سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
لا تلوموا صلاح الدين(1/2)

(الجزء الأول)

بقلم:سري سمّور

 

 صورة صلاح الدين الأيوبي هي صورة بطل مجاهد تمكن من استعادة مدينة القدس بعد حوالي 90 سنة من الاحتلال الصليبي، وانـتصر قبلها في معركة حطين الحاسمة، واستطاع توحيد البلدان الإسلامية  من ليبيا وصولا إلى اليمن و الحجاز، ومرورا بمصر  والشام والعراق.

وصلاح الدين بطل ذو سمت خاص، لأنه ربما الوحيد-خاصة في بلادنا- الذي صار بطلا شعبيا تتناقل بطولاته وأخبار صولاته وجولاته الأجيال، بعكس أبطال وقادة أفذاذ قبله أو بعده، ممن ظلت سيرتهم حبيسة الكتب والدراسات، أو ربما تخرج إلى العلن بمسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو وثائقي، وسرعان ما تتلاشى من الذاكرة الشعبية...لقد كان صلاح الدين وما زال بطلا يحظى بإجلال الكبار والصغار، والمتعلمين وغير المتعلمين، والمتدينين وغير المتدينين.

مكانة صلاح الدين الخاصة ارتبطت بمدينة القدس؛ خاصة وأن المدينة تعيش احتلالا قد يكون أسوأ في شراسته وإجرامه عن الاحتلال الذي خلصها منه صلاح الدين؛ حيث أن المسجد الأقصى كان اسطبلا لخيول الفرنجة، ولا تزال بعض حلقات ربط الخيول في المباني القديمة للمسجد شاهدة على الجريمة، واليوم يسعى الاحتلال الصهيوني لتحويل المسجد الأقصى-بعد هدمه- إلى معبد(هيكل) يهودي...فالأمة تنادي صلاح الدين بألم، وتحلم بصلاح جديد يعيد المسجد الأقصى ويخلصه من التهويد والاعتداءات...ولطالما اقترن اسم صلاح الدين بالخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- عند الحديث عن مدينة القدس حيث نـقول:فتحها عمر وحررها صلاح الدين،وهذه مرتبة عظيمة أخرى لقائد ومجاهد بينه وبين عمر بضعة قرون زمانيا، ولكن شرف تحرير القدس جمعهما.

 ولكن هذه الصورة صارت محل تشكيك، أو تقليل من قيمة الإنجاز لهذا القائد، وقد بت أحس بأن هناك موجة تجتاحنا عنوانها التشكيك والتقليل من شأن كل الشخصيات التي كان لها بصمات مميزة في تاريخ الأمة، ومواقف لا تنسى في المنعطفات التاريخية الحاسمة؛ وحملة التشكيك هذه تأخذ شكل البحث الموضوعي تارة، والقراءة العلمية للتاريخ تارة أخرى، وتأتينا عبر دراسة أو بحث أو مداخلة تلفزيونية أو تدوينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من هذا «الباحث» وذاك «الأكاديمي» وكأن ركوب هذه الموجة المشبوهة صار جواز السفر، للحصول على رتبة أو مدح الباحث العتيد، ونعته أو نعتها بصفة «المستنير/ة­» وكأن الاستنارة هي باتخاذ موقف مسبق وانتقاء مواقف وأحداث معينة، وبعضها مشكوك في صحته للخروج بما يقدمه «المستنير» الذي لا يشق له غبار على أنه نتيجة تزيل عن أعيننا الغشاوة!

وحتى لا يلتبس الأمر على أحد فإنني لا أقصد هنا الموقف الشيعي العام من صلاح الدين، فلهذا الموقف وضوحه وأبعاده، والتي لن يتقبلها جمهور الأمة إدراكا لخلفيتها المذهبية، وقد خرج من بين ظهراني الشيعة مفكر دونه ممن يحمل صفة المفكر طوابير طويلة، وهو علي شريعتي يمتدح صلاح الدين ويتمنى أنه موجود ليحرر القدس...إن من أقصدهم لا تحركهم نزعة مذهبية، ولكنهم باتوا يقذفون بأفكارهم التي صارت محل نـقاش يتفاعل بارتباك، ولا مانع من النقاش والتفاعل، بشرط اتباع المنطق السليم، وليس بهدف تقبيح كل ما هو جميل بدعوى ترك تـقديس الأشخاص، ومن قال أن محبة واحترام صلاح الدين تعني تقديسه وتنزيهه عن الخطأ؟ولكن هذا شيء والطعن في إنجازات الرجل والتهوين من شأنها، شيء آخر، وأن يعتب على الرجل بعد هذه القرون لأنه لم يقم بكذا وكذا، ويأتي هؤلاء وكأنهم قضاة على تاريخه، فتلك مهزلة كبيرة!

وبما أن الأمر يحتاج إلى دراسات مطولة وليس لمجرد مقالة، فقد أحببت وضع نـقاط وملاحظات عامة حول الشبهات المثارة، والتي قد يتساءل عنها حتى من كان نـقي السريرة، ويحب ويجل هذا القائد ولا يدري كيف يدافع عنه:-

1) روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- قال: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق؛ وهذا الحديث أحاجج به من لم يغز ولم يحدث نفسه «بأن يحدث نفسه» لا بغزو ولا دعوة إلى غزو، إذ يكفي أن صلاح الدين غزا وعاش في خيم المقاتلين، وانتصر في كثير من المعارك، وقضى على صهوات الجياد أوقاتا قد تفوق ما قضاه على سطح الأرض جالسا أو نائما حوالي 16 سنة...فبعد أن تحاكوا هامشا ضيقا من سيرة الرجل الجهادية يمكنكم نـقده.

2) كيف يلام صلاح الدين على عدم إصلاح نظام سياسي قام على التوريث والغلبة، بدل الشورى والبيعة، وهو لم يكن له دور في صياغته ولا صناعته، وليس له القدرة على تغييره؟ ولو حاول ذلك لأثار حتى المقربين منه، كما أن هناك ما يشغله وهو ميدان الحرب والجهاد عن مثل هذا الترف الفكري، والمطارحات السياسية.

3) كيف كانت أحوال الأمة؟ألم تكن ممزقة مشتتة، جزء منها يتعامل مع الفرنجة علنا وجهارا نهارا، وجزء آخر قابل بوجودهم يهادنهم ويوادعهم، والصراعات بين الحواضر والممالك على أشدها، ألم تكن هناك خلافة عباسية في بغداد، وخلافة فاطمية في القاهرة، وكان الخليفة العباسي ضعيفا منصرفا إلى ملذاته، ومثله الخليفة الفاطمي في مصر؟وكيف لصلاح الدين وحده أن يصلح كل هذا ويواجه الفرنجة ويسترجع البلاد المحتلة منهم، وهو قد مات وعمره حوالي 57 عاما (توفي في سنة 589هـ/1193م)، علما أنه أنجز كثيرا خاصة في مصر.

4) ألم يكن جزء من علماء الأمة أو ما يسمى حاليا بالنخبة الثقافية منشغلا ومكبا على مسائل جدلية لا علاقة لها بالأخطار الكبيرة التي تـتهدد الأمة وحاضرها ومستقبلها؟وكل فريق معجب برأيه وعلى استعداد للتمرد على السلطان الناصر صلاح الدين فيما لو خالفه أو أيد مخالفه؟....يتبع







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز