الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
كيف كيف نحيا بالثقافة ؟ ح 4

 

الاعتقاد السائد اننا نعلم اولادنا كي يحصلوا على عيشهم في المستقبل،  يتعلمون الطب او الهندسة او التجارة ثم يعملون ويكسبون. والنجاح في الحياة ينتهي عند هذا الحد . وليس شك في ان تحصيل العيش في مجتمع يقوم على المباريات الاقتصادية يجب ان يكون في المقام الاول هو التعليم. ولكننا نكسب لنعيش ولا نعيش لنكسبـ والحياة لهذا السبب يجب ان تكون اكبر من الحرفة والنجاح فيها يجب ان يكون اهم  من الكسب .

ولا يمكن ان ننجح في الحياة ما لم ننجح في الآسرة بعلاقات زوجية حسنة وعلاقات ابوية بارة, وننجح في المجتمع بأن نكون اجتماعيين نقدر الصداقة ونمارس الضيافة ونشتغل بالسياسة وننغمس في المشكلات الاجتماعية ولنا اهداف نحو خير المجتمع.

فليست العبرة ان نضيف الى حياتنا عمرا اطول، انما ان نضيف الى عمرنا حياة احسن.

 

ولكن كما نكون اجتماعيين يجب ان نكون انفراديين ايضا لنا حياة مستقلة نستطيع ان نخلو فيها بأنفسنا. وخلواتنا يجب ان تكون للدرس والتأمل اي للفهم، وهناك من يقول : ان غاية الحياة هي السعادة والفهم يؤدئ الى السعادة اذا اعتبرنا أن السعادة هي الزيادة  في العقل  والدراية وليست الآمتداد في العاطفة، لآن ما نأخذه من العاطفة انما هو السرور فقط : نلتذ بالآكل والتزاوج واللعب والسيادة والفخر. ولكن هذا النوع من اللذات يزول بزوال ظروفها التي سببتها, و العاطفة  تجعلنا مجرد ان  نلتذ لكن السعادة  تجعلنا  نزداد عقلا  و دراية اكثر  بهذه الدنيا وفهما اعمق لمعنى الحياة لكي نحيا الحياة السعيدة والسبيل الى الفهم العام هي الثقافة.

 

ولكن الثقافة في ايامنا لم تعد عامة ولا محيطة وذلك لآسباب كثيرة منها ان المعارف قد كثرت واصبحت الآحاطة بها شاقة. ومنها ان هذه الكثرة في المعارف قد بعثت على التخصص. واذا انت قرأت – طبقات الآطباء – لآبن ابي أصيبعة وجدت ان الطبيب قبل الف سنه كان حكيما اي انه لم يكن يعرف الطب فقط  بل كان ايضا يعرف الفلسفة واللغة والآدب والتاريخ والدين. وربما يقال ان هذه – الحكمة – لم تكن تنفعه في العلاج وهذا ما نشك فيه وخاصة في العصر الراهن حين نعرف ان المرض يلابس البيئة الاجتماعية وينطوي في كثير من الاحوال على حال نفسية معينة. فالحكيم كان لا ينظر الى المريض بعينيه فقط , انما كان ينظر اليه من خلال عينيه, فيفكر في حالته الاجتماعية واتجاهه النفسي وموقفه الفلسفي.

فاذا فرضنا ان الطب يجب ان يتجزأ وان الطبيب يجب ان يتخصص في فنه بهدف الدقة في التشخيص وتعيين العلاج , فأننا مع ذلك لا نستطيع ان نقول ان المختصصين سواء في الطب ام في غيره قد حصلوا على ثقافة الحياة وقصارى ما نصفهم به انهم حصلوا على مهارة في الحرفة. فأذا اقتصروا على هذا التخصص وحده  فأنهم بذلك يبقون اميين في فن الحياة.

 

والحق ان الانتقال من – الحكيم – الى – المتخصص – هو وثبة من النور الى الظلام او من العموم الى الخصوص. وهناك رأي يعبر عن الكراهية للمفرطين في التخصص  .

ادعوكم الى قراءة هذه النادرة التي اوردتها احدى المجلات الطبية البريطانية عندما تخرج احد الآطباء في الجامعة قابل استاذه وادلى اليه بأنه يريد ان يتخصص . فسأله الآستاذ عن الحقل الذي يريد ان يتخصص فيه ؟ اجاب :

( اريد ان اتخصص في الآنف وحده ) . و المالوف هو التخصص في الآنف اذن حنجرة . ولم يطق الآستاذ هذا الكلام فأردف يسأله ساخرا ( وهل تبغي التخصص في المنخر الآيمن او المنخر الايسر ؟ )

ومع ان القصة خاصة بالآطباء , الا ان  قيمتها الرمزية قد جاوزت حرفة الطب الى الحياة العامة التي يحياها كل منا بل احيانا تغمرنا الحرفة حتى نعيش لها كأنها هدف الحياة كلها وليست وسيلتها. وكذلك البقال الذي كان رصد كل عمره للبقالة حينما مات   كتب على قبره ( ولد انسانا ومات بقالا ) .

 

وكلنا على هذا المنوال تقريبا, وقليل منا من يرفض التخصص الحرفي ويلتفت الى  ما حوله من شؤون اجتماعية وادبية  وفنية, فالطبيب لا يدرس الهندسة, والاديب يجهل الكيمياء, والعلميون لا يقرؤون الشعر.  ولذلك لا يستطيع واحد من جميع هؤلاء ان يقول ان لديه ثقافة عامة .  لآن الثقافة يجب ان تكون شاملة محيطة  تؤدئ الى فهمنا للطبيعة والانسان اي يجب ان تكون لنا معارف عامة على سبيل الاحاطة الاجمالية.  حتى نعرف ارتباطاتها, وحتى نستطيع ان نسددها الى الخدمة البشرية.

 

وعندما نتأمل حجم الدمار الذي يلحق بمشروعات الري عندنا في البلاد العربية واضرارها الجسيمة على صحة التربة والنبات والحيوان والانسان , يحدث كل ذلك  بسبب جهل المهندسين بعلوم الطب والبيولوجيا مما يؤدي الى اصابة الفلاحين بالديدان . فهناك ارتباط بين الطب والهندسة, كان جديرا بالمهندسين  ان يعرفوها  حتى لا يتعرض فلاحونا  الى الآصابة بديدان  البلهارزيا والانكلستوما والآسكارس, تمزق اجسادهم. 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز