عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مواقف سياسية في جمع القرآن الكريم

 

قبلَ الولوجِ في موضوعِ العنوان لا بدَّ من اعتمادِ مسلَّمتيْنِ:

 

المسلّمةُ الأولى: تعليم جبريل القراءةَ للرسول، عليه الصلاة والسلام.

لا ريْبَ أنَّ الرسولَ من قبلِ نزولِ القرأنِ عليهِ قد كانَ أميّاً.

وكان جبريل ،عليه السلام، يأتي به النبي، عليه السلام، مقروءاً لا مكتوباً. ومن البدهي أن التأليف لكتابٍ يلزمه الكتابة. فالارتيابُ يأتي من قبَلِ الكتابة لا من قبَل القراءة. فالأميُّ لا يمكنه أنْ يأتيَ بكتابٍ عادي، فما بالنا بكتاب معجز لا يأتيه الباطل، وليس فيه من الاختلاف شيء. وإن ما كان يوجد عند الرسول مكتوباً هو من خطِّ كُتّابِ الوحيِ، وهم جميعاً شهودٌ على ذلك.

"اقرأ"

"اقرأ وربّك الأكرم"

"الذي علّم بالقلم"

فلا يعرفُ القلمُ للرسولِ يداً تكتب!

"سنقرئكَ فلا تنسى"

"فإذا قرأناه فاتبع قرآنه".

 

المسلَّمة الثانية: وجود كامل "الختمة" في بيتِ الرسول قبلَ وفاتهِ.

 

"إنّ علينا جمعَه وقرآنه".

وهذا الوجود هو ما تدل عليه وتؤكده العرضة الأخيرة، أي إن جبريل قد أقرأ الرسول كامل القرآن الكريم لآخر مرة، أو أن الرسول قد قرأه كاملاً في حضرة جبريل للمرة الأخيرة.

وقول زيد وهو الذي شهد القراءةَ وفقَ العرضة الأخيرة يؤكد وجود القرآن مكتوباً بكامله في حوزة الرسول، عليه السلام، فماذا قال زيدٌ؟ قال: "كنّا عند رسول الله نجمع القرآن من الرقاع".

 ولنسمِِّ هذه النسخةَ التي كانت في حوزة المصطفى، عليه الصلاة والسلام، وجرى منها الجمع أو جرى جمعها: "الخِتْمة النبويّة".

فهل من سرٍّ في تلك الأمور؟

يبدو أنَّ "ختمةَ" الرسول عليه السلام يوم وفاته، لم تكن في بيتِ أمِّ المؤمنينَ عائشة، ويبدو أنَّ فاطمةَ وعليّاً قد استطاعا بحكم قرابتِهما من رسولِ الله، وبهذه الطريقة أو تلك، أنْ يحوزا على تلك "الختمة" قبلَ ظهورِ نتائج الاجتماعات في خلافةِ الرسول، عليْه السلام. ويبدو أنّهما، عليّاً وفاطمة، أرادا أنْ يكونَ الاحتفاظُ بالختمة النبوية ذا معنىً ومغزىً سياسيّين. ويبدو أنَّ أبا بكرٍ لم يُرد أن يدخل في صراعٍ موضوعُه: مَن الأحقُّ بوجودِ "الختمة النبوية" عنده: هل ورثة الرسول أم خليفته؛ إذ يبدو أنه كان مطمئنّاً على أنَّ القرآنَ الكريم موجود بكاملِهِ عند كتبة الوحي، أوأنه محفوظ على تفرُّقٍ في صدورِ مئاتِ القرّاءِ ومكتوباتِهم، فلنْ تلجئه الحاجة إلى تقديم طلبٍ والتماسٍ إلى بيتِ عليٍّ من أجلِ الرجوعِ إلى "الختمة النبويّة"؟..

 وما أظنُّ أن عمرَ بن الخطاب كان جاهلاً لهذه الجوانبِ ذات المعاني السياسية. ولكن حرصاً من عمر على الإسلامِ، وتوقُّعاً منه، لهذا السبب أوْ ذاكَ، أنّهُ الخليفة المنتظر من بعد أبي بكرٍ، فقد وجدَ الفرصةَ المواتيةَ للالتفاف على موقف عليٍّ، فما زالَ بأبي بكرٍ حتّى أقنعَهُ بإمكانّيّةِ جمعِ القرآنِ في كتابٍ طبقِ "الختمة النبويّةِ" من غيرِ أيِّ حاجةٍ لطلبِها من عليٍّ وفاطمة، وخاصّةً أنَّ الذي جمعَ تلكَ الختمةَ من الرقاعِ، وهوَ زيد بن ثابتٍ، وشهدَ العرضةَ الأخيرةَ، والذي يبدو أنَّهُ كانَ يحفظُ القرآنَ كاملاً، ما زال حيّاً قادراً على أنْ يصلَ إلى جمعِ نسخةٍ مماثلةٍ بحيثُ لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يثيرَ حولَها أيَّ شبهةِ اختلافٍ عن "الختمة النبويّة"، ولا أنْ يطعنَ في القائم على جمعها.

  وانتهى الأمرُ بنجاحِ عمرَ بكتابة "ختمة" جديدةٍ مماثلة مساويةٍ للتي في يديْ عليٍّ وفاطمة. فلوْ كانَ عمرُ يريدُ حقيقةَ الحفظِ للقرآنِ لأكثَرَ من النسخِ من خلال ذلك الجمع، ولعملَ فيه كثيراً من المصاحف،  أي لَما اقتصر في الجمع على نسخةٍ واحدة. وكيفَ يخافُ عمر بن الخطاب من ضياعِ القرآنِ وهو يعلم أنَّ الله تعالى متعهدٌ بحفظهِ، وقد نزل القرآنُ الكريم على لسانهِ!؟

 لقد نجح في استنساخ "الختمة النبويّة" لا بالنقلِ عن التي عند عليٍّ وفاطمة، بل بجمع نسخةٍ أخرى مماثلةٍ على يد جامعِها الأول نفسه، فنجح في الالتفاف، أي كانت تلك ضربة معلم.

 ومن قبلُ انتهى الصراعُ على الخلافةِ في سقيفةِ بني ساعدةِ لمصلحةِ أبي بكر. ويبدو أنَّ أبا بكرٍ لم يفلحْ في الحصولِ على "ختمة" رسول الله؛ إذْ يبدو أنَّ عليّاً كانَ يرفضُ ذلكَ متظاهراً أنه كان يقوم بالجمع.

وكذلك يبدو أنَّ أبا بكرٍ قدْ أدركَ من فطنتِهِ أو منْ تذكيرِ غيرِهِ لهُ أنَّ محاولةَ عليٍّ بالاستئثار بالختمة النبويّةِ ما هيَ إلا إشعارٌ للناسِ، أو إعلانٌ صامتٌ لحرب باردة، على أنَّهُ كانَ الأوْلى بالخلافةِ والإمامةِ. ويبدو أنَّ عليّاً قد حاولَ التمويهَ والتغطيةَ على هذا الموقف السياسيِّ احترازاً واحتياطاً فأشاعَ في الناسِ أنَّهُ معتكفٌ عاكفٌ في بيتِهِ لجمعِ القرآنِ مقسِماً أنْ لا يخرجَ إلاّ لصلاةِ يوم الجمعة.

 ويبدو أنَّ أبا بكرٍ قد أرادَ أنْ يشعرَهُ بأنَّهُ غيرُ خافٍ عليْهِ أنَّ ما يقوم به – أي عليٌّ – ما هوَ إلا إعلامٌ صامتٌ يشيرُ فيهِ إلى عدم رضائِهِ عن بيعة أبي بكرٍ بالخلافة، فقالَ لهُ: أكرِهْتَ إمارتي يا أبا الحسن؟

 فقالَ عليٌّ :"لا والله، إلاّ أنّي أقسمتُ أنْ لا أرتديَ ردائي إلاّ لجمعة". كأنَّ أبا بكرٍ يقولُ لهُ: لعبتُكَ مكشوفة يا عليّ، فدعْكَ منها يا أبا الحسن. أمّا أينَ قابلَهُ، وفي أي أيام الأسبوع، فليسَ معروفاً. وغيرُ بعيدٍ أنْ يكونَ أبو بكرٍ قدِ استدعاهُ إلى مقرّه إجباريّاً.

 وهذا القسَمُ من عليٍّ، على فرضِ صحةِ صدورِهِ منه، لا يعني أنَّ عليّاً يكذبُ، فهوَ يحبُّ إمارةَ أبي بكرٍ أنْ تكونَ لهُ هو، أيْ لا يكرهُ إمارةَ أبي بكرٍ أنْ تكونَ لهُ، لا يكره أن تكون له إمارة المؤمنين، أي لا يكره خلافة رسول الله عليه السلام بدلاً من أبي بكر. وربّما كانَ عليٌّ يستعملُ التوريةَ شعوراً منهُ أنَّهُ أمامَ استجوابٍ خطيرٍ، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. وليسَ بمُستبعدٍ أنَّ أنصارَ عثمانَ في المستقبلِ قدْ زادوها من عندِهم. ويُقالُ بأنَّ عليّاً بايعَ أبا بكرٍ ثمّ رجعَ.

رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، ويوم القيامة على نيّاتهم يُبعَثون. 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز