عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
يغمة الخليل في عهد محمد علي باشا – مع التحية إلى فهد بلان

 

الخليل مدينة لا يعرف الفراغُ طناجرَها!

 

 في أواخر العام 1831م خضعت فلسطين وسائر بلاد الشام لسلطان الوالي محمد علي باشا (طز في أول باشا) حاكم مصر سنتئذ، وذلك بعد أن تغلبت قواته على جيوش السلطان العثماني "محمود الثاني". وفي العام 1834 دبت ثورات عارمة في عموم فلسطين ضد حكم محمد علي باشا، وقام الخليليون في أواسط شهر أيار في العام 1934 نفسه بمهاجمة الحامية المصرية في منطقة واقعة في طرف الخليل الشمالي على الطريق إلى مدينة القدس يسمونها: "جورة بَحْلَص"، وهي التي تفصل أراضي الخليليين عن كروم "حلحول"، وما أدراك ما "حلحول"؟! إنها حلحول التي يودُّ القلب لو يحلّ منحلّاً في قطوفها حولاً على طول!..

 وتلك الجورة و"رأس الجورة" التابع لها هما اليوم أغنى مناطق الشرق الأوسط في عدد المطاعم: مقاليب، محاشي، كباب، شاورمات، فلافل، فراريج مشويات، ديوك محشيّات، أكباد، خصاوي، ومن كل اللحوم والثمرات والمقبّلات، والقدور المهبّرات المبهّرات!.. فالخليل مدينة لا يعرف الجوعُ أهلَها. وفي رواية عطوية: الخليل مدينة لا يعرف الفراغُ طناجرَها!

 ولقد سُئل شيخُها الأكبر ذات يوم وهو يدرّس في الحرم الإبراهيمي الشريف: ماذا تكره يا سيدي "عبد الحيّ" من الدنيا؟

 فقال من غير تلعثم وهو يتلمظٌ متمتّقاً: ليس لي عدوٌ في الدنيا إلا الصحن الفارغ!

ولقد نفاه اليهود من بعد العام 1967 إلى عمّان سنين عدداً، فكان مقرُّهُ النهاري هناك مقعداً وثيراً في مكتب "مطعم القدس" الذي يمتلكه الخليليون على مقربة من مطعم جبري، وحلويّات حبيبة "مزار الحبّيبَة"؛ فما أجمل الغرام محمولاً في طبق من الكنافة، أو على أجنحة حبّة من البقلاوة، والهواء يأتيك بالكباب روائح!.. لقد عسكر الشيخ "عبد الحي" بجوار الصحون تغدو إليها ملآنة وتروح فارغات! رحمه الله تعالى فإنه "عرفه" الناس وعطية ودوداً كريماً، ورحم نساءه أربعتَهنَّ!

أجل، في شهر أيار من العام 1934 "نوّرتْ وفوّرتْ وقبّعتْ" مع الخلايلة فقاموا بالقضاء على كتيبة مصرية في "جورة بَحْلص" فقتلوا منها ما يزيد عن ضعفِ المائة وأسروا بعضاً من جنودها وضباطها. ومع الأسف، فإن نفراً من الخلايلة قد اعتبروا ذلك مفخرة فقال سفيههم تيهاً:

 

خليليّيهْ خليليّيهْ وِاللّي ما بْيِعرقْنا "جورة بَحْلص" هَيْ هِيّيهْ!

 

وقد كنّا، وربما ما زلنا، نصدح بها رادحين في رحلاتنا المدرسية كلما مررنا في مدينة الكنائف أو مدينة السقائف لنصيد "أسماك" البحر الميت، أو يافا أو حيفا، وحتى في مكة، إذا ما بدر ضدنا ما يوحي ولو ضمنيّاً باستنقاص أو استرخاص؛ فالخليليُّ فوريُّ الفورانِ كأنه قارورة "كوكا كولا" قد اهتزت بزلزال فانفتحت!

وانجلت معركة "جورة بحلص" فإذا بعدد من الأسرى المصريّين في يد الخليليين الرحماء! ..

وكان من النصيب العاثر لضابط مصريّ أسير أن يُعهد بحجزه سجيناً إلى رجل من "آل بلّوط"!

فماذا فعل "البلّوط" بأسيره؟

مع الأسف، لقد استعمله في تدوير رحى الطاحونة أياماً وأيّاماً. وكانت امرأة ذلك "البلوط" تنتهز ذهاب زوجها إلى المرحاض، وكان إذا ما خري نسيَ الدنيا فأطال المقام؛ فقد كان – على ذمة الرّواة -  يلتهم من الخبز والششبرك والكسبة حمولة حمار، فتبعث مع أولادها إلى الضابط بما تيسر من الغذاء، وتُوهم زوجَها بصياحهم على الضابط بأنهم ينهرونه ليواصل الدوران!

وكان الضابط الأسير يسلّي نفسه قائلاً وهو يدور بالرحى:

يدورُ الزمانُ يا بلّوطُ يدور!

ودار الزمان وما هي إلا ثلاثة أشهر أو تقلُّ عشرةً أياماً فإذا بالدائرة تدور على الخلايلة؛ ففي الأسبوع الأول من شهر آب 1934 نفسها، تغلب إبراهيم ابن محمد علي على مدينة الخليل بخيانة من بعض أهلها الذين أرشدوا جنوده إلى عوراتها. وأذن إبراهيم لجنوده باستباحة مدينة الخليل أسبوعاً، فقتلوا ومثّلوا واغتصبوا فأنزلوا بأهلها كل أصناف العذاب والانتقام. وقد سمّى أجدادنا تلك الأيامَ الوهيلةَ باسم يقطر غمّاً : "يَغْمة إبراهيم باشا"!

أليس إبقاء كلمة باشا في وصف ذلك الجزّار "تياسة" خليليّيهْ"!

فهل للكُسبةِ مفعول في العقول؟!

أليس الخلايلة في هذا كسائر أهل فلسطين تياسةً حينما يقولون عن مسكن اليهودي "هربرت صموئيل" في "جبل المكبّر"، وهو أول حاكم بريطاني في فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى - يقولون: "دار المندوب السامي"!

 

وعلم وجهاء القدس بما جرى للخليل وأهلها فتوسّط منهم مَن له قبولٌ عند "إبراهيم" – بَلا باشا بَلا بطّيخ شامي– للعفو عن أهل الخليل، فاشترط ذلك البربري أن يزفه الناجون من رجال الخليل من جوار الحرم الإبراهيمي إلى ساحة "باب الخليل" في سور مدينة القدس – أن يزفوه وهو يمتطي حصاناً أبيض. فاستسلم الخلايلة، وكلُّ إبراهيم عندهم هو "أبو خليل"، زفّوه وهم يهزجون:

 

يا عمنا يابو خليل، يابو المكارم يا أصيل، افتحْ لنا باب الخليل لَتعدّي كلّ ارْجالنا..

 

وما زال المطرب "فهد بلّان" يهدر بها كأنه يقلد بها صوت ذلك "البلّوط" ضارطاً في المرحاض ستينَ دقيقة وخمسين ثانية!

 

فيا حسرةً على باب الخليل؛ فقد صرنا اليومَ وصار لأحفاد "صموئيل".

 

واستطاع "البلوط" أن يهرب من الباب الخلفي لمرحاضه تحت غطاء كثيف من قنابله وقذائفه الدخانية!

فهل يعتبر القِطاعيّون؟

وقد يعيد التاريخ نفسه.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز