نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
بياخة السيد الوزير

كنت قد طلبت سابقاً، وفي أحد “البوستات” وفي معرض السخرية من بعض المسؤولين، أن يتم طرح السؤال التالي على المسؤول قبل تقلـّده أي منصب عام، وهو التالي: “متى كانت آخر مرة قابلت، أو اجتمعت فيها بمواطن سوري عادي وفقير؟” وفي سؤال امتحاني واستبياني آخر طلبت ما يلي: “عدّد أسماء خمسة مواطنين سوريين فقراء تعرفهم ومتى كانت آخر مرة رأيتهم، أو تكلمت مع أحد منهم”، لكن السؤال الأكثر إيلاماً كان بالنسبة لبعض المعينين كمحافظين: “عدّد لنا أسماء ثلاثة قرى، أو شوارع تعرفها في المدينة التي تمّ تعيينك كمحافظ لها”

 وبالرغم من الغرابة، ودرجة السخرية العالية في هذا الامتحان الصعب ففيه الكثير من الصدق والواقعية التي تعكس واقع الحال، ما بين المواطن والمسؤول، وطبيعة وهوية من يسمـون كـ”مسؤولين” ، ومن هنا فقط يمكن فهم، وقراءة تصريحات السيد وزير المالية، حول دعوة المواطن للتقشف. وعلى الرغم من كل تلك التصريحات وردود الأفعال التهكمية والساخرة والناقدة المستهجنة أحياناً لدعوة السيد وزير المالية الشعب السويسري للتقشف، والامتناع عن الكماليات، فإنني بكل صدق، أجد أعذاراً شتى لسيادة الوزير الذي أطلق تصريحه ذاك، فهو لا يعلم بأن معظم الشعب السويسري متقشف بالفطرة، و”خلقة الله”، ومن زمن طويل، لدرجة أن صار يولد الطفل السويسري ويولد التقشف معه

 غير أن الأخطر في تصريحات السيد الوزير هي إماطة اللثام عن مدى انفصال، أو انفصام المسؤول عن محيطه ومجتمعه وعن المواطن الموكل إليه أمر تلبية احتياجاته وخدمته، وهو نمط سلوكي ساد في سويسرا منذ فترة غير قليلة. فكلّ هم المسؤول هو إرضاء من أتوا به لموقعه، ومن هم أعلى منه، وليس من هم أدنى منه، وحالما يحوز على رضا من هم أعلى منه، فلا يعد لمن هم أدنى منه أية أهمية أو قيمة لديه. وتكشف، وتصبّ تصريحات مماثلة وكثيرة، لمسؤولين آخرين مدى انفصال المسؤولين الجماعي والعام عن محيطهم وواقعهم، والأمثلة أكثر من الهم على القلب، لاسيما فيما يتعلق بالجانب المعيشي والخدمي للمواطن، في الوقت الذي يتمتع فيه المسؤول بمزايا خرافية يحسده عليها سلطان بروناي الشقيقة وامبراطور اليابان. وكان حرياً بالسيد الوزير الذي أطلق تصريحه المثير أن يوجهه، والحال، لزملائه المسؤولين الذين يعيشون في بروج عاجية، ويصرفون ببذخ غير مقبول، ودعوتهم للتقشف في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها سويسرا، وأمم الأرض تتكالب عليها جميعاً

 وليس من قبيل الصدفة أن يمرر لي أحد الأصدقاء الفيسبوكيين، “بوستا” يقول فيه بالحرف، وهو أي البوست، وليس صديقي، موجود على صفحتي الزرقاء، بأن: ” أخبرتني….أنثى مسؤول رفضت ذكر اسمه أن تكلفة وجبة الإفطار التي طلبها زوجها في الشاطئ الأزرث (تبع سويسرا) بلغت بالفرنك السويسري ما يعادل 20000 ليرة سورية”..(أ.ك). طبعاً هذا الرقم، وبالمعايير السويسرية، رقم فلكي للمواطن العادي البسيط، ويمكن أن يشكل راتب شهر كامل لموظف كان “محترماً” لا يجد هذا المسؤول، وغيره، غضاضة في سفحه-أي المبلغ- في وجبة واحدة، رغم أن بعض المواطنين الآخرين قد يجد صعوبة في تأمين ثمن خبز يومه

قصص بذخ، وصرف، وإسراف المسؤول العام، وتراكم أموال طائلة بحوزته، وتمتعه بشتى أنواع الكماليات، باتت من تقاليد العمل العام في سويسرا، ومن مظاهر الإثراء الفاحش لبعض موظفي الدولة، ممن قد لا يستحوذون على مؤهلات علمية أو إنجازات مهنية معتبرة، وكانت حديث الشارع السويسري، لاسيما في بعض الوزارات والدوائر “الدسمة” التي تدرّ على أصحابها الملايين، شهرياً، وهناك قصص لأناس كانوا أقل من عاديين، وبمؤهلات متواضعة، لكن ارتقوا صاروخياً، مالياً ومجتمعياً، وصاروا نجوماً فقط لأنهم وجدوا وظيفة في تلكم الدوائر، والمؤسسات الحكومية، ليصبحوا خلال سنوات، وربما أشهر من منافسي الوليد بن طلال، وبيل غيتس، ولتتربع أسماؤهم البراقعة على صفحات فوربس، وغيرها من المجلات التي تطارد الأثرياء والمشاهير الـCelebrities. ومن هنا درجت العادة أن يدفع طالب الوظيفة، أحياناً، الملايين، كرشوة، أو عربون، لمن يستطيع أن يؤمـّن له “وظيفة” أو “عملاً” في هذه الدائرة أو تلك، وصارت الوظيفة العامة في هذه الأماكن، أهم بكثير من أن يكون الإنسان مهندساً بارعاً، أو جراحاً ناجحاً، وأستاذ جامعة مبدعاً وعبقرياً، وحتى رجل أعمال شهيراً وحرفياً ماهراً

في تصريحات السيد الوزير، نحن، حقيقة، أمام احتمالين لا ثالث لهما، وهو إما أن السيد الوزير لا يعرف شيئاً عن واقعه أو محيطه، وهو الأقرب للواقع والمنطق، وإلا لما أطلق تلك التصريحات، أو أنه كان يعرف كل ذلك، وهو كان يتظارف ويخفف دماً وأراد استفزازنا، ومداعبتنا، وحسب، ولكن بعد أن فقدنا أي قدرة على تقبل المزاح، أو الضحك. ملاحظة هامة: هذه الحادثة والبياخة الوزارية حدثت في سويسرا وربما في السويد وفي حال تشابهها مع أية حادثة وقعت في بلاد الأعراب فذلك من محض التصادف الغريب وخوارق الطبيعة، لذا اقتضى التنويه







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز