عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
هات وَلعة يا فرهووووووووووووووووووودْ

تعلّم الفصاحة في أهل الخليل

"تُؤ" =  لا

 ذات يوم خميسٍ ربما الأول من نيسان من العام 1955، ذهب جاران خليليّان من "طيز الليل" لحراثة كرميْهما، وكان كرمُ الحاجِّ فرهود المخلوعِ من بنت عمّه لِعُنّته في وادٍ، وكان كرم الحاجّ برهوم واقعاً في رأس الجبل المطلّ عليه، فلو كنتَ ثَمَّ في رأس الجبل ونظرت إلى بغلٍ في الواد لحسبته جحشاً وليدَ ساعته. وعند ظهر ذلك اليوم أخذ برهوم الذي في أعلى الجبل وقد "عمّرتْ معه ونوّرتْ وهفّتْ سيجارة الهيشي على باله" - أخذ ينادي على فرهود الذي في أدنى الوادي بأعلى صوته يسأله:

 معاكْ "أدّاحة" يا فرهووووووووووووووووووودْ؟

فقال له فرهود وهو مستمرٌ في الحراثة:

 "تُؤ"!

 وهمس في نفسه هامراً هامصاً يقول: خودْ مجدك يا فرهود، اليوم يومك يا فرهود، خلّيه ياكلْ حاله هالواطي، تِنساشْ عَمْنَوَّلْ في مِتِلْ هاليوم لمّا رفض هالسافل يِدايْنَك بسْ سيجارة وحْدة أُرْضة حسنة، سوّيها فيه زيْ ما سوّاها فيك!

وهيهات هيهات أن يسمع برهوم "تُؤ" فرهود، وما يكاد فرهود يفتح فاه وهو يتئتئها، أو هيهات هيهات أن يلتقط له همساً أو أن يرى له وجهاً على ذلك البعد بينهما!

وكرّر برهوم النداء المجلجل المزلزل يريد قدّاحةً من أجل توليع سيجارته فقد وجد "علبة الكبريت" التي يحملها فارغةً فقد تعمدت زوجته "سارة" تفريغها من عيدان الثقاب توفيراً للسجائر وللعيدان أيضاً، وتقليلاً لفوحان الدخان الهيشي من جوفه إذا ما جمعت المخدة بينهما متواسديْن؛ فالمساء القادم ليلة جمعة، والبركة الأسبوعية كلها في ليلة الجمعة؛ فهي ليلة الحركة ليلة حرث الحرّاثين.

وفي كلِّ مرة كان فرهود يسمع النداء يقول: "تُؤ"!

وفكّر برهوم أن يزيد في النداء مدّاً في الصوت وعدد كلمات فيناديَ النداء قبل الأخير، فلعلَّ صاحبه يجيب:

بأُلّك: معاكْ "أدّاحة" يا فرهوووووووووووووووووووووود، يا شرمووووووووووووووووووووط؟

فأجابه فرهود: "تُؤ"،"تُؤْ"!

وقبل أن ييأس برهوم فكّر أن يزيد في النداء مرةً أخرى فيناديَ النداء الأخير:

بأُلَّك، بأُلَّك، بأُلّك: معاكْ "أدّاحة" يا فرهوووووووووووووووووووووود، يا شرمووووووووووووووووووووط، يا ابن الستينْ عكرووووووووووووووووووووووووووتْ ؟

فأجابه فرهود وكأنه أم بُريصٍ قد "طقطق" مبحوحاً صوتُه أو قد أصابه الحياء بين الوزغات: "تُؤ"،"تُؤْ"، "تُؤْ"!

وحكّ البرهوم رأسه فجاءته فكرةٌ من عبقر فقرر أن يضرب عصفورين بحجر واحد: أن يعود إلى الدار فوراً من غير مرافقة فرهود إغاظةً له وانتقاماً منه؛ إذ ظنَّ أنه قد بخل عليه بولعةٍ من القدّاحة، وتحقيقاً لتمنيات سرسورته فلعلّ الصبيان يلعبون بعيداً فيصنعَ لها يومَ خميس أبيض.

عاد برهوم إلى داره في قناطر الخليل العتيقة وقد جمع ضميمةً من شقائق الربيع، منَ الحنّون الأحمر، مما تنبت جنبات الطريق - جمعها هديّة لسَرْسورته!

وفرحت "سارة" بتلك العودة المبكّرة لبعلها برهوم؛ فقد بشّرتها الشقائق الحمراء بسُويْعةٍ تسرُّ النساوين، وكان ثلاثةُ صبيانِها يلعبون في ساحة المدرسة، "مدرسة أسامة بن منقذ"، بعيداً عن الدار فقد أخلَوْا لها الميادين: ما الذي جاء بك  قبل العصر "يا برهومتي"؟

أجابها على تدليعٍ راخياً مُتنعْوِساً قائلاً في نفسه "والله مبيّن إنْها الخطة زبّطّتْ يا ابن أم برهوم، صادت الصّنّارة وفِهمتها السنيورة على الطاير يِسعدْلي بوزْها شو عسل"- أجابها: جئتُ لتوليع السيجارة وشنِّ الغارة "يا سرسورتي".

 وتمّت الغارة، واستجاب "الببّور" بأعلى حرارة، وسخن الماء لبرهوم وسارة، واستوى على اللوح في "الطشت" في العتبة أسداً بجدارة، وكان من "التلييف" له ما كان فصار له طلعة بنضارة، وخرج من بعدُ في جلب رطل من الحليب للعشاء، ثمَّ جاء الصبيان الثلاثة قبيْل الغروب فاشتمّوا بقايا من روائح الياسمين، ورأوا في العتبة طراطيش من الماء ورغْواً من الصابون فقال كبيرهم مخاطباً والدته: أنا حاسسْ إنّووووهْ لِنْهارْ صايرْ ليلْ يَمّهْ، وِجْهِك يا مَرَة إمْصبّحْ إبْيبرِئْ زيّْ امْرايِةْ الحلاّء!

فقال أوسطهم وقد انتبه إلى الشقائق الحمراء في كوب من الماء: وَنا يمّهْ يمّهْ شايفْ إنّوهْ إنّوووووووهْ عيد الحبّ زايرْ دارْنا هادا اليوم بَدْري بَدْري!

فقال أصغرهم: صحتينْ عَلْعِرسانْ، عُأْبال الكناين كمان، خلّوا هالطابئْ مستورْ  يَوْلاد الأصول بلاش حدا يِدري.

فقالت أمّهم وقد عرفت أن "الطابق" قد انكشف: يِكسِرهم الأساتذة السايبين والمدير الأشلان الوحلان اللي وَدّوكو رحلة عَالسينما في بيت لحم، الله يسلِطْ عليهم نسوانهم، وينشِّفْ شهواتهم، زيْ ما علمّوكو عَالدّأَّة والزعْأة!

ورجع برهوم بعد الغروب ومعه الحليب فقال له الثلاثة معاً من غير مقدمات ولا تحيّات: نعيماً  يابا، نعيماً يا حَجّوج!

فقال في نفسه: هادي هِيّيهْ أخْريتْها يا برهوم، أجيال ولا في الخيال!

 ولما التقى برهوم وفرهود في المسجد دقائق قبل صلاة العشاء عند قدمي الإمام بجانب المحراب، فقد بادر برهومُ فرهوداً يلومه وهو مكشّرٌ قد عبس وبسر: يا بَزَوَنكْ يا إِبِنْ البرزَوَنك، "فتَّأَْتْ طيزي" وَنا بَناديك بِدّي "أدْحة" عشانْ أَسيجِرْلي (g) سيجارة، كل هادا وبْتعملْ حالك مِش سامعْ يا فائعْ يا مايعْ، أنا شايفَك طالعْ بخيلْ لَخالَك الزّفت المغلي عبْ كريـــــــــم يا منحوووووسْ يا منْجوووووووسْ!

فقال له فرهود: وَنا كمانْ فتّأْْ حَلئي أُنِشِفْ ريئي وَنا بَحْكيلك "تُؤ"، يا جزمة يا صرمة، وألف مرّة ومرّة ألْتْلَكْ، يا صايع يا ضايع: "تُؤْ" "تُؤ" "تُؤ"، شو مالَك صايرْ طَرمان طرشان، كل هادا الصوووووووووووتْ  عاملْ حالك مَسْمعْتْنيشْ يا دلّوعِةْ "إمْ بَرْبور" اللي وِجِهّا إِبْيأطعْ الخميرة من باب الدار، ولّا هُوّيهْ إنتِ شايِفْني فأرانْ يا مُغّيطة يا مُضْريطة، مش عارفْ إنّوهْ لا إنتِ ولا سيدْ سيدْ سيدَك إبْيِئدر يِهَبِّئ على فصّي، روحْ روحْ إتْأفْدَر من أُدّامي!

غضب برهوم مما تلفّظَ به فرهود المخلوع في وصف زوجته فقال له:

يا عجرود يا مكيود، سارة هيّيه بسْ بَسْ زهر النجوم، هِيّيهْ بَسْ بَسْ أم النور، يَبو بربور أخضر، روحْ روحْ شوفلك أطّة وانتف مَبْعرْها!

 ووقف المؤّذن يقيم الصلاة فانتهز الإمامُ الريحاويُّ الأمر فقال لهما: كفاكما تهامساً! وطلب من الحاضرين "مُهمشِراً عليهم بصوتٍ كأنه أمواج البحر الميت"- طلب منهم جميعاً السكوت حتى تنتهي جميع الركعات الأربع.

وقبل أن يكبّر مبتدئاً الصلاة قال في نفسه بلسان شبه فصيح: حُجّاج لازمها الحجّاج، لا طيز مغسولة ولا صلاة مقبولة، طز في الوزير الذي وظّفني عند هكذا عفاريت فالتة من سجون سليمان!

ثم قال: استووا ولا تتنحنحوا ولا تتأحْأحوا ولا تتأحْمَموا وإن أطلتُ عليكم!

وقرأ الفاتحة ثم سورة نوح، عليه السلام.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز