الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ثقافة الحداثة ومعوقاتها

 

 كان وقت الفراغ قديما يعتبر من رفاهيات الحياة، حيث انها كانت مقتصرا على طبقة الاثرياء. وكان قليل جدا من الفقراء ممن يجدون هذا الوقت ليزيدهم بالمفيد بما ينمي شخصيتهم ويكبر ذهنهم ويخدم تطورهم.

اما في الوقت الحاضر فيستطيع الشاب العربي ان يختار الوسائل لملئ هذا الفراغ. فهناك مثلا المسرح وقاعة المحاضرات والسينما والمقهى والنادي، كما ان هناك المكتبة، وجميع هذه الوسائل تستحق الالتفات والعناية بشرط الا نسيئ في استعمالها بالادمان. او باختيار السخيف فيها دون الجليل. فليس شك في ان المسرح مفيد ولكن اذا استحال التمثيل تهريجا صاخبا تخرج فيه الوقائع عن المألوف، كما نرى مثلا في المبالغة في الناحية الغرامية والتحرش بالجنس الاخر. فإنه اي المسرح يعتبر مضيعة للوقت. ومفسدة للنفس. وكذلك القصص السينمائية قد تنحدر الى سخف لا قيمة له. وليس شك في الفائدة من المقهى والنادي، اذا كان الشاب يجعلهما وسيلة التعارف الى الصديق الراشد الذي ينتفع بحديثه. ولكن لا بد من الاعتدال هنا، لان الادمان في التردد على المقهى قد يجر الى الوقوع في الشراب وعندئذ يقع الشاب في عادة يشق عليه التخلص منها وقد يجر الى العاب الحظ التي تستهلك الوقت والمال عبثا.

ومع الاعتراف بقيمة هذه (الملاهي) في الترويج والامتاع يجب ان يخص كل شاب قسما من وقته للتثقيف ويجعل الثقافة عادته بل متعته، التي يمارسها كل يوم. بان تكون الجريدة والمجلة والكتاب في صحبته لا تفارقه، بل لها المكان المحترم في البيت.

 

هناك عوائق تنشأ احيانا من الشخصية واحيانا من البيئة الاجتماعية تجعل التثقيف شاقا اى بعيدا عن ان يصير عادة. فهناك مثلا الشخصية الانبساطية التي نعرفها في ذلك الشاب الذي يميل الى السمن وتكتل اللحم في الوجه المستدير وسائر الاعضاء. فان المزاج العام في هذا الشخص يميل به الى ايثار الاجتماع على الانفراد. ويجب على مثل هذا الشاب ان يعرف نفسه وان يكافح في يسر تلك الميول الانبساطية، بان ينفرد من وقت لآخر كي يتعود القراءة والدراسة. وبديهي انه ليس من الممكن ان يحيل المزاج الانبساطي الى مزاج انطوائي ولكن الشاب الذي يجد في نفسه ميلا الى الاجتماع وقضاء الوقت مع الاخوان يجب ان يذكر ان اعظم رجل مثقف في عصره وهو غوتيه اديب المانيا الاكبر كان انبساطيا يلتذ الاجتماع ولكنه عود نفسه الانفراد والدرس والثقافة

واخطر ما يقع فيه الانبساطي ان يصبح المقهى وحده ملجأ فراغه. يقضي فيه الساعات وهو يلعب مع رفيق آنبساطئ آخر احدى لعب الحظ في جد واجتهاد كأنه في قتل الوقت،  يؤدي رسالة لخدمة الانسانية.

 

اما الشخصية الانطوائية، فنعرفها في ذلك الشاب النحيف الذي يستطيل وجهه وهو يحب الوحدة وتسهل عليه القراءة. ولذلك اذا تركنا هذا الاختلاف بين المزاجين وجدنا عادات يتعودها الشبان،  تعوق تثقيفهم او تؤخره او تنقص من قيمته. فهناك ما يمكن ان نسميه (الترهل الذهني) كذلك الترهل الجسمي الذي يصيب بعض الشبان والكهول،  يسمنون ويستكرشون. فاذا ساروا في الشارع كانوا كأنهم مرضى لفرط بطئهم،  واذا قعدوا لم يحبوا ان ينهضوا الا بعد ساعات. تجد عضلاتهم مترهلة غير مشدودة واذهانهم منطفئة غير مشبوبة. وهذه الحالة في الجسم والذهن تؤدي في النهاية الى ترهل نفسي،  لان الشاب لسبب ما يفقد من الحياة توابلها، ويحس انها ماسخة وقد خلت من البواعث التي تبعث الشهوة وتحرك اليقظة، ينتهي الى الجمود. ليست له علاقة بالثقافة،  واحيانا يقف عند قراءة القيل والقال في المجلات الاسبوعية، او قراءة القصص البوليسية وهذا المرض ينتشر بين النساء والفتيات العربيات وقيمة هذه القراءة لا تزيد على تبديد  الوقت.

 

هناك جمود يصيب المتعلمين. كالطبيب والمهندس والمحامي الذين لا يدرسون الاداب او الفنون او التاريخ ولا يتطلعون الى ما يجري في العالم الحديث من تطورات في حياة الانسان لانه (متخصص).   فان تخصصه هنا لا يمنع من وصفه بانه جاهل وربما كان جهله اخطر من جهل الاميين. لان عند هؤلاء تواضعا، اما هو فيحمله تخصصه على كبرياء تؤذي المجتمع.

 

اننا جميعا نحتاج الى دراسة عامة لطائفة عديدة من العلوم والفنون كي نحس الفرع الذي تخصصنا فيه فالطبيب محتاج الى دراسة الاقتصاديات للعلاقة المتينة بين الفقر والمرض ومهندس الري بحاجة الى ان يعرف الانكلستوما والبلهارزيا التي تصيب الفلاحين. ورجل الدين يجب ان يدرس الاصول التي ينبني عليها المجتمع الحاضر كي يجعل الدين عمليا مفيدا للمجتمع يحثه على الدرس والمطالعة الحرة، وليس عائقا في تطوره الثقافي المنشود.

* من اعمال سلامة موسى







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز