نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
العفو عن قدرة ضرب من الأسد

تـُستكمل يوماً، بعد آخر، متطلبات الخروج الآمن والميسّر، من نفق الحرب الكونية الجائرة التي شـُنـّت على سوريا، ويتنامى الاضطلاع بالعمل الجاد والمخلص لإيصال السفينة إلى شاطئ، وبر الأمان وسط أنواء عاصفة وهائجة مرّت بها، وذلك عير تفكيك، وتعرية كل خيوط شبكة العدوان التي نسجت حولها بغية إرباكها، وحصارها، وإخضاعها، ومن ثم إسقاطها. فقد تمت، في السياق ذاته، وفي وقت سابق من هذا الشهر، مواجهة التحدي الأكبر، وهو العبور الهادئ والباهر نحو إنجاز الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، والذي كان واحداً من أهم المنعطفات والحلقات الحاسمة في سيرورة هذه الحرب، وتم بموجبه تأكيد إجماع وتماسك وتلاحم السوريين، ووقوفهم صفاً واحداً، في مواجهة ماكينات العدوان المختلفة، ومن وراءهم دولة قوية ومنيعة تدير ذاك الاستحقاق، ببراعة، وتنجزه بنجاح أذهل كيري، رأس حربة الإرهاب، وأحبط "جوقة الأصدقاء"، ودبّ الأسى واليأس في قلوب قوم "ثائرين"، إذ كان المأمول، والمرسوم، في أحد مفاصل الحرب، استحداث فراغ دستوري، ومن ثم "استيراد"، وعبر "ميناء" جنيف الانتقالي، دمى "جربانة" عميلة وهزيلة، مأجورة ورخيصة، وتنصيبها على رقاب السوريين في عملية تفسيخ وتفتيت وتهزيل الكيان الوطني السوري القائم العظيم.

  انتهى الرهان، إذن، وعملياً، على إركاع سوريا وتفكيكها، وتقسيمها، و"صوملتها" وإسقاطها وضمـّها لقافلة، وطابور الدول "الفاشلة" المفككة والمهلهلة والعاجزة، وإكمال طوق التذرير الذي ترسمه الولايات المتحدة الأمريكية عبر العالم، من السودان، لليمين، لليبيا، لأفغانستان، للعراق، والبلقان، وأوكرانيا والصومال...والقائمة تطول وتطول، وعلى العكس من ذلك، فقد بدأت في سوريا عملية إعادة التركيب، والتلحيم، وإعمار وبناء كل ما دمرّته سنوات الحرب. ولئن رسـّخ ذلك الإنجاز التاريخي، قوة وهيبة الدولة، وعزّز من حضورها الفاعل على الأرض، وأفشل كل تلك المحاولات الدؤوب، لإظهار الدولة بمظهر العاجز، والمنهار، والفاشل والفاقد للهيبة، وللقبضة المركزية على مفاصل القرار الوطني، وحقيقة فهذا يقع ضمن نطاق أهم أهداف "الجيل الرابع"، من الحروب اللا متماثلة Asymmetric Wars، وهو "إفشال الدولة"، وفقاً للبروفيسور والعميد في مركز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية، ماكس مانوورينغ Max G. Manwaring، في محاضرته الشهيرة في تل أبيب في الصيف الماضي، حيث ألقى الضوء على، وفسـّر بإسهاب، ما يجري من موجة حروب أمريكية جديدة ضد الدول "المارقة" (الخارجة عن إرادة واشنطن)، والتي ترمي-أي الحروب- في النهاية، وعبر أدوات وآليات جديدة قد يطول شرحها وتكتيكات مجتمعية "ناعمة"، أحياناً، ومن دون أي تدخل خارجي مباشر، إلى إشغال واستنزاف، إلى أن يتم إنهاك الخصم حتى "يستيقظ ميتاً"، بالحرف، كما ورد في ختام المحاضرة المذكورة، نقول لئن رسّخ ذلك الاستحقاق، قوة الدولة وتألقها وفاعليتها، وعنفوانها وطاقمها الإداري والتنفيذي، وعزز مكانتها، وأفشل هدف رئيس من أهداف العدوان، فقد أتى، بعده مباشرة وفي مغزى ودلالات واضحة، مرسوم العفو الرئاسي ليصب في ذات الإستراتيجية، والسياق.

  ومن دون الخوض في جزئياته، وتفاصيل المرسوم القانونية، والتي ينبغي تركها لأهل الاختصاص، فهو يشي، بالدرجة الأولى، ويقول بأن الدولة ما زالت موجودة، وقادرة على ممارسة سلطتها القضائية وهذه من أهم مقومات وركائز الدولة القوية الموحدة، وتطبيق قوانينها، وبسط إرادتها وقرارها على الأرض، وهذه السلطة ما زالت تعمل بكل طاقتها المعتادة، وعلى الرغم من كل جراحات وأوجاع ومخاضات وذيول الحرب الظالمة، والدولة ما تزال بصدد، وعازمة على معالجة، وبتفاصيل مدهشة أحياناً، كل مفرزات وتداعيات تلك الحرب الظالمة والقذرة، وإصدار القوانين اللازمة، والناظمة والفاعلة لذلك، ومن ثم، تنفيذها على الأرض، عبر هيئات ومؤسسات وقنوات وطنية ما تزال، هي الأخرى، قائمة وواقفة على قدميها، وهذا لا يتأتي لدولة ونظام فاشل، لكنه قد لا يسر، في الوقت عينه، جوقة الإنشاد والطرب "الثوري" التي تحاول العزف والتنغيم بغير اتجاه.

وخير دليل على ذلك هو الإقبال، والتجاوب مع سلسلة الإجراءات الحكومية المتعددة لاحتواء ذيول ومضاعفات الحرب المختلفة، ومنها الجانب القانوني، الذي يطال شرائح مجتمعية وأهلية معينة، وذلك عبر تراجع بعض السوريين عن تورطهم في الحرب، وقيامهم بتسليم أنفسهم، وأسلحتهم لقوات الجيش الوطني الباسل البطل، والأجهزة الأمنية، وتسهيل عودة هؤلاء من قبل الحكومة إلى حضن الوطن، وتحقيق المصالحات، والانسحاب الجماعي للمسلحين ومن معهم من المرتزقة الأجانب من بؤر التوتر الساخنة وتحت الإشراف المباشر لقوات الجيش والحكومة السورية، وبكل ما في ذلك من إقرار واعتراف بوجود دولة وإدارة وطنية مركزية فاعلة تضبط وتقود وتوجـّه وتعالج مختلف أوجه وتداعيات الحرب، وهذا، في الواقع، أقسى كابوس، وأوجع ضربة يمكن أن تتلقاها أطراف العدوان البربري الغاشم، وتشكـّل، في آن، نسفاً لواحد من أهم أهداف ومرامي العدوان البربري الأثيم على سوريا. لا خشية، أو جزع، فسوريا ما تزال بألف خير بهمة الشرفاء والأبطال وأهل الخير...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز