سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
عتيق التيمي...حدس القائد وذكاؤه(2/2)

-الجزء الثاني-
 
بل إن خميرة القيادة-بالمعنى الذي ذكرناه- موجودة عند أبي بكر قبل الإسلام، فقد استأمنه القوم في موضوع الديات، وهو أمر له أهميته وحساسيته في تلك الأزمنة والمجتمعات، فكان خير من احتمله، وهو لم يشرب الخمر في الجاهلية أو الإسلام، لأنه يريد أن يصون عرضه ومروءته كما أوضح حينما سئل عن ذلك، وبعد اعتناقه الإسلام تصرف كقائد بمعنى أنه مسئول بكل ما يستطيع عن حماية الإسلام ونجاح دعوته، والعمل مع النبي لإبلاغ رسالته.

وعلى ضوء هذا المعنى للقيادة رهن أبو بكر كل حياته وما يملك للدعوة؛ فتراه لا يسير أي خطوة إلا والحرص على الدعوة تصبغ هذه الخطوة، وحينما اعتدى عليه المشركون خاصة عتبة وأغمي عليه من شدة الضرب، كان أول سؤاله حينما بدأ يفيق:ما فعل رسول الله؟ ولم يهدأ له بال حتى حمل إلى صاحبه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ومع أن معه عذره، ولكنه تصرف بما يستشعره من مسئولية وليس بما يكابده من ألم، أو ما قد يعذره الله ورسوله فيه وهو في تلك الحالة الصعبة.

أما ماله فكان كله لهذه الدعوة، ولم يلتفت وهو ينفقه لشراء العبيد المستضعفين وإعتاقهم إلى نصيحة والده، الذي كان يريده، وإن كان لا بد منفقا أمواله أن ينفقه على رجال قد ينفعونه وليس على مستضعفين لا حول لهم ولا قوة، وحينما جاء وقت الهجرة لم يترك لأسرته شيئا من المال.

أما الأولاد والبنات وسائر الأسرة فعلاقته بهم كانت وفق سيرهم مع هذه الدعوة، ولهذا لم يتردد في أن يبحث عن ابنه عبد الرحمن الذي كان ما زال على الشرك يوم بدر ليبارزه فيكون قاتلا أو مقتولا...كل شيء في حياته هو للدعوة، وكل سلوك يسلكه ينسجم مع هذه الدعوة وتلك هي ما يسميه بعض خبراء التنمية البشرية بممارسة القيادة بمبادرة ذاتية.

ومن معالم القيادة عند أبي بكر الحدس والذكاء؛ فربما يغيب عن بعض الناس أن أبا بكر كان من نسابة العرب المرموقين، وكان يعرف بحكم سفره للتجارة كثيرا عن أحوال البلاد والعباد، وربما من يعرف أنه كان نسابة يظن أن الصفة تقتصر على نسبة الشخص للآباء والأجداد والعشيرة، ولا يعرف أنها تعني أيضا معرفة الخصال والطباع والأحوال.

من هنا كان حدسه ومعرفته أين يمكن أن تسير الأمور؛ والتصرف بذكاء بناء على هذه المعرفة  ساعد في استمرارية نجاح الدعوة وانتشارها؛ فحينما توفي النبي-صلى الله عليه وسلم- أدرك بحدسه أن هناك من سيجزع وهناك اضطراب سيحصل، وتصرف بمسئولية القائد الحريص على استمرارية الدعوة، ولم يكن بأقل حزنا من غيره على صاحبه، ولكنه تحرك بدافع العقل لا دافع الحزن، مثلما فعل غيره، ولهذا طلب من عمر أن يهدأ وقال مقولته المعروفة:من كان يعبد محمدا-صلى الله عليه وسلم- فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت...فهو أدرك أن الدعوة الآن دخلت مرحلة جديدة ويجب الانتقال إلى المرحلة الأخرى والعمل على الحفاظ على اتزان الأهل والصحب.

وبحدسه أدرك أن مسألة خلافة النبي باتت مطروحة، وأن الأنصار المجتمعين في سقيفة بني ساعدة الخزرجية، يجب أن يؤخذوا باللين والحكمة الممزوجة بإشعارهم بالمحبة والود، لا الاستعلاء والغلبة من معشر المهاجرين، ذلك أنه يدرك أن الخلافة لا تصلح أن تكون في الأنصار لأنهم حيان بينهما دماء عمل الإسلام على تخفيف أحزانها وتبعاتها، ولكنها ستخرج من تحت الرماد لو تولى الخلافة خزرجي أو أوسي، فتكون الدعوة التي يسعى لنشرها في أرض الله الواسعة في خطر، فحينما يهتز المركز تضطرب الأطراف، وفي ذات الوقت لا ينبغي إغضاب الأنصار وهم أصحاب المكانة الرفيعة والفضل الكبير، ونجح في إحداث هذا التوازن، ووأد ما كان يمكن للشيطان أن ينجح فيه من حياكة فتنة كانت ستعصف بأمة ودولة وليدة، وما كان له مطمع شخصي، فمن رهن حياته وقدم المال والأهل في سبيل هذه الدعوة، لا يطمع إلا بما ينفع الدعوة، وما كان في سيرته حينما صار خليفة أي شك بأنه رجل لا تساوي الدنيا عنده درهما ولا أقل من ذلك...فعالج الأمر بعدما دله حدسه على ما قد يحصل من عواقب بذكاء لا تخطئه الأبصار.

والحدس والذكاء يتجليان في أمرين وقت خلافة أبي بكر في أبرز حدثين في زمانه؛ وهما تسيير جيش أسامة بن زيد، وحروب الردة؛ فأما تسيير الجيش إلى حرب الروم في الشام وهو جيش قد تم تجهيزه والنبي-صلى الله عليه وآله وسلم- حيّ، واستجد في الأمر ما كان من الردة وتحركات مدعي النبوة أمثال مسيلمة، ولكن أبا بكر أصرّ على إرسال الجيش وكأن النبي حيّ، وكأن لا متغيرات عسكرية وعقائدية في جزيرة العرب، وهذا –برأيي- ليس فقط من باب الوفاء والإخلاص للنبي، مثلما يختزله بعض من يتحدث عن الأمر؛ بل لأن ما استجد من أمور يتطلب إرهابا لمن يتربص بالدعوة والدولة الوليدة شرّا، فمن كان يفكر في غزو الدولة من خارجها سينشغل بهذا الجيش، ويعلم أن الأمة ما زالت قوية حتى بعد وفاة النبي، وأنها قادرة على خوض حربين متزامنتين، وأما الرسالة الموجهة للمرتدين المتربصين بالمدينة والدعوة، فهي أنهم لا يرهبون هذه الدعوة ورجالها، وأن خطتهم تسير كما لو أنهم غير موجودين، وهذا سيحدث فيهم هزيمة نفسية.

وفي حربه للمرتدين يتجلى حدس عتيق التيمي، وما عنده من علم بالأنساب يخوّله لمعرفة طباع من نكصوا وفرقوا بين الصلاة والزكاة وأن الحل معهم يكون فقط بالسيف ولو أدى ذلك لاستشهاده ومن معه، وقد خاض الحرب معهم بلا هوادة، ونصره الله بعد أن أخذ بالأسباب بتعيين قادة جيوش الحرب على هذه الزمرة المرتدة، فقطع دابرهم، وهو لا يريد الانتقام بقدر ما يبتغي الحفاظ على الدعوة وضمان تقدمها، لأن الخطوة التالية هي الاستمرار بنشر الدعوة خارج الجزيرة، بعد أن تنتهي هذه الفتنة...فتصرف بذكاء خلفيته حدس لا يخطئ، متحركا باستشعار مسئوليته كقائد مطلوب منه نصرة وقيادة سفينة هذه الدعوة وضمان استمراريتها ونجاحها، وهذا ما كان.

وبعد فإنني آمل أن تكون مقالتي بداية لتجديد نشر فضائل هذا الرجل، والنظر إلى أخباره من زوايا جديدة، وقراءتها بطرق مختلفة، فأنا لم آت بجديد مما حوته الكتب، ولكن أحب النظر إلى الحدث والخبر بأكثر من زاوية، وقراءته بغير طريقة، فعتيق التيمي، أبو بكر الصدّيق-رضي الله عنه- كما قلت جامعة كبيرة ناجحة، يجب ألا نتوقف عن التعلم منها والتنوّر بأنوار علومها الكثيرة.

وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله ،ورضي الله عن أبي بكر وسائر الصحابة الأخيار

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز