نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
نهاية عصر الموناليزا.. وبداية عصر روبرت فورد

كنت أتهيب أن أضحك وأنا أستمع إلى المواعظ ودروس الفلسفة.. فللحكمة هيبة ورهبة.. حتى أن الفلاسفة مثل ديكارت اعتبروا أن الفرح الذي يطلق الضحك هو شكل من أشكال الاحتقار والكراهية للعيوب التي لاتليق بصاحبها.. وفي الثقافة الانكليزية القديمة حسب وصايا الكونت تشستر فيلد لولده ليصنع منه شخصا من النبلاء فإنه: "لاشيء أكثر فظاظة وأسوأ تهذيبا من الضحك المسموع.. فالضحك وفق تلك الوصية "شيء منحط ينبغي للناس الذين يمتلكون حساسية وينتمون إلى طبقات راقية أن يترفعوا عنه.. لأنه يعني انعدام القدرة على التحكم بالجسد.. فالضحك دنيء.. وخاصة بسبب ذلك الضجيج الكريه والبشع الذي يصدر عنه وكذلك بسبب ذلك التشوه المزعج في ملامح الوجه عندما يرزح تحت وطأته".. ولذلك نصح الفرنسيون أن أفضل طريقة للتعبير عن الضحك والسخرية هي في الابتسام الهادئ دون ضجيج.. وربما أثرت هذه النظرة المقيتة للفرح الصريح على الفن فتظهر كل لوحات عصر النهضة مكتفية بالابتسام الرزين.. وأهم ابتسامة رزينة على الإطلاق هي ابتسامة الموناليزا التي حيرت العالم.. والتي يرى فيها كثيرون سخرية لاتوصف ودون ابتذال من الناظر إليها

وبسبب ضجيج الفلاسفة وتحريمهم للضحك كنت "أجاهد" دوما كيلا أطلق ذلك الضجيج المزعج كما وصفوه وكيلا تقع ملامح وجهي تحت تأثير وطأته الدنيئة.. إلا أن ماكنت أسمعه وأقرأه في الربيع والثورات العربية الإسلامية كان يرغمني على ألا أحترم تلك القواعد الصارمة وأفقد السيطرة على ضبط نفسي التواقة للضحك.. ولطالما رغم آلام كثيرة قهقهت وقهقهت حتى وجدت أنني خرجت عن اللياقة والوصايا الصارمة.. وخاصة عندما كنت أستمع بالصدفة إلى مواعظ الفيلسوف فيصل القاسم وانفعالاته الهوجاء.. وإلى فلاسفة تيار المستأبل وزعيمهم سعدو.. وفلاسفة عصر النفط والغاز وأبناء حمد وموزة الذين يكتبون عن الحرية والمساواة وفي نفس الوقت يفصلون في فروق الطوائف ومذاقات دمائها.. وكنت لاأقدر على مقاومة الضحك وأنا أرقب فلاسفة بني عثمان وأحلام الخلافة وشراويلها وطرابيشها.. حتى إنني صرت على يقين أننا نشهد ولادة عصر كوميديا الفلسفة أو فلسفة الكوميديا.. حيث لاتستطيع الفلسفة بعد اليوم التزام الحذر والصرامة تجاه مانراه من هزل وابتذال في السياسة والثورات

إلا أنني أعترف أن أكثر مشهد جعلني غير قادر على احترام الوصية الفرنسية بالابتسام الراقي الساخر (الموناليزي) هو مشهد "الأستاذ" بنيامين نتنياهو وهو يحاضر تلامذة نجباء في الكونغرس الأمريكي.. فانفجرت موناليزاي رغما عني ضحكا من التلامذة الذين يقفون معا ويصفقون معا ويجلسون معا بانضباط شديد ودراية بتوقيت الوقوف والتصفيق.. ويكاد يقول لهم الأستاذ (قيام.. جلوس).. ولاشك أن الأستاذ نتنياهو حدث زوجته سارة في سهراتهما بفخر كيف أنه في ذلك الصف الابتدائي المسمى كونغرس كانت إذا ألقيت الإبرة سمع رنينها في قاعات الكونغرس من شدة انضباط الكونغرسيين النجباء الذين كادوا يجلسون مكتفين مثل التلاميذ "الشاطرين".. والحقيقة هي أنني لم أضحك فقط من "الأستاذ" نتنياهو بل الظريف هنا والمثير للعجب هو أننا في هذه اللحظات الدقيقة الديمقراطية افتقدنا أحبتنا وأعزاءنا الليبراليين العرب والمبهورين العرب وأصحاب الألسنة الطويلة العربية التي تحاضر في الديمقراطية الرائعة للغرب وتسخر من مجالس الشعب لدينا وتبتسم مثل ابتسامة الموناليزا إذا مررنا على ذكر برلماناتنا وتجربتنا الديمقراطية.. فقد اختفى هؤلاء جميعا مثل فصوص الملح وذابوا عندما كان الأستاذ يحاضر في تلامذة الكونغرس.. أين هم هؤلاء المثرثرون بقيم الديمقراطية ليفسروا لنا كيف أن بلدا مستقلا جبارا يقتحمه إسرائيلي رغم أنف رئيسه ويجمع البرلمان ليحاضر فيه وليصفق له دون انقطاع؟؟ وأين أصواتهم التي تتحدث عن المخابرات التي ترسم مجلس الشعب بالمسطرة والقلم وتقرر مكاتب الاستبداد الأزياء والألوان للكلمات تحت سقف البرلمان؟ وأين هم هؤلاء وهم يسخرون من الحيطان التي تتجسس على الناس في الشرق؟ الأستاذ نتنياهو قدم لنا نموذجا فذا للديمقراطية في ذروة من ذرواتها ولاشك أن مايحلم به هؤلاء هو أن يأتي نتنياهو إلى مجلس الشعب السوري أو المصري ليحاضر بأعضائه المطيعين الذين لايملكون إلا أن يقاطعوه بالتصفيق الحاد واقفين.. لأن هذا مانسميه كوميديا الفلسفة.. أو فلسفة الكوميديا.. التي تثير ذلك الضجيج الكريه حسب توصيف الفلاسفة وتسبب التشوه في ملامح وجوهنا تحت وطأة ضحكة طويلة.. طويلة.. تحمر فيها الوجوه وتحتقن الأوداج

ولكن فلسفة الكوميديا تستمر بشكل أكثر إصرارا على الإضحاك واستطيع بثقة أن آخذكم إلى عرض أخاذ آسر يقدمه لنا السفير الشهير روبرت فورد الذي أشرف بنفسه على كل فعاليات الثورة السورية وكان المدير التنفيذي لشركة الربيع العربي- فرع سورية.. وتبعته الثورة السورية بثقة عمياء من (طأطأ إلى السلام عليكم) في كل تعليماته ووصاياه لتفتيت المجتمع السوري.. وهذا السفير المجرم بالذات شاهد وحشية الثوار السوريين منذ الأيام الأولى منذ مجزرة جسر الشغور ولكنه لم ينصح بتجنب العنف بل شجعه وحرض على الوحشية المفرطة لأنه كان يريد للعنف أن يصبح ثقافة للجمهور فيقتل الثوار الشعب ويقتل الشعب بعضه.. وننتهي إلى تفكك دموي.. فإذا بالسفير فورد اليوم يكتب مقالا كوميديا جدا في (الفورين بوليسي) بعنوان (الخطة البديلة.. أمريكا تخسر حرب سورية).. وأكثر لقطة كوميدية فلسفية هي تلك التي يوصي بها فورد الثوار بوصايا صارمة أهمها "أن يقلع الثوار عن الأعمال الوحشية بحق المجتمعات المدنية الموالية للدولة"!! وهذا اعتراف لالبس فيه من المدير التنفيذي لشركة الربيع العربي في فرعها السوري بأن من وقع العنف عليهم بوحشية ثورية في سورية هم (مجتمع كامل) وليس أفرادا.. وهو مجتمع (مدني) وليس عسكريا.. وهذا المجتمع العريض هو من مؤيدي الدولة وليس من حاضنة الثوار المتباكية.. ولاحظت في وصايا فورد غيابا كاملا للبراميل المتفجرة عن مقالته بشكل مثير للدهشة والضحك المفاجئ وهي التي كانت ترصع خطاباته وتعليقاته.. ولكم أن تتخيلوا كيف أنني لم أتمكن من أن أوقف نفسي عن ارتكاب فعل الدناءة المنحطة (المناقضة لهيبة الفلسفة) بالضحك والخروج من عالم اللياقة والجنتلمانية وأنا أقرأ لروبرت فورد وصاياه المقدسة التي تأخرت خمس سنوات فقط بالرأفة بالمدنيين الموالين للدولة السورية الوطنية

وأكثر من ذلك يوصي الفيلسوف فورد بقطع العلاقات مع جبهة النصرة رغم أنه شخصيا هو من كان يشرف على النصرة وأفلام رعبها لأنها باعتقاده ستخيف الجمهور الموالي.. وأن الجولاني كان يلتقيه في الأردن مع مدير المخابرات القطرية والسعودية.. والكوميديا هنا هي أن السفير يريد أن يضحك على الجمهور كما أصحاب المحلات التجارية الفاشلة التي تعلن بأنه لاعلاقة لنا بمحلات أخرى منافسة.. وماسيفعله هذا المحتال هو أنه سيعيد تسمية النصرة باسم تنظيم جديد واختراع بدائي آخر.. لأنه اكتشف أنه لاداعي لإخافة الأقليات من المسيحيين والعلويين من الثورة كما يقول.. وقبل أن تنطلقوا في الضحك الدنيء وتتغير ملامحكم تحت وطأة الضحك عليكم أن تعرفوا أن هذا يعني أن فورد اكتشف متأخرا جدا أن جبهة النصرة لم تخف أحدا من الموالين أو الأقليات رغم كل الجهد الذي بذلته في الذبح وقطع الأعناق والاغتصاب.. ولم تعد تخيف أحدا بل إنها صارت تخاف من الجميع وهي تتلقى غارات سلاح الجو السوري شمالا وجنوبا وتودع قادتها زرافات ووحدانا.. فقرر فورد توبيخ النصرة على محاولة إخافة الأقليات التي توجست منها فحاربتها دون خوف وبشراسة.. ودمرتها بشكل غير متوقع

ولكن الفقرة التي ستضحك سقراط في قبره وتجعل الموناليزا تضحك دون تحفظ بصوت مرتفع وتجعل العمل الدنيء المنحط شعورا عظيما لايقاوم هي أنه بعد أن انتصر الأسد في الصمود بجيشه وشعبه بعد معركة أسطورية يوصي فورد بأن "يتم الحل السياسي لحل وطني سوري دون.. اشتراط رحيل الأسد.. هذا ماأسميه ودون تردد أنه إعلان غير مسبوق على نهاية عصر ابتسامة الموناليزا.. وبداية عصر الضحك من روبرت فورد

أما أكثر الكوميديات تجهما فلسفيا أو لنقل أكثر الوجوه الفلسفية ظرفا وإضحاكا في مشاهد هذه الأيام فهو محاولة أتراك حزب العدالة والتنمية تغيير البيعة من بيعة الإسلاميين للخليفة إلى بيعة الأكراد للخليفة.. مشهد لاينسى ونحن نرى محاولات خداع الأكراد بغباء ومحاولة بعض سياسيي الأكراد خداع الأتراك بغباء مقابل.. كلاهما يعتقد أنه يضحك على الآخر.. فالأتراك الإسلاميون يريدون توريط المسلحين الأكراد في تركيا بإغرائهم بالنزوح بسلاحهم من جبال قنديل إلى الشمال السوري لتتخلص منهم تركيا بمواجهة مع الجيش السوري وداعش.. ويحلم الأتراك بتلك الصفقة الكردية علّ الأعداء يجهزون على بعضهم فيتم تقطيع سورية من الشمال بحجة كيان كردي تدعمه تركيا.. فيحارب الكرد ضد داعش والجيش السوري.. ويحارب داعش ضد الأكراد وحزب العمال والجيش السوري.. ويحارب الجيش السوري ضد الأكراد وداعش.. ويطحن الموت الجميع فيما تقوم تركيا بدور الراعي لمصالح لأكراد والأم الحنون.. فلا يقوم كيان كردي في الشمال السوري بسبب حاجته لرضا الأم دون أن تضطر تركيا إلى محاربته بنفسها.. التي تحاول إبقاء الملف الكردي خارج أراضيها طالما أنه تحت وصايتها وإرضاعها.. وموصول بمشيمتها

ولكن بعض الأكراد (البرزانيين خاصة) يعتقدون أن القبول باتفاق مرحلي مع تركيا سيمكنهم من خداع الأتراك بادعاء القبول بالصفقة مقابل التخلي عن أكراد تركيا والاكتفاء بأكراد العراق وسورية.. وهو يعني التبرع ببعض دمهم وأعضائهم لصالح جسد تركيا.. ولكن ما إن تستقر الظروف مجددا حتى يتم الوثوب على تركيا لانتزاع أكرادها منها.. واستعادة الدم الكردي والأعضاء الكردية من الجسد التركي لتعاد إلى الجسد الكردي.. وهنا لاتعرف وأنت تضحك بشدة ضحكة دنيئة من هو الخادع ومن هو المخدوع.. أتضحك من المخادع أم من المخدوع.. أم من حقيقة أن الخادع مخدوع وأن المخدوع مخادع

لاأحد يدري أين ستنتهي مغامرة أحمد داود أوغلو وشريكه رجب اردوغان في المشروع العثماني الذي يترنح.. منذ سنوات أربعة بدا أن تركيا قاب قوسين أو أدنى من استعادة سلطنتها وإعادة إعمارها وكانت ذروة ذلك الانتصار في ذلك المهرجان الشهير الذي كان فيه أردوغان يحتفل بعودة مصر إلى السلطنة لتبايعه عبر محمد مرسي بعد أن تمرد واليها محمد علي باشا منذ قرن ونيف.. ثم جاء بخالد مشعل الذي أعطاه مفاتيح القدس ليتصرف بها كما يشاء.. وكان في موكبه بالطبع رياض الشقفة الذي سلم له سلفا مفاتيح دمشق.. علاوة على قطيع كامل من الإسلاميين المهللين بعودة آل عثمان.. واليوم يبدو الخليفة مفلسا من المبايعين والأتباع فيقوم مجانين حزب العدالة والتنمية بالمراهنة على الورقة الكردية لإنقاذهم ببيعة مختلفة في الشمال السوري لأن ما بات يقينا هو أن الجيش السوري وحلفاءه مصممون على دحر الإسلاميين في حلب دحرا نهائيا لا رجعة عنه.. وإلقائهم خلف جبال طوروس.. وهذه المرحلة تقترب بشكل يسبق التوقعات

لذلك ومنذ أن تخليت عن التجهم والعبوس رغما عني فإنني لم أعد أنظر إلى الضحك على أنه نزعة احتقار وكراهية للآخر بل واجب أخلاقي وحاجة تفرزها كوميديا فلسفة الأحداث وأنا أقرأ يوميات كوميدية لاتنتهي منذ أربع سنوات بدأت بأوامر اوباما لنا بتغيير الرئيس وطلبه من الرئيس الأسد بالتنحي والرحيل خلال أيام.. وانتهت بأن نتنياهو يكاد يطلب من أوباما التنحي والرحيل ومن على نفس المنبر في الكونغرس.. ولذلك فإنني أستطيع الآن أن أعلن أنني اعتزلت مبدأ النظر إلى الضحك على أنه يذهب بالمهابة.. وأنه يدل على سلوك غير حضاري ينم عن احتقار للآخر وانحطاط في النبل والمقدرة على التحكم بالجسد.. ولم أعد قادرا على التزام أدب الموناليزا وابتسامتها الهادئة وقررت أن أنضم إلى موقف فردريك نيتشه الذي حمل بعنف على كل من كان يلحق بالضحك وصفا مقيتا يكاد يجرّمه فلسفيا.. حتى أن نيتشه قال بأنه سيصنف الفلاسفة حسب درجة ضحكهم.. لأن الضحك ليس جريمة كما يقول نيتشه.. بل إن الجريمة هي ألا تضحك وتجلجل ضحكتك وأنت ترى وتسمع كوميديا السياسة وساسة الكوميديا من أوباما ونتنياهو وفورد وهولاند.. وأوغلو وأردوغان.. والعربان.. والغربان.. والثيران.. والإخوان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز