عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أخت صهيون: أشكرك عُشْراً بالتقسيط المريح

 

أشكرك رُبْعاً؛ فمن الشكر أنصافٌ وأثلاثٌ وأرباعٌ وأعشارٌ

 

 من قبل ربع قرنٍ أو يزيد بضع سنين، أيامَ كان مسموحاً للجميع في أرض المحشر التجول غرب خطوط الهدنة من عام 1948، كنت في جولة في فلسطين مع معرفة من معارفي ممن تربطني بهم رائحة من صداقة، أو صحبة من وزن الريشة – كنت  معه في شراء ملابس مستعملة من مستشفى أهليّ للصهاينة في مدينة ساحليةٍ من الوطن السليب شمال "عروس البحر"، وكان قد قد دلّه على عرضها للبيع إعلانٌ في صحيفة عبريّة، فهو مجيدٌ للعبريّة، وأما أنا فق كنت أتوكّأ على ترجمته إن كان "التعبرن" فوق تحصيلي.

 كان حضرته قد نسي العنوان حيث من المفروض أن تنعقد الصفقة لو تم الاتفاق، ولكنه بقي متذكّراً لاسم المستشفى فقط، فذهب بنا في سيارته إليه، فأرشدونا هناك أن نعود إلى سوق شعبيٍّة في بلدة نهاريا، فعدنا إلى العنوان الصحيح إلى حيث ضالّتُنا في الانتظار وما لم يكن يخطر في بالي أنه أيضاً بالانتظار – فماذا؟

 محلٌّ واسع نظيف تحسبه سسطحَ دارٍ منشوراً فوقه غسيلُ ثلاثين أسرة، فقد كان معروضاً فيه تعليقاً على الحبال بالملاقط ملابسُ عِجابٌ مستعملاتٌ مما يأتي تبرعات، ومما يتركه المرضى أو ينسوْن، ولكنه مغسول في غسّالات المستشفى بنظافة فائقة وكوْيٍ مُجادٍ حتى تخال الألبسة كأنها جديدة، وهي في الواقع معقمةٌ مع التعطير على أتمِّ حال حتى تكاد تحسب نفسك في حديقة زهورٍ متفتّحات. وعلمنا أن ما نطلبه لم يكن موجوداً هناك، بل هو "بالات" مرزومة في مخزن آخر تابع هو وذلك الدكان أيضاً لجمعيّة "خيرية" مسؤولةً عن المستشفى، وأما المسؤولية عن بيع تلك الملابس فكانت في أيدي ثلاث من العجائز قد تأنّقن بحدودٍ وتجعّدتْ فيهن ظواهر الجلود.

 وإذْ نحن في استفسارٍ عن كمية البضاعة عددَ بالاتٍ وقياساً، وعن مواصفات الملابس طرازاً ولَبّاساً، عن صفقٍ بالغيب، وفي مساوماتٍ يائسةٍ مع تلك العجائز "الكَرْنيبات المنيّبات" اللاتي يقطرن صهيونيّةً عنصريّةً، واللائي رفضن التنازل لنا عن السعر الذي طلبنه منا من أول المساومة ولو عن شيكل واحدٍ، فإذا بامرأة من قومهن، قوم عرقوب، ذات "مكياجٍ" واطّعاجٍ تدخل المحل وتجمع على عجل رزمة من الثياب المعروضة مما تلبس النساء وبُعولتهن والصبيان- واستفسرت سريعاً عن الثمن المطلوب فيها فقلن لها: عشرة شواقل.

فقالت الزبونة: كثير!

فقلن لها: تسعة ونصف.

فقالت: كثير كثير!

فقلن لها: تسعة شواقل.

فقالت: كثير كثير كثير!

واستمرت المساومة على هذا المنوال من إنقاص العجائز للثمن المطلوب في كل مرة نصفاً من الشيكل وبين جواب الزبونة بالزيادة من "كثير" كثيراً واحداً، حتى وصل سعرهن نهايةً وإنهاءً إلى ثلاثة شواقل قائلات لها: هذا آخر ما عندنا، فدعيك من كثيرٍ وأخواتها، فما هو السعر الذي ترتضينه أنت؟

قالت: شيكل ونصف فقط لا غير!

فوافقن وقلن لها: كفاية منك يا سيّدة، فهات الشيكل والنصف.

قالت: ليس معي من النقود شيء.

قلن لها: ولماذا إذاً قمت يا ناعمة بكل هذه المساومة ولم تقولي إنك لا تحملين نقوداً من لحظة ما سمعت أولَ سعر؛ هذا خسارة على الوقت كثير كثير كثير (وكأنهن يهزأن بكثيرها الكثير)؟

قالت: حتّى يكون جميلكن عليَّ ليس بأكثر من الشيكل والنصف، وحتى لا يكون شكري بأكبر منها!

ضحكت العجائز قليلاً ورؤوسهن تهتز، بأشدَّ مما هي عليه من الاهتزاز هرماً، اهتزازاً ذات اليمين وذات الشمال، وباركن لها بالصفقة عاضّاتٍ على الشفاه، وانصرفت هي بالملابس رافعةً يدها لهنَّ بإشارة الوداع ليس إلّا، فما نبَست ببنت شفة، كأنها خرساء أمام طرشاوات، ولكنّها قد وجّهتْ نظراتها إلى الصاحب المهندم المُشَنْيرِ وغمزته وهي تتجاوزنا بعينٍ زرقاء، غمزةً قد تسحب الغاوين! ويبدو أنها قد احتفظت بالشكر على قدر الشيكل والنصف  لمرّةٍ أخرى، أو ربما أنها قد ندمت على أن ما وافقت عليه من السعر لم يكن نصفَ شيكل أو حتى عُشرَه ليكون لهنَّ منها نصفُ شكرٍ أو عُشرُه؛ لقد راحتْ عليها، وفاتتها الفرصة. وما أدري إن كان وجودي مع ذلك الشاب قد أضاع عليها وعليه فرصة أخرى؛ فاللحية "قطّاعةُ نصيب".

 وختاماً كريماً أقول لك: "شُ" اعترافاً بجميلك أنك قد قرأت المقال، رُبعَ "شُكراً" بالتقسيط المريح؛ فشكر الناس في دين صهيون مصاريف وتكاليف!

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز