عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الدنيا حكايات

 

ثوار من آخر مدى

 

 في قرية ما من قرى فلسطين جلس "أبو علي" ذات مساء يحفّ به أحفاده صانعين حلقة سمر، يؤنسهم ويؤنسونه. وأخذ الجدّ "أبو علي" يحدثهم عن أيامه ولياليه وبطولاته في ثورة العام 1936 يوم أن كان في "عز الشباب"؛ فلقد اشتاق إلى ذكرياته مما سجلت كلاسينه، أو لعلها هي التي هاجت فيه الأشواق! وإن من الأشواق لَما يفضح المستور!

قال أبو علي وهو يفرك شنباته: ذات ليلة أمرني قائد الثوار "الشيخ سالم" أن أبقى وحدي في حراسة المغارة ولم يُبقِ عندي أي قطعة من السلاح، وخرج هو وسائر الثوار في مهمة استطلاعية. وما هي إلا سويعة فإذا به راجع وحده بارماً شواربه ومعه بندقيته. وراودني عن نفسي فأبيت، ثم هدّدني بشكل صارم حازم مخيّراً لي بين أن يقتلني أو أن أرضخ له. فكم يا أحفادي في الدنيا من حكايات، وكم في الثورات من نياكات!

وسكت "أبو علي". وهنا سأله أحفاده على براءة: ثمّ ماذا حصل يا جدّنا؟

قال أبو علي وهو يهزهز رأسه ويكزكز على شفتيه: الحمد لله فقد بقيت من العائشين، فدعوا الطابق مستوراً يا حبايبي يا حلوين، وبيعوها برأسمالها!

 

باع البغلة برأسمالها وخير الربح الهريبة!

 

 وذات ليلة قام ثلاثة من لصوص الخليل بسرقة بغلة من إحدى القرى القريبة، ولم يكونوا يعرفون شخصية صاحبها. ولما افتقدها الرجل في الصباح ولم يعثر عليها في قريته أدرك أنها قد سُرقَت، وقال في نفسه: لا بدّ أن يذهب اللصوص لبيعها في سوق الجمعة في مدينة الخليل. وعزم على أن يكون في ذلك السوق من فجر الجمعة القادمة. وجاء اللصوص الثلاثة بالبغلة فدخل أحدهم بها في السوق وانتظر الآخران خارجه احتياطاً واحترازاً. وتعرف صاحب البغلة على بغلته فسأل الخليلي: من أين لك هذه البغلة "يا زلمة"؟ أما تعرف أنها بغلتي؟

فقال اللص: اشتريتها من رجلين يقفان خارج السوق، فأمسِكْ بها حتى آتيك بهما فوراً!

فأمسك الرجل ببغلته وأخذ ينتظر، وانطلق اللص إلى صاحبيه فلما رأياه قادماً نحوهما حسبا أنه قد باع البغلة فبادراه يسألانه: بكم بعت البغلة أيها الصدوق الأمين؟

قال لهما: لقد بعتها برأسمالها!

 

اسكتوا: إنّها مولّعة!

 

 ذات عصرِ يومٍ من أوائل شهر أكتوبر من العام 1973 وأثناء احتدام المعارك بين القوات العربية والقوات الصهيونية على قناة السويس وفي الجولان اجتمع نفر من رجال الخليل تحت الدوالي في كرم الحاج عبد الحكيم المستفقع للأمة العربية والخبير بحروبها، اجتمعوا عنده لعلهم يستمعون إلى نشرة الأخبار من إذاعة "صوت العرب"؛ إذ كان هو من دونهم يملك مذياعاً محمولاً من حجم الجيب!

جلس الضيوف تحت الدوالي من حول الحاج عبد الحكيم يأكلون العنب حبةً حبّةً، وهو متكّئ يضع جهاز الراديو الصغير على أذنه بحيث يحسبه الناظر إليه مستغرقاً منهمكاً في سماع أخبار حربية عظيمة فلا يود أن يقطع عليه سماع تفاصيلها أي قاطع.

وكرر الضيوف على الحاج عبد الحكيم السؤال: طمّنا يا حاج، بشرنا يا حاج، أوَصلوا تل أبيب؟

وكان كلما كانوا يسألونه إلحاحاً يقول: اسكتوا، إنّها مولّعة!

وكانوا يسكتون يحسبون أنه يريد أن يستوعب الأخبار والبيانات العسكرية الحامية استيعاباً عميقاً بشكل دقيق ليقصها عليهم مفصّلةً!

وفجأة لاحظ أحدهم أن الحاج عبد الحكيم قد أغمض عينيه فظن أنه قد غشيه النعاس فقام واختطف المذياع ليستمع إلى الأخبار بنفسه - فماذا كان؟

سمع صوت أم كلثوم تغنّي: إنت عمري!

أجل،  إنها كانت مولّعة!

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز