نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
عيد نوروز: إحياء الأنموذج السوري

من الواضح تماماً، أن جزءاً كبيراً من إرهاب الأربع سنوات على سوريا هو إرهاب ثقافي، بمعنى إحلال وفرض قيم ومفاهيم ونمط عيش يتضارب في العمق مع الأنموذج التعددي المتنوع الذي طبع الحياة الاجتماعية في سوريا على مر تاريخها إذ كانت حاضنة وموئلاً لكل تلك الأقليات والجماعات المضطهدة في العالم التي وجدت فيها واحة للحرية والتسامح والعيش المشترك والأمان، إرهاب لاستنساخ الأنموذج الوهابي الصحراوي الذي يرفع شعار القاعدة وابن لادن الشهير عبر الحديث القائل: “لا يجتمع دينان في جزيرة العرب”. ففلسفة التوحيد السائدة هنا، لا تنطوي فقط على أحادية الإله الواحد الأحد، في نقض فلسفات التثليث، والتثنية، وتعدد الآلهة التي كانت سائدة في حضارات الهلال الخصيب، وإنما، على توحيد الفكر الجمعي، وطريقة العيش والتفكير، وتنميط البشر، وحظر أية أشكال للتنوع والتعدد الفكري​ والثقافي​. وحين كانت معاول “داعش” تنهال على الآثار، والمعابد، والكنائس والتماثيل والأوابد التاريخية، التي تعود لعصور مختلفة، وتدمـّرها بكل سادية وحقد وانتقام، كانت تجسد عقيدة بالدرجة الأولى وليست محض فعل إرهابي، ولم تكن تستهدف مادياً وعلى نحو حسي تلك المجسمات، قدر ما كانت تمارس فعلاً ثقافياً تحاول من خلاله محو وطمس كل ذاك التراث الإنساني الذي يذكــّر ويعكس تلك الثقافات، وطرائق حياة المجتمعات التي نمت وعاشت وترعرعت ذات يوم على الأرض السورية وأبدعت وساهمت بقدر ما في صنع أسطورة وقصة التعايش​ ​السوري المميز على مر الأجيال

ولعل من المآخذ الكبيرة على الإدارة السياسية، ونظام الحزب الواحد، اتجاهه، هو الآخر، وبكل أسف، ومن اعتبارات حزبية وإيديولوجيا ضيـّقة، لفرض أنموذج ونمط تفكير أحادي على السوريين من دون الأخذ، والاعتبار لكل تلك الخصائص، وتجاهل مجمل التمايزات الثقافية بين السوريين كل على حدة، والسعي المحموم لإظهار وتظهير لتيار بعينه، و​إبراز ​وجه واحد ووحيد وفريد للسوريين. وقد بدا واضحاً من خلال الحرب المدمـّرة التي تشن على دول الإقليم، وفي هذا الإطار أتى التفجير الإرهابي في الحسكة ضد مواطنين أكراد يحتفلون بت”النوروز” منذ يومين، أنها ترمي وإلى حد كبير، لضرب السلم والتفاهم والتعايش المجتمعي وأنماط التعايش، والتنوع الإثني، والثقافي، والمذهبي للدول المستهدفة والتي تعتبر الخزان الثقافي لأعرق وأقدم الحضارات المشرقية فيما يعرف بالعالم القديم، والتي، أي الحضارات، تركت بصماتها المميزة على هذه الدول وصنعت تاريخها التعددي

 ومن هنا، أيضاً، كان هذا الاستقتال والاستماتة، وبتواطؤ غربي مفضوح، لتفريغ ما يعرف بالمشرق العربي من كل تلك المكونات والأقليات المذهبية، والإثنية، والثقافية، وصبغ المنطقة بلون واحد، وإعطاء الشرعية والدعم والسند الأخلاقي والقانوني، من جهة أخرى، لكل نزعات ونظريات الاستشراق العنصرية القائمة على فرضيات توحش وبدائية وتخلف إنسان هذه المجتمعات، ما يعني السير، حكماً، في ركاب هذا الخطاب الحاقد المتجني، وتبرير وشرعنة الحروب القائمة

ومن هنا، فقد جاء إحياء، واحتفال السوريين المميز، وبرعاية رسمية سورية لافتة، هذه السنة، بعيد النوروز، أو نيروز (اليوم الجديد)، وهو أول يوم في التقويم الشمسي يصادف 21 مارس/ آذار، كرد على الإرهاب الثقافي، وقفزة نوعية ثقافية ينبغي أن تعمم، وتكون إستراتيجية وليست تكتيكية أو مرحلية وسياسية، تدرك طبيعة وأهداف الحرب، وهي، هكذا، إحياء واستذكار وتكريم لتلك الحضارات والثقافات والخلائط الفلسفية التي شكـّلت وتشكـّل الأنموذج السوري، عبر التاريخ، الذي يحاول داعش، ومن يقف وراءه من قوى إقليمية، ودولية استهدافه، وتدميره

وكما إن المعركة والحرب، وفي جزء كبير منها هو ثقافي، فإن أي انتصار عسكري، وعلى أهميته، هو انتصار ناقص، وغير مكتمل، من دون أي انتصار وإنجاز ثقافي، فمقتل وكابوس “داعش” الكبير، هو في تنوع، وتنويع وتعدد مصادر الفكر والرأي، وتكثير أنماط الثقافة ​ ​والحياة والعيش، وحرّية التفكير والتعبير. تلفزيون ليفانت







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز