عبدالله بدر اسكندر
abdullahvaus@gmail.com
Blog Contributor since:
06 May 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
ثم تاب عليهم ليتوبوا

ينأى القرآن الكريم عن أسلوب التشهير المباشر مع المعارضين لمنهجه، وذلك حفاظاً على عدم التفريق الذي يلحق بأقرانهم من جهة، ومن جهة أخرى يجعل الأبواب مفتوحة لمن يريد منهم أن يصلح نفسه ويلتحق بالمؤمنين، ولذلك فإن الإشارات التي بينت هذا الأسلوب قد تفرقت في القرآن الكريم وكأنها قضية قائمة بذاتها ومتجددة في كل زمان ومكان، ويشهد لما نحن فيه قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام) البقرة 204. وكذا قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة 58. وقوله: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين) النور 22. وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى أناس بعينهم بغض النظر عن قاعدة الجري والتطبيق، ويظهر من الآيات آنفة الذكر أنها لم تشر إلى أسمائهم الصريحة وإنما جعلهتم أشبه بالحالة التي تبينها المقتضيات الآنية أو المواقف الحاضرة في زمن نزول تلك الآيات 

فإن قيل: وماذا عن المؤمنين الذين ذكرهم القرآن الكريم في مواقف مشابهة دون أن يشير إلى أسمائهم؟ أقول: عدم ذكر هؤلاء الأخيار بالاسم يعود إلى السبب نفسه إذا ما أخذنا بمفهوم الآيات المفترضة التي تشير إليهم، ولهذا كان من الأجدى أن لا يتعرض القرآن الكريم إلى ذكرهم بالاسم لئلا يحدث الشقاق في كل زمان ومكان وبطرق مختلفة أكثر من الطرق التي ألفناها، وهذا من أهم الأسباب التي أحدثت الموازنة بين الفرق المختلفة، من هنا يظهر أن عدم ذكر أسماء الأولياء والصحابة يعود إلى السبب الذي قدمنا، أما الأشخاص الذين هم خارج دائرة المنافسة التي يفترق فيها الناس، فلا مانع من ذكرهم بالاسم، ولذا نجد أن القرآن الكريم قد أشار إلى زيد بن حارثة باسمه الصريح كما في قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا) الأحزاب 37. وأنت خبير بأن هناك من هو أعلى كعباً من زيد، ولكن القرآن الكريم لم يشر إلى اسمه الصريح. وهذا يجري في ذكر أسماء بعض الأنبياء والصالحين وأسماء الطواغيت الذين هم خارج دائرة المنافسة الآنية التي كانت في عهد النبي "صلى الله عليه وسلم" ولا تزال جذورها قائمة إلى اليوم دون أن يجد المسلمون حلاً لها 

 وذهب البعض إلى أن عدم ذكر أسماء الأولياء والصالحين لا بد أن يكون لحكمة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يخلو من نقاش، وأضعف منه قول بعضهم من أن القرآن الكريم لم يشر إلى الأسماء مماثلة لتفاصيل بعض الأمور العبادية كالصلاة والصوم والحج وما شابه، وكذلك لا يعتد بقول من ذهب إلى أن ذكر بعض الأسماء يوجب تحريف القرآن أو تبديل تلك الأسماء بأسماء أخرى، وأنت خبير من أن الله تعالى قد تعهد بحفظ القرآن الكريم تكوينياً لا تشريعياً، كما في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر 9. وبناءً على ما مر يظهر أن الآيات التي أشارت إلى الذين تخلفوا عن غزوة تبوك أو الذين كانوا مع النبي "صلى الله عليه وسلم" لا بد أن تكون ناظرة إلى نفس الأسباب التي ذكرناها، علماً أن تلك الآيات قد تطرقت إلى الفريقين دون أن تشير إلى أسمائهم الصريحة، كما قال تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم***وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) التوبة 117-118 

ويظهر من سياق الآيتين أن هناك فرقاً في التوبة المشار إليها حيث إن أصحاب الآية الأولى لم يصدر منهم ذنب بعينه، ولكن الله تعالى أشار إلى قبول توبتهم بدليل قوله: (لقد تاب الله على النبي) علماً أن النبي "صلى الله عليه وسلم" لم يصدر منه ذنباً صغيراً كان أم كبيراً، وفي عطفه تعالى عليه بالمهاجرين والأنصار ما يؤكد عدم صدور الذنب منهم أيضاً، وقد بين تعالى ذلك من حال الفريقين في قوله في الآية الثانية: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) أما في الآية الأولى فإن الكلام قد انتهى عند قوله تعالى: (ثم تاب عليهم) دون ذكر (ليتوبوا) مما يدل على صحة ما قدمنا إضافة إلى تذييل الآية الثانية بقوله: (إن الله هو التواب الرحيم) ولم يرد اسم التواب في الآية الأولى بل ذيلها بقوله: (إنه بهم رؤوف رحيم) فتأمل. من هنا نعلم أن كل آية من الآيتين تحمل جملة من المعاني لا يمكن أن نجد مصاديقها في الآية الأخرى، وإن كان اللفظ يشير إلى بعض المعالجات النفسية وعدم التشهير بأولئك الذين تخلفوا عن النبي في ساعة العسرة، وهذا ما جعل السياق أقرب إلى التنظير المترادف بين الفريقين، ثم بعد ذلك عاد الغرض إلى النتيجة نفسها. هذا ما لدينا وللمفسرين في الآية آراء 

الرأي الأول: يقول الطبرسي في مجمع البيان: أقسم الله تعالى في هذه الآية، لأن لام (لقد) لام القسم بانه سبحانه قبل توبتهم وطاعاتهم، وإنما ذكر اسم النبي "صلى الله عليه وسلم" مفتاحاً للكلام وتحسيناً له، ولأنه سبب توبتهم وإلا فلم يكن منه ما يوجب التوبة، وقد روي عن الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) إنه قرأ لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في الخروج معه في تبوك (في ساعة العسرة) وهي صعوبة الأمر، قال جابر: يعني عسرة الزاد وعسرة الظهر وعسرة الماء، والمراد بساعة العسرة وقت العسرة، لأن الساعة تقع على كل زمان 

ويضيف الطبرسي في مجمع البيان: وقال عمر بن الخطاب: أصابنا حر شديد وعطش فأمطر الله سبحانه السماء بدعاء النبي "صلى الله عليه وسلم" فعشنا بذلك. (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) عن الجهاد فهموا بالانصراف من غزاتهم من غير أمر فعصمهم الله تعالى من ذلك حتى مضوا مع النبي (ثم تاب عليهم) من بعد ذلك الزيغ ولم يرد بالزيغ هاهنا الزيغ عن الإيمان . (إنه بهم رؤوف رحيم) تداركهم برحمته، والرأفة أعظم من الرحمة. (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) قال مجاهد معناه خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم من المنافقين، كما قال سبحانه: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) 

ويضيف في المجمع: قال الحسن وقتادة معناه خلفوا عن غزوة تبوك لما تخلفوا هم، وأما قراءة أهل البيت (عليهم السلام) (خالفوا) فانهم قالوا لو كانوا (خلفوا) لما توجه عليهم العتب، ولكنهم خالفوا. (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) أي برحبها و (ما) هاهنا مصدرية ومعناه ضاقت عليهم الأرض مع اتساعها وهذه صفة من بلغ غاية الندم، حتى كأنه لا يجد لنفسه مذهباً، وذلك بأن النبي أمر الناس بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم، لأنه نزلت توبة الناس ولم تنزل توبتهم، ولم يكن ذلك على معنى رد توبتهم لأنهم كانوا مأمورين بالتوبة ولا يجوز بالحكمة رد توبة من يتوب في وقت التوبة، ولكن الله سبحانه أراد بذلك استصلاحهم واستصلاح غيرهم لئلا يعودوا إلى مثله. (وضاقت عليهم أنفسهم) هذه عبارة عن المبالغة في الغم حتى كأنهم لم يجدوا لأنفسهم موضعاً يخفونها فيه، وقيل معنى (ضيق أنفسهم) ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها. (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) أي وأيقنوا أنه لا يعصمهم من الله موضع يعتصمون به ويلجئون إليه غيره تعالى، ومعناه: علموا أنه لا معتصم من الله إلا به وأن لا ينجيهم من عذاب الله إلا التوبة. (ثم تاب عليهم ليتوبوا) أي ثم سهل عليهم التوبة حتى تابوا وقيل ليتوبوا أي ليعودوا إلى حالتهم الأولى قبل المعصية، وقيل معناه ثم تاب على الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه ليتوب المؤمنون من ذنوبهم، لعلمهم بأن الله سبحانه قابل التوبة، قال الحسن أما والله ما سفكوا من دم ولا أخذوا من مال ولا قطعوا من رحم ولكن المسلمين تسارعوا في الشخوص مع رسول الله (ص) وتخلف هؤلاء وكان أحدهم تخلف بسبب ضيعة له والآخر لأهله والآخر طلباً للراحة ثم ندموا وتابوا فقبل الله توبتهم. (إن الله هو التواب) أي الكثير القبول للتوبة. (الرحيم) بعباده 

الرأي الثاني: يقول الالوسي في روح المعاني: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) إلا أنه جيء في ذلك بالنبي "صلى الله عليه وسلم" تشريفاً لهم وتعظيماً لقدرهم، وهذا كما قال في ذكره تعالى: (فأن لله خمسه وللرسول) الأنفال 41. أي عفا سبحانه عن زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين، وقيل: المراد من ذكر التوبة عليه وعليهم والذنب بالنسبة إليه من باب خلاف الأولى نظراً إلى مقامه الجليل، وفسر هنا على ما روي عن ابن عباس بالإذن للمنافقين بالتخلف وبالنسبة إليهم (رضي الله تعالى عنهم) لا مانع من أن يكون حقيقياً، إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وجوز أيضاً أن يكون من باب خلاف الأولى بناءً على ما قيل، إن ذنبهم كان الميل إلى القعود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقت شديد، وقد تفسر التوبة بالبراءة عن الذنب والصون عنه مجازاً، حيث إنه لا مؤاخذة في كل، وظاهر الإطلاق الحقيقة، وفي الآية ما لا يخفى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلهم. انتهى. وفيه: إن القرآن الكريم لم يتطرق في جميع آياته إلى أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قد مال إلى ترك الأولى كما أشار 

الرأي الثالث: قال ابن عجيبة في البحر المديد: يقول الحق جل جلاله: (لقد تاب الله على النبي) أي برأه وطهره من الذنوب كقوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الفتح 2. وتاب على (المهاجرين والأنصار) مما عسى أن يكون ارتكبوه، إذ لا يخلو العبد من ذنب أو عيب، وقيل: هو حض على التوبة وإظهار لفضلها، بأنها مقام الأنبياء والصالحين، وقيل: تاب عليهم من نقص المقامات التي ترقوا عنها، إلى ما هو أكمل منها، فما من أحد إلا وله مقام يستنقص بالنسبة إلى ما فوقه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (رضي الله عنه) ذكر توبة من لم يذنب، لئلا يستوحش من أذنب لأنه ذكر النبي "صلى الله عليه وسلم" والمهاجرين والأنصار، ولم يذنبوا، ثم قال: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) فذكر من لم يذنب ليؤنس من قد أذنب، فلو قال أولاً: لقد تاب الله على الثلاثة لتفطرت أكبادهم. انتهى 

 فإن قيل: هل تقبل التوبة من الطغاة أو أصحاب الكبائر؟ أقول: نعم تقبل من حيث وقوعها تحت هذا المسمى إلا أن متعلقاتها لا يمكن أن تطبق على الأرض 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز