نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
انهيار القانون الدولي

نحن اليوم أمام حالة فريدة، ووضع دولي صعب جداً، وغاية في الخطورة، ويتجلى بوجود دول في المنطقة والعالم، وتتصرف كدول عصابات ومافيات حروب دولية تتاجر بالحروب وتصدرها من بلد لآخر، وتمارس القتل المنظم لـ”حماية الناس من القتل”، وتصدّر الإرهاب لتحمي الناس من “الإرهاب” كما يطنطن ظرفاء الميديا الغربية وساستها في تبرير شن وإشعال الحروب. دول تعربد، وتصول وتجول بصلف وظهرها محمي من دول أعضاء في مجلس الأمن الدول، وباتت تعمل خارج منظومات ومبادئ الأمم المتحدة ومواثيقها القائمة على مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول، والنفس البشرية، التي يشكـّل تقديسها، والحفاظ عليها، البند الأول من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وتحظى هذه الدول بالرعاية الرسمية من دول أعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومنظماتها، ولا تتعرض لأي نوع من المساءلة.

 والخطورة الأكبر تبرز في تحشيد مجموعة من الأنظمة في ما يسمى “حلف” أو “تحالف” دولي لاستهداف نظم بعينها، ومحاولة استخدام مجلس الأمن الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بغية التنصل من مسؤولية شن الحرب والعدوان، هذا التحالف أو الحلف الذي ظهر علناً في الحرب على ليبيا والعراق، أخذ اسماً آخر، وما زال يعمل تحت يافطة ومسمى “أصدقاء” الشعب السوري. يسمى هذا الفعل الالتفافي يسمى في الإنكليزية بالـEuphemism، أو التنميق، وهو إعطاء أسماء “ملطــّفة” وجميلة ومحببة لأشياء وظواهر وأنشطة شريرة وسيئة وغير مستحبة في الغالب.

فتركيا، مثلاً، التي باتت معروفة، للقاصي والداني، بأنها القاعدة الرئيسية للقاعدة، وتنتشر فيها معسكرات وأماكن تواجد إرهابيي وأعضاء تنظيم القاعدة، ومتفرعاته النصراوية، والداعوشية، وعلى مقربة من القواعد العسكرية الأمريكية، التي تدعي دولتها الحرب على الإرهاب، وترسل طائرات من دون طيار “الدرون Drone”، لقتل “الإرهابيين”، وكأننا، والحال، وفي عملية تضليل ممنهج، أمام نمطين من الإرهاب، نمط محمود ومشكور ومطلوب من “الإرهاب” والإرهابيين “الطيبين والجيدين”، أو المعتدلين، الذين يستخدمون كعصا، وهراوة تأديب لكل من يقول لا لسياسات الهيمنة والغطرسة والصلف والاستكبار والعدوان، ونمط آخر ملعون ومذموم ومحرم من الإرهاب الذي لا يتفق وتلك السياسات الغربية ولا يصب في خدنتها. ألم يصدر شيوخ آل سعود فتاوى ضد “حزب الله” تحديداً، فيما انزووا ودفنوا رؤوسهم بالرمال، حين كانت الطائرات الصهيونية، تعربد فوق غزة في نهاية 2008، حاصدة أرواح المئات من المدنيين الفلسطينيين الأبرياء؟

ألم يصرح روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سوريا، والذي يعتبر العقل المدبر وراعي “الثورة” في سوريا، وبالحرف الواحد: “على الأسد أن يتحمل إرسال هؤلاء (يقصد الإرهابيين)، إلى ما لا نهاية”؟ وأكد على هذا النهج أحد “ثوار” فورد الكبار، “اليساري والعلماني” كمال لبواني، الذي قال في سياق متصل: “نستطيع تجنيد مليار ونصف لمحاربة النظام”.

 فاللافت هنا، وفي هذا السياق، استخدام الإيديولوجيات الدينية، ليس للتأجيج والتهييج وإثارة الغرائز الدينية وإعطاء تلك الحروب “الغزوات” بعداً دينياً، وحسب، إنما لتسهيل و”تمرير” انخراط المرتزقة الأجانب وإدخالهم للدول “المارقة” والمغضوب عليها، وذلك نظراً للعجز الواضح في تأمين الكادر البشري من الدول المستهدفة، فكما عجز طباخو “الربيع” وصانعو “الثورات”، عن إخراج مسيرة سلمية واحدة “للثورة” تضم أكثر من ألف شخص، ستواجه نفس العجز، أيضاً، بالنسبة لتأمين جيش عسكري مدجج وعرمرم للقيام بمهام قتالية معقدة وضمان نجاحها. دول في الإقليم، لديها “كارت بلانش” و”شيك” على بياض للذهاب إلى أقصى الحدود في إشهار سلاح الإرهاب الأعمى ببصمته القاعدية، وتحظى بتغطية من دول أعضاء في مجلس الأمن منوط بها حماية الأمن والاستقرار الدولي، لم تعد تخجل أو تخفي دعمها للإرهاب والقتل والإجرام والدمار وإرسال فرق الموت من هذه الدولة إلى تلك، وتشرف على رعايتها وتدريبها وتمويلها وحماية المجموعات المرتزقة من مطاولة القانون لها، وتغطي إجرامها وأفعالها المشينة والنكراء، وفظائعها المرعبة في وسائل إعلامية وإمبراطوريات أخطبوطية تنتشر حول العالم تبرر إجرام وإرهاب تلك المجموعات الإرهابية وتسمي ما تقوم به بـ”الثورة” وتطلق على أولئك المرتزقة الأجانب الإرهابيين اسم “الثوار”، وتقدم لهم كل التسهيلات وأنواع الرعاية اللوجستية المطلوبة لتمكينهم من ممارسة أفظع الجرائم والمذابح بحق الأبرياء. فلقد أصبح مثلاً منظر المرتزقة “الثوار” بزيهم الأفغاني ولحالم المدلاة للركب وهم يهبطون في مطار إنطاكية وتحت بصر الأمن التركي، فيما تنتقلهم عبر الحدود إلى الداخل السوري. (هذا يسمونه ثورة في إعلام الكاز والغاز ومصطلحات الميديا السعودية).    

ألم تطلق مثلاً وسائل الإعلام السعودية، ووزير خارجية المملكة السعودية، بالذات، على “غزوة” داعش واجتياح القطعان الإرهابية لمدن عراقية، وكل ذاك الإرهاب والإجرام اسم “الثورة” على رئيس الوزراء العراقي المنتخب، نوري المالكي، فيما مرّت مجزرة تكريت، التي ذبح فيها 1700 أسير مدني عراقي مرور الكرام في مختلف وسائل الإعلام الإقليمية، والدولية الداعمة لـلإرهاب ولـ”الثورات” و”الثوار” في المنطقة. وأظرف طرفة سياسية يتم تداولها اليوم، هو القول، بعزم الولايات المتحدة إرسال قوات للعراق للتصدي لداعش، وتلاميذ السياسة المبتدئين، يعلمون من أية زواريب وأوكار استخباراتية هبّ الجراد الداعوشي، ومن يموله بالسلاح الحديث والمتطور (وغير الفتاك طبعاً)، ومن الذي يرسله تارة هنا، وينقله تارة أخرى هناك، ولأية غاية شيطانية أطلق سراح سجناء غوانتانامو، ولماذا هجم الدواعش على السجون العراقية وحرروا سجناء جنائيين إرهابيين، ولماذا أصدر وزير الداخلية السعودية قرارات العفو عن أخطر الجنائيين والإرهابيين لكن بشرط التوجه لسوريا مع كفالة منه لعائلاتهم وصرف رواتب سخية لهم، ومن أين للدواعش كل تلك الطوابير المؤللة من السيارات الحديثة، بطواقمها البشرية الجرارة، التي تعجز دول عن امتلاكها؟؟.    

هذه البلطجة، والعبث بأمن الشعوب واستقرار الدول وترتيب أنظمة العالم، (حتى أوكرانيا ودول شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية)، وتنصيب دمى وكرازايات و”ثوار” مرضي عنهم غربياً، ومن هذه الدول المنتجة والمصدّرة، للإرهاب الدولي، والولوج لقلب المجتمعات وخلخلة بنيانها من بعض الفجوات العرقية، والمذهبية والمعيشية والتناقضات والمفرزات الحياتية وتضخيمها والشغل عليها، بات اليوم سمة رئيسية في العلاقات الدولية (طار لافروف للرياض كي يناقش المملكة في موضوع الإرهاب المتفشي الذي يضرب في العراق وسوريا ودول المنطقة وهو اتهام واضح للملكة بمسؤوليتها عنه واعتبارها ضمناً عاصمة الإرهاب العالمي). هذه هي نهاية التاريخ، وحال العالم اليوم: كل حكومة، أو دولة أو شخصية سياسية، لا تروق للقوى الكبرى في العالم، ولا تتوافق سياستها، مع سياستها وتوجهاتها، واستراتيجياتها الغربية، الأطلسية، يتم “تسليط” هؤلاء الإرهابيين “الثوار”، عليهم، وافتعال “الثورات” وتوظيف جيش من الأبواق، والمأجورين، في تبرير وتجميل وتحليل كل ما يحصل من وجهة نظر “ثورية” (إرهابية).

ولن نتكلم ها هنا عن ظاهرة أخرى غاية في الخطورة تمخضت عن موجة “الثورات” الأوبامية، وهي السطو الإرهابي المسلح على الثروات الوطنية، وتحديداً النفط، في كل من العراق، وسوريا، وليبيا، ووضعه بتصرف، وتحت وصاية مجموعات من المرتزقة والمافيات الإرهابية الدولية، التي تبيعها خارج نطاق القانون “تهريباً” لدول ومنظمات إرهابية أخرى، وصارت تمول الإرهاب ذاتياً، وكذا بالنسبة لأنشطة أخرى كالاتجار بالأعضاء البشرية وقتل الناس من أجل هذه التجارة التي يقال بأنها ازدهرت على نحو لافت في تركيا الأردوغانية، وسرقة الأطفال، وبيعهم لعائلات ثرية في الغرب، وازدهار الدعارة وخاصة بالصغيرات من قبل “خلايجة” وقصص معسكر الزعتري تزكم الأنوف، وسرقة وتفكيك مصانع حلب “شنغهاي سوريا” وتهريبها للخليج وتركيا تحت عدسات الأقمار الصناعية الغربية، وتحت نظر وبصر دول أعضاء في مجلس الأمن وحلفاء لها في الإقليم الملتهب.    

وفق هذا المنطق والنهج والأسلوب، بإمكان أية دولة تملك المال، والإعلام، وتستطيع تجنيد الإرهابيين، وشراء الذمم وضمائر الساسة الميتة، وترشي المنظمات الدولية، وتتحالف مع الغرب، أن تفعل ما تشاء دون وازع من مجلس الأمن، أو رادع من أمم متحدة باتت شاهد زور على كل ما يحصل، وبات العالم مسرحاً لممارسة كل أشكال الإجرام والقتل والإبادة والدمار تحت شتى المبررات الواهية، وكل من يملك وسائل إنتاج وتصدير الموت يفعل ذلك دونما مشقة ولا عناء، وما هذا لعمري، إلا شكل من أشكال انهيار القانون الدولي، وانتهاك حرمة واستقلال الدول واستهداف استقرار المجتمعات، وصار العالم غابة لهذه الضباع والوحوش المفترسة التي تشن الحروب وتفتعل الأزمات في رابعة النهار







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز