سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
عتيق التيمي...حدس القائد وذكاؤه(1/2)

-الجزء الأول-
 
لم أختر هذا العنوان لهذه المقالة عبثا، فربما كثير من الناس لا يعرف أو يغيب عن ذاكرته بعض أسماء وألقاب هذا الرجل عظيم الشأن والقدر، ويتذكر فقط اسمه الذي اشتهر به كثيرا...أبو بكر الصدّيق-رضوان الله تعالى عليه- كما أن البعض قد ينسى نسبه إلى قبيلة «تيم» القرشية.

وأرى أن الرجل لم يأخذ حقه من البحث والدراسة، وكثافة ذكر المناقب بين عامة الناس أو حتى خاصتهم، ويغلب عليه صاحبه عمر بن الخطاب-رضوان الله تعالى عليه- في الاهتمام والدراسة، وحتى عباس محمود العقاد في عبقرياته جعل كتابه «عبقرية عمر» سابقا لكتابه «عبقرية الصديق» وهذا لا يعني أن عمرا قد أخذ حقه كاملا من الاقتداء والاهتمام وذكر المآثر والخصال والمناقب، بل يجب التعمق أكثر في سيرة عمر ومناقبه وفضله، ولكن ظل أبو بكر في الذكر وتداول الأخبار والمواقف متأخرا عن عمر، مع إقرار عمر نفسه، وقبله سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بأن أبا بكر هو الأخير والأفضل من بين المسلمين أجمعين، وهذا ما لا ينكره عامة الناس وخاصتهم ممن غلب عندهم ذكر مناقب ومواقف عمر بأكثر مما يذكرون مناقب وأخبار أبي بكر، ولعل السبب يعود إلى أمور عدة منها:-

1) أن النجوم الساطعة لا تراها الأعين إذا طلعت الشمس، وهكذا كان حال عتيق التيمي-رضي الله عنه- مع محمد بن عبد الله-صلى الله عليه وآله وسلم- فهو صديقه ورفيقه وصهره ولو كان متخذا خليلا لاتخذه خليلا كما في الحديث الشريف، ومن الطبيعي أن تغلب شمس محمد ونورها، ضياء نجم عتيق.

2)  أبو بكر الخلافة مدة زمنية قصيرة(توفي سنة 13 هـ) وكان المسلمون حديثي عهد بفراق نبيهم وحبيبهم، وكان أبو بكر في خلافته يسير على هدي نبيه وصديقه دون تغير يذكر في أدوات الحكم والإدارة، ولعل ما اختلف هو انقطاع الوحي بموت النبي، ولم تكن الدولة قد توسعت واستقرت كما حصل في خلافة عمر، مع أنه كان في خلافة أبي بكر كثير من الفتوحات، ولكن عهد عمر شهد توسعا تبعه استقرار وتغيرات اجتماعية؛ فدخل في الإسلام كدين، أو في الدولة كرعايا، أو مواطنين بالتعبير المعاصر، كثير من الأقوام والأجناس، لم يعايشوا مرحلة النبوة مباشرة ،بينما في عهد عمر توسعت جغرافية الدولة كثيرا بما حوته من أقوام وشعوب جديدة تتطلب إدارة شؤونها إضافات اجتماعية وتطوير في أساليب الحكم والإدارة،وهذا ما برع فيه عمر.

3)   بناء على ما سبق فإن عمر يعتبر بحق من وضع أسس وأركان الدولة بمفهومها القابل للتطوير وفق هذه الأسس والأركان،لدرجة أننا في عصرنا هذا لا نزال نسترشد ونستذكر كيفية إدارته للدولة والحكم ونظامه،وهو بالتعبير المعاصر الرجل الذي سن القوانين المدنية والعسكرية وجعل لها ضوابط دقيقة، أما صاحبه عتيق فإن قدراته كما تدل سيرته ليست بأقل ولا أدنى،ولكن الظروف الزمانية والمكانية القصيرة كما ذكرنا لم تكن كذلك في زمن حكمه.

لا يغيب عن عامة الناس وخاصتهم المعالم البارزة في سيرة عتيق؛والجميع يعرفها ويرددها عن ظهر قلب؛ فهو على سبيل المثال لا الحصر أول من آمن وأسلم من الرجال، وهو من اشترى بماله العبيد المستضعفين أمثال بلال بن رباح  وزنيرة ليخلصهم من بطش مشركي قريش، وهو من صدق النبي في خبر حادثة الإسراء والمعراج قبل أن يسمع منه تفصيلاتها وحيثياتها، وهو رفيق النبي في الهجرة إلى المدينة، ونزل في مكوثهما في غار ثور قرآن يتلى:ثاني اثنين إذ هما في الغار،إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، وهو والد أول فدائية في الإسلام أسماء زوج الزبير بن العوام(الذي أسلم على يديه) وخبرها في حادثة الهجرة وبعدها معروف، ولقبها بعدها مشهور(ذات النطاقين)، وهو والد أم المؤمنين عائشة التي يعرف الناس كثيرا من خصالها وفضلها وحب النبي لها، وهو إمام المسلمين في صلاتهم في مسجد النبي في المرض الذي قبض فيه، وهو أول الخلفاء الراشدين الأربعة، وهو صاحب اليد والفضل في القضاء على الردة ودحر المرتدين، وهو مسيّر الجيوش إلى الفتوحات، وهو المدفون بجوار النبي في المدينة بحيث أن الملايين سنويا يسلمون عليه بعد سلامهم على المصطفى...وهذا غيض من فيض تلك المعالم البارزة التي يستوي في معرفتها طالب المدرسة والحاصل على شهادة الدكتوراه في السير والمناقب والأخبار.

فأبو بكر مدرسة كبيرة بل جامعة فيها كثير من التخصصات التي يمكنك دراستها بتعمق واستفاضة، ولا يتسع المجال في هذه المقالة إلى الدخول في أي جزء من أجزاء قسم ولو صغير من تخصصات جامعة الصدّيق-رضي الله عنه- ولكن سأحاول تناول جانب القيادة بشيء من التبسيط عند أبي بكر، وتلقائيا قد يتبادر إلى الذهن أنني أعني بالتحديد وفقط شيئا في فترة خلافة الصدّيق القصيرة زمنيا، والتي لم تتجاوز وفق التقويم الهجري سنتين وثلاثة أشهر، أي حوالي سنتين وشهر بالتقويم الميلادي، وهذا ظلم أو عدم موضوعية في دراسة معالم القيادة وعمرها الحقيقي عند أبي بكر  

والحقيقة أنني أريد الإشارة إلى مفهوم القيادة بمنظار أوسع من مسألة تولي الحكم والخلافة على أهميته، وأنا لن أغفل عنه بالطبع؛ فالقيادة عند عتيق التيمي موجودة وحاضرة في شخصيته وسلوكه قبل أن يتولى الخلافة بكثير، ومفهوم القيادة هنا هو استشعار المسئولية والإحساس بعبء الأمانة والتصرف بناء على ذلك.

كان أبو بكر يستشعر حقيقة العبء الملقى على كاهل الإنسان المؤمن المسلم، الذي ذاق حلاوة الإيمان، وامتلأ بنور هدي النبي، فأبو بكر في كل سكنة من سكناته أو حركة من حركاته كان يستشعر تلك المسئولية الكبيرة، وكان ما يصدر عنه من قول وفعل يتطابق مع هذا الشعور، وهنا الفرق بين القائد وغيره، والتمايز بين القادة أنفسهم؛ فقد يشعر كثيرون بالمسئولية، ولكن قولهم قد لا يتوافق مع هذا الشعور، وإذا تطابق القول، فإن الفعل قد ينعدم، أو قد يكون بحجم أدنى من استشعار الأمانة والمسئولية، وهذه مراتب ودرجات مهمة عند تصنيف الناس وفرزهم، أيهم قادة، ومن المميز بين القادة.

وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود مرفوعا بأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- قال لأنس ابن أبي مرثد الغنوي حينما تطوع لحراسة المسلمين يوم حنين:استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا يغرن من قبلك الليلة، وأورد هذا الحديث لأن الحديث الآخر (أنت على ثغرة من ثغر الإسلام...الحديث) والمتداول بكثرة ضعيف...وهذا هو معنى المسئولية التي يتحملها المسلم، ولا يقتصر الأمر على مقاتل يحرس، بل يتعداه إلى كل شأن من شؤون الحياة، وكما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال:» كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته قال وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته

وهنا تميز أبو بكر في فهم هذه المعاني، سواء قبل أن يتولى الخلافة أو بعدها...يتبع

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز