عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
فتح فاتحة سورة

قريب موعد القارعة وقريباً تكون القيامة

 

  قد جاء في الذكر المبين قول الله سبحانه وتعالى:

{قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}{بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}{بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ}(سورة ق 1-5).

 من الواضح أن الواو في "والقرآنِ المجيدِ" هي واوٌ للقسَم. ولكنْ علاوةً على كونها واواً للقسَم، فإنها يمكن أن تكون أيضاً للعطف في آن واحد، أي واو عطف وقسم. أجل، هناك احتمالان لوضع الواو في "والقرآن المجيد":

1-       أنها جاءت للقسم.

2-       أو أنها جاءت للعطف والقسم معاً. والقسمَ على القسَم يكون معطوفاً.

وبناء على هذا التمهيد، فإننا سنناقش تقدير القاف في "ق" في ضوء كل من الاحتمالين؛ والقرآنُ حمّالُ أوْجُهٍ.

أولاً – تقدير القاف "ق" حسب اعتبار أن الواو في "والقرآن المجيد" هي واوٌ للقسَم.

القسَم هو أسلوب تأكيد، به يُشعر المتحدثُ مُخاطَبَه بتأكّده من موضوع الخطاب، أي إن القسم هو في غايته طريق للتوثيق من أجل التصديق، وهو كذلك لفت انتباهٍ، واستجلاب وعْيٍ، إلى أن الأمر الذي يدور عنه الكلام جدير بالاهتمام وحقيق بالاحترام.  حسناً، يأتي القسم في العادة تالياً لإخبارٍ في سياق الكلام للتركيز على الأمر المُقسَم عليه، والطمأنة به.

 وفي أوائل سورة "ق" نجد أن القسم قد جاء في سياق التأكيد على حقّيّة يوم القيامة في خضم جدلِ التكذيبِ به من جهة الكافرين بالبعث، أي هو قسم في تأكيد حقّيّة يوم القيامة، وهو في الوقت نفسه واردٌ في تأكيد بطلان عقيدة منكريه، ونقضها من خلال تبيين أن الصحة هي حقّاً من نصيب نقيضها. فما هو الأمر الذي يكشفه سياق أوائل سورة "ق"؟

يكشف السياق أن هناك تكذيباً بإنذار، فأي إنذارٍ هو هذا؟ إنه الإنذار بيوم القيامة، وتحديداً بكونه يوماً قريباً؛ إذ إن تكذيبهم بالإنذار هو في استبعادهم لمجيء يوم الدين؛ فقد قالوا عنه: "ذلك رجعٌ بعيدٌ"، فالرد عليهم يكون إذاً بإظهار بطلان استبعادهم له؛ وذلك من خلال التأكيد على أنه رجع قريب، أي إن الرد على استبعادهم ليوم القيامة هو في ذكر ما يخالف ذلك، أي هو بذكر استقرابه والتأكيد على ذلك القرب: "فاصبر صيبراً جميلاً. إنهم يرونه بعيداً. ونراه قريباً" (المعارج 5-7). والاستقراب بداهةً هو نقيض الاستبعاد، والممكن هو نقيض غير الممكن.

وهكذا، فإن سياق أوائل سورة "ق" وما فيها من قرائن، تقودنا إلى أن القسَم هو لتأكيد بطلان استبعاد الكافرين ليوم القيامة، أي إنه قسم للتأكيد أن الرجع الذي استبعدوه هو حقّاً رجع قريب، وأنه ممكن ما دام راجعاً إلى قدرة الله تعالى.

 واتكاءً على جميع ما سبق، فإن القسَم "والقرآنِ المجيدِ" قد جاء في بيانِ أن الرجع ليس بعيداً، وإنما هو يقيناً رجعٌ قريب. فالشأنُ في الحديث، فمدارُ الحديث، هو في تأكيد أن ذلك الرجع هو رجع قريب، أي إن القسَم يكون قد جاء بعد الإخبار أن ذلك الرجع الذي استبعدوه هو يقيناً وبالتأكيد "رجعٌ قريب".  

أجل، مما سبق يمكن أن نعتبر إن القاف في "ق والقرآنِ المجيدِ" هي اختصار لكلمة "قريب". ويكون التقدير، تفسيراً لا تلاوةً، هو على هذا النحو: "قريبٌ". والقرآنِ المجيدِ". وكما سلف فإن السياق والقرائن في أوائل السورة تظهر أن "الشأن موضوع الحديث ومداره" هو أمر "الرجع":

{بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}.

 وهكذا يكون التقدير للقاف قد جاء مقترناً بتقدير ضمير الشأن سبقاً لها أي إن التقدير الكامل هو هكذا: إنه، أي الرجع، (("قريبٌ" والقرآنِ المجيدِ)).

ولا ريْب أن الإنذار المعهود في حياة العرب الغزويّة يكون من أجل الإظهار أن هناك أمراً خطيراً قد أصبح قريباً؛ فالمنذر لقومه يَقدُم إليهم على وجه السرعة منبئاً لهم، بأقلِّ الكلام وأوْجزِه، أن عدوهم قد اقترب من دارهم، وأنه عمّا قريب سيصلهم.

ولا ريْب أيضاً أن الرسول، عليه السلام، قد جاء منذراً باقتراب الساعة، وأن الرجع ببعث الأموات قريب.

 

وقد جاء في ختام سورة "ق" المباركة:

{وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}{يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ}{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ}{يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}

فما هو ذلك الوعيد؟

إنه الإنذار بأن الرجع قريب.

وهو ما أقسم الله تعالى عليه في أول السورة بالقرآن المجيد، بالقرآن ذي الذكر.

وإنه التذكير بأن "القيامة" قريبٌ إقبالها، وأن "القارعة" رهيبٌ زلزالها.

وقريباً سيذوقون العذاب بما كذّبوا الرسول، وقريباً سيصْلوْن النارَ بما كذّبوا بالقيامة.

فهل القريبُ منك بعيد؟

وإلى الجزء الثاني قريباً إن شاء الله تعالى.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز