الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
كيف نحيا بالثقافة ؟ 3

   

 اسؤ الاحوال الاجتماعية عندنا،  ندرة التكافئ الآجتماعي.   فالزوج غالبا ما يكون  متعلما و مثقفا لكن الزوجة قد لا تحصل من التعليم الا على نصيب ضئيل، او قد لاتحصل على شيء منه. وبعض هذه التبعة يعود الى تقاليدنا وعاداتنا القديمة التي أنزلت بالمرأة الى مركز اجتماعي دون مركزالرجل . وبعض هذه التبعة تعود الى الحكومات التي تقاعست في تأسيس مدارس البنات, حتى الى الماضي القريب.

و نشأ من هذا الاهمال الثقافي ان معظم البيوت العربية اصبحت تفتقر الى مكتبة ولم يعد جزأ من اثاثه.  لقد نجحنا في مكافحة ظلام القرون الوسطى لكننا لا زلنا نتطلع الى اليوم الذي نرى فيه نور الثقافة يشع في بيوتنا و يعيش الزوجان متكافئان يتحدثان بلغة واحدة بمستوى راق من الفهم والتفاهم .

وما دامت الزوجة تعيش في حالة الامية فانها تعارض زوجها فيما ينفق من مال على الكتاب. و ان الظروف الزوجية وتكرار الالحاح قد يضطر في النهاية الى مسايرة زوجته ايثارا للسلام العائلي. لكن اذا كان الزوج حازم الرأي, يستطيع ان يتغلب على جهل زوجته ولو في مشقة.

 

وبديهي ان خير وسيلة للتغلب على هذه المعضلة هو تعليم الزوجة لكن هذه الوسيلة شبه متعذرة اذ من البعيد ان تتعود امرأة على نهج ثقافي بعد ان قضت عشرين سنة في الجهل. وكثيرا ما يجد الزوج ان التفاوت الثقافي بينه وبين زوجته قد استحال الى هوة سحيقة حتى لتعود الحياة الزوجية معاشرة اجتماعية هدفها ضمان الراحة في الطعام والمأوى والتعارف الجنسي ليس الاّ، لآن لكل منهما اتجاها فكريا يمنع الآشتراك في الحديث وسلوكا معيشيا يحول دون تحقيق مثل عليا.

لكن الزوجة على وجه العموم حتى حين تكون متعلمة نوعا ما،  تبخل بثمن الكتاب وتجد في التفات زوجها الى الدرس اهمالا لها، فهي تغار من الكتاب كما لو كان ضرتها. وسوف نبقى على هذه الحال الى ان تتحطم التقاليد السوداء ونجعل تعليم المرأة مثل تعليم الرجل سواء في الكم والكيف، لأننا في هذه التسوية نرفعهما الى مستوى مشترك حيث يتحدان ويفكران ويتجهان في غير انفصال.

 

والى ان نصل الى هذه الحال يجب على الزوج ان يعالج زوجته المعالجة الايجابية البنائة.  فمن السهل عليه ان يوضح لها ان القراءة تسليها فضلا عن انها تجذب الزوج الى البيت حيث يكون مع زوجته واولاده يقضي وقت فراغه معهم, يتمتع بوجودهم، تفرحه ضحكاتهم،  بدلا من ان يقضي ساعات فراغه في المقهى او في النادي او الملهى حيث يكون عرضة لغوايات مختلفة. والفراغ اذا لم يملأ باي لهو اخر قد يضر بالصحة الجسمية او النفسية او المالية . وقد قيل قديما: ( الفراغ مفسدة ).

ينبغي ان يكون الكتاب ضمن الاثاث الفاخر للبيت، فاذا ما عنينا به واقتنينا الخزانة اللائقة او الرف الانيق الذي يحمله، والى جانبه بعض التحف والصور التذكارية وبعض المناظر الجميلة, انذاك يزدان الصالون المخصص للضيوف بمظاهر حضارية مقبولة.  وليس مفرا للزوج اذا شاء ان يعيش سعيدا في بيته مثقفا في ذهنه مربيا لنفسه ولأطفاله ان يرفع مستوى زوجته تعليميا وان يجعل الثقافة جوا مألوفا في البيت. فاذا كانت الجريدة والمجلة تصلان الى البيت في نظام لاينقطع فان حديث اعضاء البيت يرتفع من القيل والقال الى الاحاديث المفيدة المشوقة, عندئذ يجد العطف بل التقدير حين يقبل في حماسة على ترقية ذهنه بثقافة عميقة قد لا تصل اليها الزوجة ولكنها لا تنكر قيمتها. فلا تعارض فيما ينفق عليها من مال ووقت. وحينئذ يغدو الزوج قدوة راقية لأبنائه و زوجته.

 

اما اذا كان الأبوان أمّيين , فسوف يكونا عاجزين عن تنشأة اطفالهم بالأتجاه الصحيح, وغرس مبادئ التثقيف في ذهنهم، خاصة  في السنوات الخمسة الأولى من حياتهم, فينشأون خاما،  وعندما يدخلون المدرسة، يبرز للعيان الفرق الكبير بينهم و بين اولئك الاطفال الذين حظوا من اهليهم  رعاية اسرية اصحّ واقوم.

ان الأسر التي يفتقد الأفراد فيها الثقافة الأولية سواء بسبب جهل الأباء للتعليم الابتدائي او ترك الابناء مهملين دون اشراف, فأنهم سوف يتعرضون الى خطر التنصل من مسؤولياتهم القانونية والشرعية في رعايتهم, ناهيك عن الأهمال المتقصد، فيشب هؤلاء معقّدين نفسيا حاقدين على من حولهم غير قادرين على خدمة مجتمعهم بالشكل المطلوب عندما يكبرون  .    

 

وبينما انا اكتب هذه السطور تذكرت مشهد تلفزيوني لأحدى الفضائيات الغربية قبل اعوام لعدد من الاطفال بين السادسة والعاشرة، وقد عثر عليهم البوليس ليلا تحت احد جسور المدينة، بعد ان تركوا بيوت ذويهم هربا من سوء بيئتهم الاسرية, فلما سألوا عن واقعهم الاليم، كان جوابهم :

 ( اننا مهملون من قبل اهلونا، فأبونا غالبا ما يكون مغيب وامّنا تقضي ساعات الليل في الحانة، وكلاهما غير مبالين لرعايتنا، فالبراد يخلو من الطعام دوما) .

اقول لو ان الأباء الأولون كانوا قد اولوا بعض اهتمامهم الى المسؤولية الآسرية وحرصوا على تنشأة اطفالهم بصورة صحيحة، (كما هو المطلوب), لما كان اليوم تظهر مثل هذه الصور المأساوية على شاشات التلفزيون امام العالم.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز