عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أطزازْ يا عرب أطزاز

أما آن أن يعرف "محيي الدين غريب" من أين بدأت "ثقافة الطظ"؟

 

اختلف اللغويون في الأصل الذي جاءت منه "طُز": فمنهم من فرعنَها فجعلها قبطيّة، ومنهم من عثمنَها فاعتبرها تركيّة، ولكنهم كادوا أن يُجمعوا على أن استعمالها الدارج يعني أنها تأتي للسخرية والازدراء والاستخفاف والتسفيه، وأنها تجيء أيضاً للتحدّي وعدم المبالاة.

وأمّا لساني فيعتبرها "طز"!

وأمّا قلمي فيذهب إلى أن  "طز" هي تركيّةً مخلّلةً !

فمن الخليل صدرت معانيها المبهدِلة!

 

كان الخليليّون في عهد العثمانيّين، من قبل الحرب العالمية الأولى، يستجلبون الملح بشقّ الأنفس من جبل أُصْدُم بجوار البحر الميت جنوباً، وكان لهم مودّات ومصاهراتٌ وتبادلات تجارية مع الأشقاء العرب من أهالي جنوب الأردن وبخاصة سكان الكرك والطَّفيلة ومعان والشوبك؛ فأنا شخصيّاً لي أم كركية، رحمها الله تعالى، وآل العوران الكرام من الطّفيلة أخوالٌ لعدد من أبناء عشيرتنا؛ وإنّك لَتصدُقُ سواء قلت عن هؤلاء: إنهم خلايلة مطفّلون، أو قلتَ عنهم: إنهم طفايلة مخلّلون؛ فقد جمعوها من الجهتيْن.

ونِعْم هذا الجمعُ تركيباً!

 وهنا تحضرني نكتة!

سأل أستاذ التربية الوطنية في أحد الصفوف الثانوية في عمّان، وكان في فورةٍ من غضبٍ إثْرَ مناظرةٍ تناكفيّةٍ بين طالبيْن خليليٍّ وطَفيليٍّ - سأل كأنما يتمنّى أن تبتلع الأرض كل من هو على شاكلتهما: لماذا خلق الله الخلايلة والطفايلة؟

فقام طالب من أصل عراقي وقال معتدّاً: خلق الله الخلايلة قطعَ غيارٍ للطفايلة!

وهنا اعترض طالب من أصل مصري فقال محتدّاً: لا، بل خلق الله الطفايلة قطعَ غيارٍ للخلايلة!

أجل، ليت الشعوب العربية عند زعمائها قطع غيار لبعضها البعض، بل إنها عندهم حطبٌ هم منه يوقدون لتدفئة شراشف تلك السوداء في البيت الأبيض، أو لتحمية شفايف تلك الشقراء في تل أبيب، وهنَّ ستٌّ عدداً!

فألفَ الفِ "طزٍّ" وطُزّاً !

ونعود إلى "طز"!

فكيف حوّلَ الخليليّون "طز" من التعبير عن المِلْح إلى التعبير عن الردْح والقدح؟

كان جُلَابُ الملح من جبل أُصدُم يحملونه في "الخُروج" على ظهور الحمير، وكانت دوريّات الأتراك الجمركية في محيط البحر الميت تفتش من تصادفه منهم بحثاً عن المهرّبات، ولكنها كانت تسمح لهم بالمرور بالملح دون مكوس. ونتيجة الظروف القاسية في الطريق بين أصدم والخليل، فقد صار الأتراك إذا ما صادفوا خليليّاً يسوق حماراً محمّلاً فإنهم يسألونه عن بُعد بعربيّةٍ مكسّرة: شو معاشْ (ماذا معك)؟

 فيجيب الخليلي لسائله التركي المنادي له: "طز عَليشْ" (مِلح عليك)!

فالخليلي كان يجيب التركي بذلك الجواب معرّضاً به بأنه حمار، وساخراً منه باستعمال لهجة مكشكشة. وكل إنسانٍ بِرطْن أمه معجب، وإن مغطتْه مغطاً وكسكستْه كَسكسةً.

وصار هؤلاءالتجار، والخليليّ نُكَتيٌّ بالطبع، ومنكَّتٌ عليه للطبع – صاروا يَستتْرِكون حتّى أبناء بلدهم، ممن يستخفّون ويستفقعون، هازئين بهم بالقول: طز عليك، أو طز فيك، أو حتى "طز" من غير توابع!

وانتشرت عبارة "طز عليك" وعبارة "طز فيك" من ألسنة الخلايلة، وهم الذين يوصفون بأنهم "مِلح فلسطين"،  إلى ألسنة مَن حولهم من العرب حتى إن العدوى بهذه "الطز" قد حطّتْ يوماً ما على لسان العقيد القذافي. ولست مستبعداً أنه قد قالها لنفسه في لحظاته الأخيرة إذ هوَ في طزطزاته الوداعيّة!

أجل، من حقّنا أن نقول: إن "طز" أداة استفقاع واستضراط وتحدّيات!

فإن كنتَ قد صدّقت بالرواية الخليلية في أمر "طز" فذلك خير، وإن لم تصدقْها فطُز طُزّين، حتّى لو طزَزْتَ طزّتين.

وإذا قيل في وصف شخص بأنه "طز" فذلك يعني أنه مستَرخَص مسترذَل ومستفقَع.

ويجمعون "طز" على أطزاز، وعلى "طزّات".

فهل آن للكاتب المحترم "محيي الدين غريب" أن يعرف من أين بدأت "ثقافة الطظ"؟

إنها ثقافة خليلية بامتياز.

أما سمعتم بقول شاعرنا:

نحن الخليليّين كمْ مِنْ مُعتَرَكْ .... نزلُط الخصمَ كزلطِ الشُّشْبَرَكْ؟

أجل، ففي لندن ربطْنا الخيل، وشربنا القهوة بالهيل.

فلا تقل "طز"، ولكن قلْ: وِاللّي آلْها الخليليّ! (والتي قالَها الخليليّ).

فهل تعرف ما هي التي قالها الخليليّ؟

قال: وِالسَّبَعْ تِنعامْ! (نِعْمَ ونِعِمّا سبعاً من المرّات)

وفي رواية أنه قال: وِالسَّبَعْ ضرطات!

وقد يأتي زمان يحسب البعض أنه قال: وِالسَّبَعْ طُزّات!

وأخيراً، لا بدَّ أن نغنّيَ للعرب منشدين:

 

أطزازْ يا عرب أطزاز!

 

قد كنتم رؤوساً،

 لكنّكم اليومَ أطياز أطياز.

*************

يوجد للكاتب المحترم "محيي الدين غريب" هنا في عرب تايمز مقال بتاريخ 8-1-2015 بعنوان: ثقافة الطظ.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز