د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
أسئلة .. عسى أن يجيبنا عنها أحد


في باريس وقع قبل شهر حدث مسرحي غامض حيث هاجم شخصان مقنعان صحيفة شارل إيبدو، وقتلا بعض الصحفيين، وهربا، ولاحقتهما الشرطة، ولم يمض وقت طويل قبل أن يكشف عن هويتهما. وإلى هنا تسير أحداث المسرحية دون أن تثير الكثير من التساؤل، فهناك إرهابيون "إسلاميون" وجهوا ضربة إلى "قلعة الحرية"، وإلى "العلمانية"، وإلى "حرية التعبير"، وإلى "الحضارة"، وإلى "حقوق الإنسان"، إلخ. وتهيأ أكثر الناس لاستنكار استخدام العنف في التعامل السياسي، الذي صار عنوانه "الإرهاب الإسلامي"، وكثيرون تهيؤوا لتقبل فكرة أن حرب الكر والفر بين مجاهدي حرية التعبير من جهة ومجاهدي القاعدة أو داعش من جهة أخرى ستطول. ولكن وبينما باريس تعيش أجواء الصدمة، وينزل العسكر في كل الشوارع، ويحتلون كل زاوية فيها، وتجري تعبئة الرأي العام ضد الإسلام والمسلمين، أعلن عن قيام إرهابي "إسلامي" آخر بمهاجمة سوبرماركت يهودي وعن أخذه رهائن. وهنا بدا كأن مهاجمة شارل إبدو كانت مجرد مقدمة توجه الانتباه إلى حدث أكثر بشاعة، والتعبئة ضد الإسلام والمسلمين كانت نصف الهدف فقط، ففي الحالة الأولى استهدف الإرهاب مجاهدا من مجاهدي حرية التعبير اسمه شارل إيبدو (أي إنه شخص له قضية)، فالإرهابيون ثأروا بالإرهاب لنبي الإسلام. أما في الحالة الثانية فاستهدف الإرهاب سوقا يمتلكها شخص يهودي، لكونه يهوديا، ليس إلا، فهو ليس له قضية، فلا هو رسام، ولا هو فنان، ولا هو نحات. شيء فظيع، أليس كذلك؟ ما هو التبرير، وما هو الهدف، تساءل الناس، وهم محقون.

 

وجاء السؤال: لماذا يتقاطر "المجاهدون" الإسلاميون إلى الشرق الأوسط لمحاربة الشعب العراقي والشعب السوري، ويقتلون الأقباط، ويسبون اليزيديات، ويعرضون البيشمركة في أقفاص في كركوك، ولا يطلقون هناك طلقة واحدة على إسرائيل بينما يقوم مجاهد "إسلامي" بمهاجمة هدف يهودي مدني وفي مكان يبعد آلاف الأميال عن فلسطين المحتلة حيث الأهداف العسكرية الإسرائيلية المشروعة لمن يريد أن يقاوم الاحتلال؟ محاربة إسرائيل تتطلب فعلا رجولة، وإيمانا، وعقيدة، بينما مهاجمة المدنيين، يهودا كانوا أو غير يهود، وفي أرض غير أرض فلسطين، وأخذهم كرهائن ليس فقط عملا جبانا ليس فيه ما يستحق الفخر، لكنه يلحق أيضا أفدح الأضرار بالمسلمين وبقضية فلسطين، ناهيك عن أن من يتواجدون في المكان المستهدف، سوبرماركت، وقت الهجوم ليسوا بالضرورة يهودا فقط، بل هم أناس دخلوا إلى هناك مصادفة، ربما لشراء بضائع في التنزيلات، والعمل الإرهابي بذلك لا يكون في جوهره موجها ضد اليهود إلا في حدود رمزية، كون صاحب السوبرماركت يهوديا. لكن يبدو أن الرمزية هي الشيء الأهم. قيل وقتها أن بضعة أشخاص قد قتلوا في اقتحام الشرطة للسوبرماركت، ولكن لم يتم الكشف عن جنسياتهم أو أديانهم، أو إن كان صاحب السوق بينهم. ليس مهما، ليرحمهم الله جميعا، المهم هو الرمز. والسؤال الكبير هو: ما السر وراء هذه الثنائية في الفعل، إثارة الغضب على الإسلام والمسلمين في البلدان الأوروبية، وفي الوقت نفسه استهداف اليهود المدنيين الأمر الذي يثير التعاطف معهم دون أن ينفعهم التعاطف في شيء لأن شعور المدنيين بأنهم مستهدفون يشكل كابوسا لهم مهما تعاطف الناس معهم، لكنه ينفع في المحصلة إسرائيل في حربها الدعائية ضد العرب والمسلمين؟

 

 هذه المسرحية تكررت بحذافيرها في كوبنهاجن، فالذي هاجم الندوة الثقافية في "برميل البارود" أثار على الفور موجة من الغضب على الإسلام والمسلمين وعلى معاداتهم لحرية التعبير، وأعطى المهاجمُ هذا الشعورَ بالغضب وقتا كافيا ليتعمق في النفوس، وعاد بعد تسع ساعات ليهاجم مكان عبادة يهودي بعد منتصف الليل، ويقتل حارسا مدنيا، فأصبح اليهود في قلب الحدث حتى أن الضحية الدنماركي غير اليهودي نُسيَ تقريبا، وتأججت عواطف الناس وتجددت ذكرياتهم عن الهولوكوست. ثنائية باريس تكررت بشكل غريب في كوبنهاجن.

 

أمر طبيعي أن يتعاطف الناس مع مدني أعزل يتعرض لاعتداء، مهما كان دينه، أو مهنته، أو جرمه، ولكن ماذا يكسب المهاجم من فعلته؟ هذه المسألة تبدو مدروسة بعمق، ومخططا لها بدقة وعناية، كي تترك أكبر أثر سايكولوجي أولا، وسياسي بعد ذلك لصالح إسرائيل. في العشرين سنة الأخيرة نشأ وعي واسع في أوروبا بضرورة وقف عدوان إسرائيل ضد الفلسطينيين، لكن ها نحن عدنا إلى نقطة الصفر فالمعتدى عليه الآن إسرائيل (عبر الاعتداء على اليهود) والمعتدي فلسطيني!!

 

لو أن الاعتداء وقع على موقع فرنسي أو دنماركي فقط فإنه كان سيتسبب في رعب، واستنكار في حدود معروفة، فالإرهاب "الإسلامي" لم يعد يثير الدهشة والصدمة فمنذ خمس عشرة سنة يقال عن ارتباط الإرهاب بالإسلام ما جعل هذا الارتباط أمرا مسلما به في وعي الكثيرين.

 

ولو وقع الاعتداء على هدف يهودي فقط فإن أغلب الناس سيعتبرون أن الأمر لا يعنيهم مباشرة، وسوف يتساءلون: لماذا يصفي المسلمون واليهود مشاكلهم على أرض الغير، بينما كلا الطرفين يمكنهما الاشتباك حيث هم، في الشرق الأوسط؟ ولكن عندما يقع الاعتداء على الاثنين معا، أهل البلد أولا ومن ثم هدف يهودي، حتى لو كان رمزيا، فإن الجبهة المعادية للإرهاب "الإسلامي" تأخذ طابعا خاصا، فمجاهدو حرية التعبير وإسرائيل يقفون في خندق واحد، والإرهابيون يستهدفون كليهما - ويتولى الإعلام مهمة إثبات أن الإرهابيين يمثلون الإسلام، ثم يشهد، هذه المرة، شاهد من أهلها أن المشكلة تكمن في القرآن لأنه يحوي آيات تحرض على العنف! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

سبحان الله، كأنه لم يكفنا أن إسرائيل أقنعت العالم على مدى سبعين سنة بأنها ضحية الهولوكوست العربي، وليس الألماني، فصار الآن لزاما على "الإرهابيين" إقناع العالم بأن إسرائيل هي الضحية الأولى في حرب الإسلام ضد حرية التعبير المقدسة.

 

أليس مثيرا للاستغراب أمر هذا الإرهاب وثنائية غايته؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز