشعب الإيراني سيستمر، وأنه سيمنح فرص الانتصار للشعوب الأخرى في المنطقة.

 

لماذا نحن متفائلون بالانتصار الإيراني؟ لقد أثبت الشعب الإيراني على مدى العقود الأربعة الماضية أنه شعب جاد، ومثابر، ومؤمن بحقه، وبوطنه، وبدولته، وكذلك أنه شعب مسالم. وفوق هذا وذاك أن ساسته يتميزون بالعقلانية، وببعد النظر السياسي، وتغليب الوسائل السياسية على غيرها. إيران أصبحت حتى قبل ما يطلق عليه اتفاق الإطار حول البرنامج النووي، ذات نفوذ سياسي لا حدود له في الشرق الأوسط، وهذا ليس مردّه، كما يزعم البعض، وجود امتدادات مذهبية لإيران في بلدان الجوار. الترهات المذهبية لا تقوم على أساس منطقي، فالنفوذ السياسي الإيراني يمكن لمسه على مستوى عالمي أيضا، فهل بلدان أمريكا اللاتينية، مثلا، تشكل امتداد مذهبيا لإيران؟ بالنفوذ لا نعني وجود مريدين لإيران هنا أو هناك ممن يتعاطفون معها دينيا أو مذهبيا، بل نعني به الحضور، والمشاركة، ونيل الاحترام، والتأثير في اتخاذ القرارات. إيران موجودة بقوة في كل البلدان الإسلامية التي تقاوم الامبريالية بصرف النظر عن مذاهبها، ناهيك عن أن حركة المقاومة الفلسطينية في غزة التي تعتبر إيران سندها الأقوى، ليست امتدادا مذهبيا لها. أن تجلس إيران مع الدول الكبرى في العالم، وتفاوض قوى تعودت على فرض إرادتها بالقوة الغاشمة والتدمير، هو انعكاس للنفوذ السياسي الإيراني، إذ يكشف هذا أن بين من يتخذون القرار في الأوساط الامبريالية من لا يستهين بإيران وبقدراتها، إن نجاح إيران تساهم فيه طبيعة الشعب الإيراني الصبور والسياسة الهادئة والرصينة للقيادة الإيرانية. من حق أعداء إيران أن يخافوا من الدهاء السياسي لقادتها، وبعد النظر والنفس الطويل الذي يتميزون به.

 

إن إيران القوية عسكريا وسياسيا، والمستقلة بقرارها، والمقبلة على تطور وتقدم اقتصادي كبيرين هي رصيد كبير لأمم الشرق الأوسط في مساعيها لتحقيق الأمن والاستقرار، والرفاهية. هناك في نفوس بعض العرب مخاوف من أن تتصرف إيران كقوة عظمى تسعى إلى تحقيق مصالحها على حساب من حولها. هذه المخاوف، نجدها في جوهرها، غير مبررة، وتثيرها الدعاية الامبريالية المغرضة وأدواتها ممن يخيفهم تأثر شعوبهم بالنموذج الإيراني. من الطبيعي أن تسعى إيران إلى تحقيق مصالحها أولا (أليس المفترض بالناس أن يفعلوا ذلك؟ العرب عليهم أيضا أن يفعلوا ذلك)، ولكن الساسة الإيرانيين يدركون أكثر من غيرهم أن مصالح إيران تتحقق بأفضل شكل عندما تتفاعل مع مصالح من حولها، وليس على حسابهم. ثم إن من حول إيران يحتاجون أيضا إلى التفاعل بإيجابية معها، والبحث الجاد عما هو مشترك معها، فليس بإمكان أحد أن يتمسك بالنزعات الطائفية السلبية، والعقد التاريخية السخيفة، ويطلب من الآخرين أن يتصرفوا كالملائكة، ويفكروا بمصلحته هو. موقف إيران ممن حولها ليس هو وحده الفيصل في كيفية تطور العلاقات معها، بل وللآخرين أيضا دور لن يكون مفيدا إلا إذا كان مبنيا على موقف إيجابي. واتخاذ الموقف الإيجابي ممكن وضروري، ولكن متى يكون فعالا؟ يجب أن لا نغفل عن الحقيقة الثانية التي ذكرناها في المقدمة، وهي ضرورة انتظام كل أمة في دولة قوية ومستقلة قادرة على اتخاذ القرارات لصالحها. المسألة ليست مسألة عواطف، أو مشاعر إنسانية، فالسياسة العقلانية تبني على أسس التفاهم، والتخطيط، والاتفاق بين أطراف متكافئة، في العقلانية على الأقل، وهنا لن تمثل الأمم إلا دولها.

 

أمم الشرق الأوسط يمكنها أن تتعلم من الأمم الأخرى، وتستفيد من تجاربها، بل وتقتدي بها، بل وتدرك أنها أقرب إلى بعضها البعض من شعوب كثيرة، تنحدر من أجناس مختلفة، وتدين بأديان مختلفة، ولها ثقافات مختلفة، وتتكلم عشرات بل مئات اللغات المختلفة، ولكن تضمها دولة واحدة، الهند مثلا. ولكن المثل الأقرب إلينا هو الاتحاد الأوروبي باعتباره التجربة الأحدث، والأكثر غنى، إذ إنه يضم دولا وأمما كانت تتمتع لمئات السنين بشكل أو بآخر من الاستقلالية في ظل دول قومية، وصارت اليوم تندمج في وحدة تزيل الكثير من الحواجز بينها دون إزالة هويتها الوطنية أو القومية، أو لغاتها، وخصوصياتها. في مقدمة ما يجب أن نتعلم من الدول والأمم الأوروبية هو قيام اتحاد رصين بينها ولم يمض بعد ستون عاما على انتهاء أبشع حرب عرفتها البشرية بينها أوقعت خمسين مليون ضحية، وأدت إلى خراب القارة بأكملها. إن اندماج هذه الدول بعضها ببعض اقتصاديا وسياسيا، وثقافيا، وإزالة الحدود السياسية بينها أمر ينبغي لكل شعوب الأرض أن تتعلم منه. الأجيال الجديدة في دول أوروبا لا تتعامل مع بعضها البعض على أساس ذكريات الماضي الأليم، أن أجدادهم كانوا قبل ستين عاما يقتلون بعضهم البعض. أصبح ذلك من الماضي الذي ترك أمره للباحثين، ولبعض الكتب المدرسية التي تدرس بشكل لا يثير الأحقاد والضغائن، بل تظهر بشكل واقعي أسباب ما حصل، وكيفية تجنب تكراره.

 

نحن من حقنا أن نتطلع إلى اليوم الذي يترفع فيه مثقفونا، وليس عامة الناس، عن النبش في مصائب الماضي والتشبث بأن العرب فعلوا كذا وكذا قبل ألف وأربعمئة سنة، وأن الفرس مجوس وصفويون يريدون بمذاهبنا الشر، وأن الأتراك سلاجقة، وكذا وكذا. النخب الثقافية في كل هذه الأمم مهمتها الإنسانية الطليعية يجب أن تكون تهيئة الشعوب لتجاوز الماضي بكل ما فيه من آلام، والتطلع إلى حياة إنسانية يسودها التفاهم، والتعاون، والأمن والسلام. 

 

يتبع

  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز