هشام طاهر
godsprophetsbook@gmail.com
Blog Contributor since:
13 July 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
نيرون والمسيح الدجال الجزء الثانى

 

وارتاع مجلس الشيوخ من هذه المظاهر أكثر مما ارتاع من كل ما يدور من اللغط عما يحدث في القصر من فجور ومن علاقات جنسية شاذة، وأجاب نيرون عن مخاوف الشيوخ بقوله إن العادة التي كان يجري عليها اليونان وهي قصر المباريات الرياضية والفنية على طبقة المواطنين كان أفضل مما اعتاده الرومان وهو تركها للأرقاء؛ وأن من الواجب أن لا تُتخذ المباريات صورة قتل المجرمين قتلاً بطيئاً؛ وأعلن الشاب المجرم أنه لن يسمح ما دام حياً بأن يستمر القتال في المجتلد حتى يموت المجتلدون. وأراد أن يعيد التقاليد اليونانية إلى سابق عهدها، وأن يمجد أعماله هو في المباريات العامة، فأقنع بعض الشيوخ أن يشتركوا فيها-أو لعله أرغمهم على هذا الاشتراك-ممثلين، وموسيقين، ورياضيين، ومصارعين وسائقي عربات. وأظهر بعض الأشراف أمثال ثراسي بيتس فورهم من هذه الأساليب، فكانوا يتعمدون الغياب من مجلس الشيوخ كلما جاء نيرون ليخطب فيهِ، وندد به بعضهم مثل هلفيديوس برسكس تنديداً عنيفاً في المنتديات الأرستقراطية التي أضحت الملجأ الوحيد لحرية الرأي؛ وأخذ الفلاسفة الرواقيون في رومة يتحدثون جهرة عن هذا الأبيقوري الخبيث الجالس على العرش. ودُبرت المؤامرات لخلعهِ، ولكن عيونه كشفوا أمرها، فكان جوابه كجواب أسلافه، وهو التورط في عهد الإرهاب الشديد، فأعيد قانون الخيانة،  ووجهت التهم إلى كل من كان موتهم مرغوباً فيهِ من الناحية الثقافية أو المالية بسبب مقاومتهم أو ثرائهم. ذلك أن نيرون قد أفقر خزانة، كالجيولا من قبله بإسرافه وهباته وألعابه، وجهر بهزمه على مصادرة جميع ضياع المواطنين الذين لا يوصون للإمبراطور بعد وفاته إلا بمبالغ قليلة، ثم جرد كثيراً من الهياكل من نذورها، وصهر ما كان فيها من تماثيل ذهبية وفضية؛ ولما أن احتج سنكا على هذه الأعمال وانتقد سلوكه وسعره-وكان غضب الإمبراطور على شعره أشد من غضبه على نقد سلوكه-أقاله نيرون من منصبه في البلاط وقضى الفيلسوف الشيخ الثلاث السنين الباقية من حياته في عزلة عن العالم في بيته، وكان يوروس قد مات قبل إقالة سنكا ببضعة أشهر.

وأحاط نيرون بعدئذ نفسه بطائفة جديدة من القرناء، معظمهم من قرناء السوء ذوي الغلظة والفظاظة، فأصبح تجلينس، رئيس شرطة المدينة، مستشاره الأول، ويسر للزعيم كل سبيل الملذات. وفي عام 62 طلق نيرون أكتافيا بحجة أنها عقيم، ولم تمض على طلاقها اثنا عشر يوماً حتى تزوج بوبيا؛ واحتج الشعب على هذا العمل احتجاجاً صامتاً بتحطيم التماثيل التي أقامها نيرون لبوبيا وتتويج ثماثيل أكتافيا بالزهور. وغضبت بوبيا من ذلك العمل وأقنعت حبيبها أن أكتافيا تعتزم الزواج مرة أخرى، وأن مؤامرة تُدبر لخلعهِ وإحلال زوج أكتافيا الجديد مله. وإذا كان لنا أن نصدق ما يقوله تاستس فإن نيرون دعا أنسيتس قاتل أجربينا وطلب إليه أن يعترف بأنه ارتكب الفحشاء مع أكتافيا، ويتهمها بأنها شريكة في مؤامرة لاغتيال الزعيم. ومثل أنسيتس الدور الذي أمر بتمثيله، ونُفي إلى سردينية حيث قضى بقية حياته ينعم بالثروة والراحة؛ أما أكتافيا فقد نفيت إلى بندتيريا ولكنها لم يكد يمضي على مجيئها إليها إلا بضعة أيام حتى أقبل عليها وكلاء الإمبراطور يريدون اغتيالها. ولم تكد وقتئذ قد جاوزت الثانية والعشرين من عمرها، ولم تكن تعتقد أن الحياة يليق أن تُختتم هذه الخاتمة العاجلة، وبخاصة إذا كانت فتاة مثلها لم ترتكب قط ذنباً. وودافعت عن نفسها أمام قاتليها وقالت لهم إنها لم تعد إلا أخت نيرون، وإنها عاجزة عن الإساءة إليه، ولكنهم قطعوا رأسها وجاءوا بهِ إلى بوبيا يطلبون إليها مكافأتهم على عملهم هذا. ولما أبلغ الشيوخ أن أكتافيا قد توفيت شكروا الآلهة مرة أخرى أن قد حفظوا الإمبراطور وأنجوه من السوء

وكان نيرون وقتئذ إلهاً من تلك الآلهة. ذلك أن أحد القناصل المنتخبين اقترح بعد موت اجربينا أن يقام هيكل "لنيرون المألَّه". ولما أن ولدت له بوبيا في عام 63 ابنة توفيت بعد مولدها بقليل أعلن المجلس ربوبية هذه الطفلة، ولما أقبل تريداتس ليتلقى من نيرون تاج أرمينية خر راكعاً أمام الإمبراطور وعبده بوصفه الإِله متراس  ولما أن شاد نيرون بيته الذهبي أقام أمامه تمثالاً ضخماً ارتفاعه مائة قدماً، وفي أعلاه رأس شبيه برأسه، تحيط به هالة من أشعة شمسية دلالة على أنه فيبس أيلو هذا ما كان يتصوره أمام حقيقته فإنه وهو في الخامسة والعشرين من عمره كان إنساناً فاسداً، منتفخ البطن، رفيع الأطراف، ضعيفها، ضخم الوجه، مجعد الجلد، أصفر الشعر ملتويهِ، عسلي العينين كلتيهما كان وهو كما يزعم إله وفنان، يضايقه ما في القصور التي ورثها من عيوب، ولذلك صمم بناء قصر جديد لنفسه. ولكن تل البلاتين كان مزدحماً بالقصوروكان في أسفله المضمار الأكبر من ناحية، والسوق الكبرى من ناحية أخرى،والأكواخ القذرة الحقيرة من بقية النواحي، وكان يحزنه أن يرى رومة قد نشأت على غير نظام موضوع، بدل أن تخطط تخطيطاً علمياً كالإسكندرية وأنطاكية، ولذلك كان يحلم بأن يعيد بناءها من جديد، وأن يكون هو منشئها الثاني، وأن يسميها نيروبوليس (مدينة نيرون).

حريق روما

وحدث في اليوم الثامن عشر من شهر أيلول 64 أن شبت النار في المضمار الأكبر، وانتشرت سريعاً، وظلت مشتعلة تسعة أيام حتى التهمت ثلثي المدينة, وكان نيرون غائباً في أنتيوم حين شبت النار، فلما وصله النبأ أسرع بالعودة إلى رومة فبلغها في الوقت الذي استطاع فيه أن يرى القصور القائمة على تل البلاتين تلتهمها النيران. وكان البناء المعروف بالدومس ترنستوريا (بيت المرور) الذي أقامه منذ زمن قريب ليربط به قصره بحديقة ماسيناس، وكان هذا البناء من أوائل ما تتهدم من الأبنية(معبد دينى تحت الانشاء). ونجت أبنية السوق والكبتول من الحريق كما نجت أيضاً الأحياء الواقعة في شرقي نهر التيبر.

أما سائر أجزاء المدينة، فقد دُمر فيها ما لا يُحصى من البيوت والهياكل والمخطوطات النفيسة والتحف الفنية. وهلك آلاف من السكان بين أنقاض المباني المتهدمة في الشوارع المزدحمة، وهام مئآت الآلاف على وجوههم في الطرقات أثناء الليل لا يجدون لهم مأوى يبيتون فيهِ وقد ذهب الرعب بعقولهم، وهم يستمعون إلى الشائعات القائلة بأن نيرون هو الذي أمر بإشعال النار في المدينة، وأنه ينشر المواد الحارقة فيها ليجدد ما خبا منها، وبأنه يرقبها من برج ماسيناس وهو ينشد على نغمة القيثارة ما كتبه من الشعر عن نهب طروادة . وقد قام بحهود كبيرة في قيادة المحاولات التي بذلت لحصر النيران أو التغلب عليها، وإغائة المنكوبين، وأمر بأن تُفتح جميع أبواب المباني العامة والحدائق الإمبراطورية ليلجأ إليها المعدمون، وأقام مدينة من الخيام في ميدان المريخ، وأمر بالاستيلاء على الطعام من الإقليم المجاور للمدينة، ووضع الخطط الكفيلة بإطعام الأهلين. وصبر على ما ووجه إليه الشعب الهائج الحانق من تهم وطعون. ويقول تاستس (وهو الرجل الذي يجب ألا ننسى قط تحيزه لأعضاء مجلس الشيوخ) إنه أخذ يتلفت حوله ليجد من يستطيع أن يلقي عليه التهمة حتى وحده في طائفة من الناس يحقد عليهم الشعب لأعمالهم الخبيثة، ويسمون غالباً بالكرستياني (المسيحيين). والاسم مشتق من كرستس وهو اسم رجل عذبه بنتيوس بيلات المشرف على الشؤون المالية في بلاد اليهود في عهد تيبيريوس. وكان ما حل به من العذاب ضربة شديدة وجهت إلى الشيعة التي أوجدها هذا الرجل، وبفضل هذه الضربة وقف نمو هذه الخرافات الخطيرة إلى حين، ولكنها لم تلبث أن عادت إلى نشاطها وانتشرت انتشاراً سريعاً قوياً في بلاد اليهود...وفي مدينة رومة نفسها، وهي مستودع الأقذار العام الذي ينساب إليه كل ما هو دنئ ممقوت انسياب السيل المنحدر من أقطار العالم. ولجأ نيرون إلى أساليبه المعهود في الحيل، فعثر على جماعة من الفخار والسفلة الأراذل، وأغراهم بمختلف الوسائل على أن يعترفوا بأنهم هم مرتكبو الجريمة النكراء؛ وبناء على اعتراف أولئك السفلة أدين عدد من المسيحيين، ولم يصدر الحكم عليهم على أدلة واضحة تثبت أنهم هم الذين أشعلوا النار في المدينة، بل أدينوا لأنهم يكرهون الجنس البشري كله. واستخدمت في إعدامهم أفانين من القسوة المتناهية، ولم يكتف نيرون بتعذيبهم بل أضاف إلى هذا التعذيب السخرية منهم والازدراء بهم، فألبس بعضهم جلود الوحوش وتركوا تلتهمهم الكلاب، وسمر غيرهم في الصلبان، ودفن الكثيرون منهم أحياء، ودهنت أجسام البعض الآخر بالمواد الملتهبة وأشعلت فيها النيران، ولتكون مشاعل في الليل...وفي آخر الأمر أفعمت هذه الوحشية قلوب الناس جميعاً رأفة ورحمة، ورقت هذه القلوب أسى على المسيحيين،  ولما أزيلت الأنقاض أخذ نيرون يعيد بناء المدينة كما صورتها له أحلامه والغبطة بادية في أسارير وجهه. وطلب إلى كل مدينة في الإمبراطورية أن تقدم معونتها لها الغرض، أو أرغمت على تقديم هذه المعونة، واستطاع الذين دمرت بيوتهم أن يبينوا لهم بيوتاً جديدة بعد أن أمدهم بالمال المتجمع من هذه المعونة.وشقت الشوارع الجديدة مستقيمة متسعة، وشيدت واجهات المنازل الجديدة وطبقاتها الأولى من الحجارة، وجعلت بينها وبين غيرها من المباني المجاورة لها فواصل تمنع انتشار النار من بناء إلى خر. وشقت تحت الأرض مجار تنساب فيهامياه العيون السفلى إلى خزان يحتفظ فيه بالماء ليُستعان به على إطفاء النار في المستقبل. وشاد نيرون من أموال الخزانة الإمبراطورية عقوداً ذات عمد على جانبي الشوارع الرئيسية في المدينة، لتكون مداخل مسقوفة ظليلة لآلاف من البيوت. وأسف المولعون بالقديم، كما أسف الشيوخ المسنون، على ما كان في المدينة القديمة من مناظر جميلة خلع عليها الدهر هالة من الرواء والتقديس ، ولكنهم لم يلبثو أن أجمعوا على أن رومة جديدة قد خرجت من بين اللهب أصح وآمن وأجمل من رومة القديمة.

لو أن نيرون أعاد تنظيم حياته كما أعاد تنظيم عاصمته لغفر له الناس جرائمه، ولكن بوبيا ماتت في عام 65 في الأيام الأخيرة من حملها، ويقال إنها ماتت من ركلة في بطنها. وراجت بين الناس شائعة فحواها أن هذه الركلة كانت عقاباً لها على عودتها متأخرة من السباق وخزن نيرون حزناً شديداً على موتها، لأنه كان ينتظر على أحر من الجمر وجود وارث له من صلبهِ، وأمر أن تحنط جثتها بالأفاوية النادرة وتدفن بموكب مهيب وأبنها بنفسه. ثم عثر على شاب يدعى أسبورس عظيم الشبه ببوبيا، فأمر بخصيه، وتزوجه في احتفال رسمي و "استعمله في كل شيء كما تستعمل النساء"، وقال في ذلك أحد المتفكهين إنه يتمنى لو أن والد نيرون قد عثر على مثل هذه الزوجة، وشرع في السنةنفسها يشيد بيته الذهبي، وكان إسرافه في زينته، كما كانت تكاليفه الباهظة ومساحته الواسعة-فقد أقيم على رقعة من الأرض كانت تشغلها من قبل آلاف من بيوت الفقراء-كان هذا كله سبباً في إثارة سخط الأشراف عليه وارتياب العامة فيه من جديد

وأقبل جواسيس نيرون فجاءة يبلغونه نبأ مؤامرة واسعة النطاق تهدف إلى إجلاس كلبيرنيوس بيزو على العرش؛ وقبض صنائعه على عدد من الشخصيات غير الكبيرة متهمين بتدبير المؤامرة، وانتزعوا منهم التهديد تارة وبالتعذيب تارة أخرى اعترافات تدين، بين من تدين من الشخصيات المعروفة، الشاعر لوكان والفيلسوف سنكا تكشف الخطة التي كان يرمي إليها الإمبراطور وأعوانه شيئاً فشيئاً. وبلغ انتقام نيرون درجة من الوحشية لم يسع رومة معها إلا أن تصدق ما شاع وقتئذ من أنه أقسم ليبيدن طبقة الشيوخ عن آخرها. ولما تلقى سنكا الأمر بأن يقتل نفسه شرع يجادل ساعة من الزمن ثم أطاع، وقطع بعض أوردته ومات.

وللحديث باقية

http://godsprophets.org/







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز