د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
زمن المحال يا شام


 

يا ناسُ عِشقي للشآم مُؤَبّدٌ                وأرى القضاءَ بحبّها إبراما

 

صدر للكاتب العربي الكبير أحمد عيد مراد (عن المركز العربي الكندي للصحافة والإعلام - أوتاوا - كندا)  كتاب بعنوان "زمن المحال يا شام .. الفردوس المنشود - رحلة إلى الماضي".

 

الكتاب يقع في ألفٍ وأربعين صفحةً، وأقل ما يستحق أن يقال عنه أنه "إلياذة عربية" تحكي قصة خلود الشام كحضارة لن تنال منها نوائب الزمن، ولن تقهرها همجية الغزاة، ولن تفت في عضد صانعيها خيانة ذوي القربى، وطعناتهم الغادرة. الكتاب ليس ديوان شعر مما ألفنا، بل له شكل ملحمي يتشابك فيه الشعر والنثر في نسج نصوص تزخر بالحب، والفخر، والروح الوطنية والمشاعر القومية، وتنساب ألحانا في سيمفونية تثير الوجدان، وتتفاعل مع مشاعر القارئ العربي تغني حبه للوطن، وتقوي تمسكه بجذوره، وتعيد إلى ذاكرته، وكأن الكاتب يرافع عنه أمام التاريخ، أنه ينتمي إلى أمة خلقت الحضارة، وأنجبت الشعراء، والفلاسفة، والأنبياء، فلا غرابة أن يستهل الأديب الكبير مرافعته بذكر الحكمة في "نبيّ" جبران.

 

أما النثر فتجربة حياة لأديب عربي مغترب وجد الأمن والطمأنينة في مكان بعيد عن منبته، ومرابع صباه، وديار أهله، غير أن الشام بقيت قوام كيانه، وبقي أهلها أهله، وربما لن يفهمه في كل مواقفه أحد قدر ما يفهمه من اغترب مثله، طوعا أو كرها. وأما القصائد فإبحار في شرايين الشام من القلب حتى آخر ضاحية في غوطتها لمركب ينشر الحكمة، ويغذي الخلايا بالحب والأمل والإيمان بالمستقبل المشرق.

 

ولعل الأبرز بين قصائد الإلياذة العربية تلك "المعلقة" التي يطلق عليها الأديب الكبير عنوان "المئوية المرادية"، وهي من مئة وثمانية وثلاثين بيتا. إنها ليست من شأن شاعر اعتيادي، إذ هو يعالج بموقف وطني وقومي أصيل حالة معقدة بين سلطة ومعارضة متنوعة، وتدخل خارجي، وطعنات عربية غادرة، فهي تأخذ القارئ معها صعودا مع الصرخات، ونزولا مع الأنات عن حال الشام في ظل العدوان، ويكاد المرء لا يعرف أين يتوقف فيها، فيقول هنا الذروة! القمم فيها عديدة، ولأن المشاعر التي تعبر عنها القصيدة صادقة، فإن أبياتها تتسلسل كالعقد لا تجد فيه انقطاعا. ويمكن للمرء أن يبدأ القراءة في القصيدة من أي مكان يريد، فكأنه يقرأ من البداية. واينما توقف أو قفز إلى مكان آخر، يجد نفسه في نفس النهر الهادر، فالألم لما أصاب الأهل يملأ كل بيت فيها، ويتفاعل مع اللغة الحريصة على سلامة عربيتها فيخلقان فيها ترابطا لا ينقطع، وتناسقا لا يصيبه الوهن. إن تناول السياسة شعرا يحتاج إلى تفاعل وجداني عميق مع الموضوع، وإلا فإنه يصبح مجرد صف كلمات وتعابير هندسية. وهنا فإن القارئ لا يأسره التدفق اللغوي السليم في القصيدة وحسب، بل ويأخذه على قلب نبض بحب الشام حتى الآن لما يزيد عن خمس وسبعين سنة الإشفاق من شدة الانفعال والتفاعل مع الأحداث بماضيها وحاضرها، الانفعال المتواصل الذي يجر المتلقي مع كلمات القصيدة إلى النهاية.

 

لنا من قبل أعلام في الشعر العربي السياسي نستحضر ذكراهم هنا، معروف الرصافي، ومحمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السيّاب، ونزار قباني، وغيرهم من العمالقة. تبقى الأمم حية ما بقي فيها أدباء كبار.









تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز