سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مأزق واشنطن...طالبان وصدام إلى داعش

قد يكون الأولى الحديث والكتابة عن شأننا الفلسطيني وما يدور ويتفاعل فوق السطح وتحته، وأنا أؤمن بأولوية شأننا على الأمور الأخرى، ولكن ما يجري حولنا يؤثر علينا، وهذه المرة سيكون له تداعيات وتأثيرات على الحالة الفلسطينية، يصعب الآن التكهن بحجمها، فقد بات واضحا بحكم التجربة الطويلة أن كل ما جرى ويجري ويدبر في المنطقة يهدف إلى خنق وتصفية القضية الفلسطينية؛ ولنتذكر أن احتلال العراق سنة 2003 قد كان له ما بعده على الحالة الفلسطينية والعربية، فلسنا بمعزل عن الحرب التي يعلن أوباما عن إطلاق شرارتها في ذكرى أحداث أيلول/سبـتمبر التي اتخذها سلفه ذريعة لشن عدوان واسع على العرب والمسلمين بدعوى الحرب على ما يسمى الإرهاب،

إلا أن القوة والغطرسة الأمريكية والغربية عموما في مأزق مع أنها تمتلك التقدم العسكري والتقني، وتستطيع أن تلتهم المال العربي لتمويل حروبها بلا حسيب أو رقيب، بل وتستطيع تجييش جزء من شعب ليقاتل الجزء الآخر...ولكن مأزق أمريكا لا يكمن في عدم قدرتها على تحطيم خصمها أو من تراه خصمها بالضربات العسكرية، بل فيما بعد النيل من الخصم.

ونحن إذ نتحدث عن خصوم أمريكا المستهدفين منها مباشرة خلال عقد ونيف، وهم على التوالي طالبان وصدام حسين، وتنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق والمشهور اختصارا بـ«داعش»، لا يهمنا الآن طريقة حكمهم وإدارتهم لشؤون الناس، أو رأينا بأفكارهم ورؤيتهم الاجتماعية، بقدر ما يهمنا صراعهم ومآلاته مع أعتى قوة أو امبراطورية عرفها تاريخ الإنسانية.

لقد قررت أمريكا غزو أفغانستان بدعوى الانتقام ومحاربة الإرهاب، ولتكتيكات اقتصادية-استراتيجية في تلك المنطقة، وتمكنت بسهولة ظاهرة من إنهاء حكم طالبان لتلك البلاد، والذي استمر نحو 5 سنوات، وتحالفت مع دول مجاورة ومع قوات تحالف الشمال، ولكن هل انتهت القصة؟لقد انشغل الإعلام الأمريكي وما يتبعه من وسائل إعلام في العالم بعرض تقارير متلفزة ومكتوبة عن صالونات ومحلات تجميل النساء، وصور لأفغانيات يرقصن أو يغنين، كإشارة على النصر المبين الذي حققته أمريكا، وجيء بحميد كرزاي الذي تحرسه قوة أمريكية خاصة، حيث لا يأمن على نفسه من قوات الجيش والأمن التي صنعت على عين أمريكا، وتمكنت طالبان من اختراقها  

وقتل العديد من قادتها، وما إن انتهى حكم طالبان وبدأ حكم كرزاي والنظام الذي بني على أنقاض نظام الملا عمر حتى بدأت طالبان تضرب القوات الأمريكية والقوات الأجنبية الأخرى وقوات كرزاي بتصعيد ملحوظ انتقل من «اضرب واهرب» إلى «اضرب واحتل وتمركز» واضطر الأمريكان إلى التفاوض مع طالبان فوق الطاولة وتحت الطاولة، وأمريكا تستعد لمغادرة تلك البلاد التي لا يستبعد أن تعود إلى حكم حركة طالبان مرة أخرى كلها أو بعضها، ولا أستبعد أن يلاقي كرزاي مصير نجيب الله على يد رجال طالبان!

وكان الرئيس العراقي السابق صدام حسين منذ البداية أعلن وقوفه ضد الغزو الأمريكي لأفغانستان وفي أحاديث ودردشات بثتها التلفزة العراقية الرسمية أبدى إعجابه بمقاتلي طالبان...وبالتأكيد فإن طالبان تختلف عن حزب البعث أيديولوجيا ولكل منهما رؤية تتنافر مع الآخر بطريقة إدارة الدولة وسياسة الناس والتصور العام للحياة والمجتمع، ولكن العداء لأمريكا والغرب عموما جمعهما بالمعنى الوجداني وليس المادي بطبيعة الحال، وذلك نظرا لعدم وجود حدود مشتركة، ولأن الهجمة على أفغانستان كانت خاطفة وسريعة ولا يمكن للعراق المحاصر المراقب أن يقدم لطالبان شيئا يذكر.

وجاء دور صدام حسين ونظامه بعد أقل من سنتين من غزو أفغانستان، وانهارت القوات العراقية بسرعة كبيرة أمام القوة الأمريكية والبريطانية الرهيبة، ولكن القصة لم تنتهي فالعراق لم يعرف الاستقرار منذ الاحتلال، هذا الاحتلال الذي واجه مقاومة شرسة جدا، وتحول البلد إلى ساحة للصراعات الطائفية، ومرتعا لأجهزة مخابرات قوى دولية وإقليمية، والتقسيم للقطر العراقي وإن كان غير معلن فهو حقيقة، وفشلت كل الحكومات التي جاءت بعد صدام منذ بول بريمر وحتى العبادي الذي ربما من التسرع الحكم على حكومته، ولكن المؤشرات تدل أن الحال لن يكون أفضل من المالكي، ولم يأت شنق صدام صبيحة يوم عيد الأضحى بالاستقرار، وتراجع كل شيء في العراق.

على المستوى الاقتصادي فإن عقود البحث عن معادن تقدر قيمتها بنحو 2 تريليون دولار في أفغانستان قد فازت بها شركات صينية وغيرها، مما دفع بعض الأمريكيين للتهكم بأن الجندي الأمريكي يقتل في سبيل دعم أرباح الصين، وفي العراق الذي تورط الأمريكان بنهب ثرواته الطبيعية وحتى الآثار والتحف، فإن الفائدة كانت من نصيب أفراد ومجموعات أمريكية معينة وبعضها معروف مثل عائلة بوش، ولم يتحسن الاقتصاد الأمريكي بعد الغزو، بل إن تبعات الحروب كانت لها هزات ارتدادية أصابت الاقتصاد الأمريكي بأزمات متلاحقة، ولكن أوباما استطاع بإعلان وقف الحروب إيقاف تدهور الاقتصاد إلى حين 

المشهد الآن يتكرر فتحت راية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية هناك حشود وتحالف تقوده أمريكا، يستهدف القيام بحرب جديدة، وللأسف بتمويل عربي يذكرنا بما حدث في سنة 1990م بعد احتلال العراق للكويت، ولكن هذه المرة من أجل محاربة من تقول أمريكا بأن عددهم 30 ألفا فقط!

وتستطيع أمريكا بما تمتلك من سلاح وعتاد وتقنية تجسس كبيرة، وحلفاء من الغرب والعرب والكرد وغيرهم أن تنهي حكم تنظيم الدولة الإسلامية لجميع المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسورية، ولكن هل ستتمكن من تنصيب بديل مستقر وقوي مكانه؟الجواب من التجربة القريبة:كلا.

فإنهاء حكم التنظيم، وحتى قتل البغدادي أو أسره، والقصف المكثف، والإتيان بوكلاء على نمط كرزاي والمالكي، لن يحل المشكلة، بل إن الأمر قد يتعقد، وتصبح المواجهة مع أمريكا وحلفائها أوسع وأشمل بعد أن كانت مقتصرة على أفغانستان والعراق....وهذا مأزق جديد مرده أن الأمريكان لا يريدون أن يقتنعوا أن العرب والمسلمين هنا ليسوا كالهنود الحمر وراء المحيطات، وأن الاستقرار والأمن ما يزعزعهما هو إسرائيل وليس أحد آخر، وقد قيل مرارا أننا لا نشرب النفط، فلا داعي لمثل هذه المغامرات، ولكن وراءها صراع حضارات وليست فقط بسبب الذهب الأسود!

إنه صراع لم يتوقف منذ غزوتي مؤتة وتبوك في عهد النبوة، وحتى هذه اللحظة مع تشكل هذا التحالف، ولا بد هنا من التوضيح أن هذا الصراع بين الامبراطورية الغربية التي تنقلت من بيزنطة حتى واشنطن مرورا بروما ولندن وغيرها، والعرب والمسلمين، يخوض غماره ربما قادة أو دول متنافرة متضادة؛ فقد خاضه الأمويون ومن بعدهم أعداؤهم العباسيون، وخاضه الأيوبيون والمماليك والعثمانيون الذين قاموا على أنقاضهم في المنطقة، وهذه نقطة مهمة يجب أن توضع في الحسبان فليس كل من كان له صراع مع طرف معاد للغرب، هو بالضرورة عميل لهم، بل قد يكون هو رأس حربة في مواجهتهم في لحظة معينة.

الصراع طويل، والحرب سجال، والقرآن الكريم فيه سورة باسم الروم، وهذا يدل على أهمية وطبيعة الصراع مع هؤلاء، ولكن في أغلب الأوقات كان الصراع مفروضا على المسلمين وهم المعتدى عليهم...وقد نختلف مع البغدادي وتنظيمه مثلما كان لنا ملاحظات على صدام وحزبه ونظامه، وطالبان وحكمها وإدارتها، ولكن هذا الخلاف لا يعني ولا يبرر أن نقف مع العدو التاريخي للأمة ضدهم، فهذا لا يجوز بأي وجه شرعي أو وطني أو قومي  أو أخلاقي أو بمنطق الحذر من حالة«أكلت يوم أكل الثور الأبيض»! 

فالحرب يراد أن يقتل فيها العربي المسلم أخاه العربي المسلم بسلاح صنعه الغرب، يشتريه مال العربي والمسلم، بدعوى حماية هذا العربي المسلم من العربي المسلم الآخر...فهل هذا منطق معقول، وقد تم تجربته سابقا، فم الذي جنيناه من تدمير الجيش العراقي سنة 1991 ومن احتلال العراق سنة 2003؟هل سنجني هذه المرة ثمارا شهية طيبة من قصف الموصل والرقة بطيران أمريكي؟

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

السبت  18 ذو القعدة 1435هـ ،13/9/2014م







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز