نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
كيري: كلام الليل يمحوه النهار

إن لم يقع ما قاله جون كيري ضمن إطار المناورات السياسية والإعلامية التي تروم شيئاً ما، أو لامتصاص موجات غضب الرأي العام المتنامية إزاء سياسات الولايات المتحدة التدميرية عبر العالم، أو، كالعادة، لابتزاز بعض الحلفاء المترددين الذهاب مع الخيارات الأمريكية عبر تخويفهم، والتلويح لهم، بفتح الطريق نحو دمشق، أو حتى لرمي طعم ما لإغراء الإيرانيين الذي يبدو أن حرب الملف النووي معهم أصعب من كل حروب أمريكا العسكرية الخاسرة دائماً، نقول إن لم يقع التصريح ضمن هذه الاعتبارات الآنف ذكرها فإنه يشكل حتماً انعطافة جذرية في الموقف الأمريكي من “النظام” في دمشق٫ ويمكن أن يعتبر وفي إحدى قراءاته، بمثابة تقديم الاعتذار للنظام وللرئيس بشار الأسد بالذات

ولكن، وفي نفس الوقت، لا يمكن بحال عزل تصريحات كيري عن نسق متكامل ومنسجم في مضامينه ورسائله ومحتواه، يصدر عن النخبة السياسية الأمريكية الأرفع كروبرت فورد، الذي دعاً، على نحو مبطن، إلى تصحيح العلاقة مع دمشق، والإقرار بشرعية “النظام”، معلناً بالفم الملآن أن: “أمريكا تخسر الحرب في سوريا”، في مقاله المدوي في الفورين بوليسي الأسبوع الماضي، وهذا الـ”فورد”، هو أحد صقور الحرب على سوريا، وصاحب القصاصات الورقية التلقينية الشهيرة لأعضاء وفد الائتلاف في جنيف2، في يناير 2014، حين كان مكلفاً بالإشراف الشخصي على وفد الائتلاف وقيادة المفاوضات عبر دبلوماسية “القصاصات”، وكان فورد هذا قد شارك شخصياً في مظاهرات حماه، في بداية العدوان الكوني على سوريا

ولم تهدأ عاصفة وارتدادات مقال فورد، في صفوف المعارضة الخارجية، والحلفاء، حتى أتت تصريحات جون برينن، مدير المخابرات الأمريكية، لتزيد في الطنبور نغماً، كما يقال، والتي أعلن فيها عن اتفاق روسي أمريكي على بقاء مؤسسات الدولة السورية (النظام)، ومنع انهيارها، وحدوث أي فراغ سيشغله المتشددون. لكن هذه التطورات، والتحولات الأمريكية، ورغم ما تحمله من بعض رسائل إيجابية لـ”النظام” وحلفائه، لا تبعث على الاطمئنان لجهة التقلبات المعتادة، والمزاجية، والتذبذب الواضح والغامض في السلوك الأمريكي، ناهيك عن كشفها للقصور الاستراتيجي الكبير وضعف وسطحية وركاكة القراءات الأمريكية للواقع، التي لا يمكن وضعها بالمطلق إلا في سياق إستراتيجيات الخراب والدمار، ولا يمكن تشبيهها إلا بذاك الفيل الذي يدخل متجراً للخزف الصيني

ومع عدم إنكار ما للواقع اللوجستي والعسكري والميداني، وللبطولات النادرة للجيش والشعب السوري وصمودهم الأسطوري العظيم، من أثر واضح في ردع الغطرسة الأمريكية، ووكبح الجموح، وإعادة الأمريكي للرشد وإيقاظه من سكرة “الربيع”، وبالرغم من كل هذا، فلا يبدو أن في التصريحات الأمريكية الأخيرة، كلها على بعضها، أية خطوات عملية وجدية لتغيير ما في التوجه، اللهم ربما إعلان فعل الندامة مع عدم التوبة، وكان الرئيس بشار الأسد، واضحاً في هذا حين قال بما معناه لا يمكن التعويل على مثل هذه التصريحات، طالما أننا: “نرى أقولاً ولا نرى أفعالاً”

وحقيقة، وتأكيداً على ذلك، لا يمكن النظر بأية جدية لتصريحات كيري، وغيره من المسؤولين الأمريكيين، ما لم يقترن ذلك فعلاً بخطوات جدية وعملية والتزام من قبل الجانب الأمريكي للضغط على الحلفاء و”الأصدقاء” المعروفين لوقف تغذية شرايين التسليح والتمويل وتشريع الأبواب أمام المرتزقة العرب والأجانب العابرين للحدود “الثوار” من بوابات “الحلفاء”؟ لا أحد يدري بالضبط حتى الآن، ومهما ذهبت التكهنات، ما هي الأسباب الكامنة وراء اعتذار كيري، وتبقى هذه التصريحات وغيرها مجرد فقاعات، وبالونات تطلق في فضاء الإعلام لا قيمة لها، ولنا عبرة في تصريحات أوباما اليائسة في الصيف الماضي لتلفزيون كندي حين وصف المعارضة بـ”الفانتازيا” التي لا تستطيع إدارة شؤون نفسها وشخوصها أشبه بحمّالي الأحصنة: “الحديث عن معارضة معتدلة قادرة على هزيمة الأسد غير واقعي وخيال سياسي “فانتازيا” لا يمكن تحقيقه”، غير الفانتازيا الأمريكية الحقيقية لم تكتمل، في الواقع، إلا بعد يومين من تلك التصريحات حين خصّص 500 مليون دولار لتسليح وتدريب معارضين لقلب “النظام”، وأيسر ما يمكن للتعاطي مع هذه الفانتازيا الخطابية الأمريكية هو تجاهلها وعدم التعويل عليها في رسم السياسات أو المبالغة في قراءتها، أو إيلائها أي اهتمام واعتبار، فكل ما بات يقوله الأمريكي هو مجرد  وثرثرة وهراء٫ مكانه اللائق هو سلال المهملات







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز