نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
خطوط التوتر العالي في الجولان بين الجريمة والعقاب


الحبر لم يخلق ليسكت ولاليصمت .. أو ليسكن في دواة الحبر ولا في أجواف الأقلام ليباع نفطا في براميل الصحف العربية .. بل خلق ليسيل كالدماء في شرايين الورق لتنهض فيها الروح .. كما عروق الجداول والسواقي والأنهار على أديم الأرض لتنمو على ضفافها الحياة ..

ولكن كيف يقف الحبر الأزرق أمام لون الدم القاني الذي يسيل من أجساد الشهداء الذين كانوا في يد الزمن أقلاما من لحم ودم يكتب بها التاريخ بحبر أحمر على أديم هذه الأرض؟؟ .. وكان الدم ينتقل من شرايينهم الى شرايين أرضنا كيلا تموت هذه الأرض ..

في كل يوم نكتب بدمنا القاني رسائلنا الحمراء على وجه أرضنا .. وفي كل يوم نسكب من شراييننا الدم الى شرايين أرضنا كي تعيش .. ولكن الدم لم يخلق ليصمت ولا ليسكت .. وهذه هي المرة الأولى التي أجد فيها أن الحبر حائر كيف يندفع في شرايين الورق وقد املأت شرايين الارض بالدم القاني ..

وأنا لاأخشى شيئا في الوجود الا أن تحاكمني كلماتي في زمن قادم لأنني منعت حبرها من أن يجري في شرايين الورق في وقت عصيب وتركت القمامة تلوث البصر والسمع .. وأخشى أن أقف يوما أمامها متلعثما خجلا لاأرد ولاأعرف كيف أفسر حبسي لها .. ولذلك عندما قالت الدنيا ان في أرض العرب ربيعا لم أجرؤ على حبس كلماتي .. وتركت الحبر ينازل طوفان القمامة في السياسة .. ويقول ان ربيع العرب هو قمامة العرب .. وكل ماكتب فيه كان ملوثات بصرية وأخلاقية ووطنية وانسانية وأكوام قمامة تداولها الناس ونصبوا للقمامة التماثيل وعبدوها .. ورفعوا لها أعلاما ..

اليوم وبعد استشهاد مجموعة جهاد مغنية لانعرف صوت من يسمع .. صوت الدم أم صوت الحبر أم صوت الثأر .. ولكن هدير الثأر قد يغطي على كل الأصوات .. فمن بين كل النقاشات التي سمعتها حولي بعد غارة اسرائيل في القنيطرة التي قضى فيها الشهيد جهاد عماد مغنية ورفاقه لم أجد مايعبر عن نقاشات الكواليس في حزب الله مثل تعليق ماكر يقول: لايشغلني السؤال الذي يشغل العالم اليوم ان كان حزب الله سيرد أم لن يرد .. وكيف وأين؟؟ بل مايشغلني هو: ماهو رد اسرائيل وخياراتها على رد حزب الله القادم حتما .. وكيف وأين؟؟ وفي هذا يقين أن اسرائيل ضربت وبدأت تستعد لدراسة مستوى الرد الذي سترده على حزب الله الذي ينتظر ثأره الجميع .. من نهاريا الى ايلات ..

ولكن سؤالا ماكرا آخر يتصدى للسؤال الماكر ويهدئه ويتحداه قائلا: هل اسرائيل تحرشت لأنها تريد من الحزب أو حلفائه أن يردوا بعد ان يئست من استدراج السوريين الى حرب تريدها لتبرر احتداما شرسا ومواجهة باستعراض العضلات تنقذ فيها المعارضة السورية المأزومة .. وترغم الغرب في نفس الوقت على فرملة أي اتفاق مع ايران كونها حليفا لسورية وراعية لحزب الله وقادرة على تهدئة غضبه .. فضربت الثلاثة مرة واحدة ؟؟

الضربة الأخيرة نالت من ايران أيضا التي فقدت قائدا ميدانيا بارزا وصارت ايران مدينة أيضا لاسرائيل بمجموعة اغتيالات من بينها اغتيال عدد من العلماء والباحثين النوويين الايرانيين .. وكل عمليات اسرائيل النوعية مرت دون عقاب .. ولذلك فان هذه الضربة في القنيطرة تعتبر ضربة ثلاثية ضد سورية وايران وحزب الله ..فهي في أرض سورية ونالت من حزب الله ومن ايران معا ..

أصحاب هذا الرأي يرون أن سورية لاتحتاج أن تستدرج الى حرب قبل أن تنهي جيوب اسرائيل وقمامتها في الجسد السوري والمتمثلة في المقاتلين الاسلاميين لأن الحرب ستنقذ المسلحين والإرهابيين بانشغال الجيش السوري عنهم.. أما حزب الله فانه لايخضع الى نفس المعادلة والظروف .. وعدم رده سيسقط هيبة حزب الله وردعه ويسبب لها ضررا كبيرا وهو الذي رد على اسرائيل يوما عندما اختطفت راعيا لبنانيا في الجنوب وأرغمها على اطلاق سراحه .. فاذا بها تطيح منذ سنوات بقائده العسكري عماد مغنية .. ثم بحسان اللقيس .. ثم أخيرا بابن مغنية ورفاقه .. ولذلك لم يعد هناك مجال للتردد في الرد .. لأن توازن الرعب بين اسرائيل والحزب قائم على القدرة على معادلة الجريمة والعقاب ..

القريبون من عقل حزب الله يقولون بأن الحزب يحتاج أن يوقف قائمة الاغتيالات الاسرائيلية لكوادره بعملية ثأرية تكون سببا في أن يحجم الاسرائيليون عن تكرار الاغتيالات .. فاسرائيل فضلت تجنب المواجهة المباشرة معه منذ عام 2006 وقررت الثأر من رمزيته ومن الرؤوس التي صنعت هيبة حزب الله .. وهاهي تتحداه في مجال العمل الاستخباري الذي أوصلها لأن تصبح صاحبة قرار جبهة النصرة التي تحارب نيابة عن اسرائيل .. ولأن الصمت بعد كل اغتيال يجعل الغرور الاسرائيلي يطرح بوقاحة سؤالا هو: من التالي ..؟؟!! .. فان التالي يجب ان يكون هدفا اسرائيليا .. فلن يوقف ثقافة الاغتيال الا اغتيال فلسفة الاغتيال واطلاق عمليات الثأر والعقاب دون النظر لاعتبارات السياسة والتوازنات الداخلية والاقليمية .. وهي الطريقة الفعالة لدفع العدو لاستيعاب ثقافة "الجريمة والعقاب" .. وفي ثقافة الجريمة والعقاب يكمن مفهوم الردع عن ارتكاب الجريمة .. وهيبة الوقوع في الجريمة مرة أخرى خوفا من الثأر ..

المشكلة الآن أن العملية الاسرائيلية الثلاثية في القنيطرة تطرح في رمزيتها ضرورة التنسيق بين القوى الثلاث المتضررة لتسديد ضربة استخباراتية وعسكرية (وليست حربا) تترجم مفهوم "الجريمة والعقاب" وتكون ذات قيمة ومدلول يحتاج اليها جدا الايرانيون والسوريون وحزب الله .. لاعادة بناء هيبة الردع الاستخباري للأطراف الثلاثة لأن الردع العسكري القتالي لايزال موجودا ومتاحا لدى القوى الثلاث .. خاصة أن نوع العملية يكشف ان الاسرائيليين يحصلون من جهة موثوقة أو بطريقة ما على معلومات موثوقة .. وهذا الفتق الاستخباراتي أو التقني يجب أن يرتق لأنه قد يفشل أي عملية ثأر ..

وفي اقتراب أكبر من الاسرائيليين نجد فهما عميقا جدا لرد حزب الله من خلال تطمين المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة من أن لالزوم لتهيئة الملاجئ .. لأن الحزب كما تدرك اسرائيل لن يرد على أهداف مدنية حتما ولن يستخدم قوته الصاروخية .. بل هو مضطر لقبول التحدي للرد على أهداف ذات شأن عسكري لأنه لايقبل أن يعاقب مدنيين اسرائيليين وأهدافا مدنية دون تعرض مدنيين لبنانيين للأذى .. ولذلك كان رده في حرب المدن بينه وبين اسرائيل في 2006 بضرب المدن الشمالية لأن اسرائيل استهدفت مدنييه ومدنه وقراه .. ومنذ ذلك الوقت حدث تفاهم غير مكتوب بينه وبين اسرائيل من خلال معادلة الضاحية بالضاحية والمطار بالمطار والمدني بالمدني .. وهذا سيحيد المدنيين في الطرفين في اية مواجهة .. وهنا يكمن ارتياح اسرائيل لعملياتها الاستخباراتية التي تفرض على الحزب منازلتها بالمثل من باب التزامه الفروسية والأخلاق العسكرية أولا التي يباهي بها .. كما أن حزب الله مضطر ولدواعي الثقة بالنفس أن يقدم ردا ليس في الخاصرة الرخوة للمدنيين الاسرائيليين بل في الخاصرة الصلبة وهي الجيش والعسكريين الاسرائيليين تحديدا .. ومن هنا لم تحس القيادة الاسرائيلية بالقلق من التوتر في الشمال لأن رد حزب الله لن يكون في المجال المدني .. فنصحت بعدم تجهيز الملاجئ .. ولكنها تحاول أن تستقرئ كيفية رد حزب الله على هدف عسكري اسرائيلي مماثل في القيمة المعنوية والرمزية .. وهي تعتقد أن امكانية الحزب على ذلك محدودة نسبيا بسبب انشغاله في جبهات قتال أخرى .. ولذلك انقلب حذرها القديم وقلقها الى ترقب دقيق دون مبالغة بالهلع .. وهي في هذه الحالة ستلتزم باللعبة الجديدة وتتجنب الحرب ولكنها ستسعّر حرب الاستخبارات ..

وعلى كل حال .. بغض النظر عن عملية الثأر لمجموعة مغنية فان في استشهاد المجموعة اللبنانية بغارة اسرائيلية على ارض سورية مايلفت النظر .. وهو أن الجولان اقترب كثيرا من مرحلة اللااستقرار والمقاومة بعد قرابة عام من الاعلان عن مشروع المقاومة الشعبية الذي أطلقه الرئيس الأسد وصار واضحا أنه كان في مرحلة اعداد طوال الأشهر الماضية وبدا أنه في طور النضوج الآن بدليل وصول خبراء المقاومة الشعبية من حزب الله وايران لمعاينة أولى مناطق الاحتكاك .. وأن على مستوطني الجولان أن يتهيؤوا لأيام قلقة متوترة باعتبارهم الآن في منطقة مشروع تحرير .. وأن سنوات العسل والاسترخاء قد انتهت لأن الجولان صار منطقة مواجهة مثله مثل جنوب لبنان قبل انسحاب اسرائيل .. واسرائيل هي براقش التي جنت على نفسها في الجولان عندما قررت اللعب بخطوط التوتر العالي في القنيطرة .. حيث ستتم تصفية النصرة كما تمت تصفية جيش لبنان الجنوبي ولن ينجو الجنود الاسرائيليون من هذه المواجهة الا بانسحاب يشبه انسحابهم في عام 2000 .. لأن أي تلكؤ في المشروع سيمنح اسرائيل فرصة الافلات من هذه المرحلة ..

وفي استشهاد المجموعة اللبنانية على حدود تلاقي مثلث سايكس بيكو بين لبنان وسورية وفلسطين أول ذوبان حقيقي لحدود سايكس بيكو رغم أنه قد تأخر كثيرا .. فرغم أن داعش والنصرة هما أول من ذوب حدود سايكس بيكو لرسم حدود خارطة الدم والطوائف الاميريكية الشهيرة .. فان أول عملية تذويب للحدود القديمة في الاتجاه الصحيح ولخطوط سايكس بيكو قد صنعها دم الشهيد اللبناني جهاد مغنية ورفاقه الذي استشهدوا في القنيطرة السورية على حدود فلسطين المحتلة .. وهي بقعة تلاقي حدود سورية ولبنان وفلسطين والاردن .. شظايا سايكس بيكو ..

ولو وقعت حادثة القنيطرة قبل حديث السيد حسن نصرالله الاخير لكان من الممكن الوقوع في الحيرة في تفسير اعتداء القنيطرة واعتبر غالبا على أنه استمرار لمسلسل المناوشات المتبادلة بين اسرائيل وحزب الله .. ولكن وقوعها بعد الحديث فانه لا يعني أنه اختبار لتصريحات السيد نصرالله أو احراج له وتحد علني يعبر عن ثقة بالنفس .. بل يعني بشكل ما أن اسرائيل وحزب الله قد انتقلا الآن الى مرحلة المواجهة المستقلة عن خطوط التوتر الدولية التي كانت مؤجلة وهي مواجهة بلغة مختلفة عن الحرب ريثما تنضج ظروف الحرب وتنفجر خطوط التوتر .. ولذلك يتردد الجميع في التنبؤ ان كان السيد حسن نصرالله سيطل قبل الثأر أو بعد الثأر .. أم انه سينتظر طويلا حتى يتمكن من أن يلقي خطاب الثأر الأكبر على سطح بيت في الجليل المحرر ليعلن أنه وقف الآن فوق بيت العنكبوت .. وداس على رأس سايكس وبيكو .. وعلى رؤوس الثوار العرب وقماماتهم ولحاهم الدموية ..

بانتظار تلك اللحظة القادمة .. لن يصمت الدم .. ولن يسكت الحبر .. ولن تسكت الشرايين في الأرض التي تنتظر تلك اللحظة القادمة من الشمال .. الشمال الذي صار اليوم واحدا لأول مرة منذ قسم الى شمالين .. سوري ولبناني ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز