حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
امنحوا مصر والسيسى فرصة كى يتنفسا

مما لاشك فيه أن نتائج التصويت فى انتخابات رئاسة الجمهورية ....ليست أصواتا للسيسى أو حمدين ...انما هى تصويت على استخراج شهادة وفاة حسن البنا وأحفادة من خرفان جماعة الخوان الغير مسلمين !!!.... لقد تغير الوضع كثيرا عما كان عليه في انتخابات مرسي والتهديد بإحراق مصر.... الإخوان خلال الفترة السابقة خسروا كل رصيدهم من المصداقية على الصعيدين الداخلي والخارجي، لقد خسروا القارئ والمستمع والمشاهد لجميع وسائل النشروالتلفزة ووسائل التواصل الحديثة، إذ تسبقهم إلى ذهنه دائما عبارة (احذر فأنت تتابع أناس لا يعرفون الصدق ويعتبرون الكذب قربة)...... لقد شاهدت الملايين في الداخل والخارج صفوت حجازي لحظة القبض عليه وهو ينكر أي صلة له بالإخوان .... حتى أصبح يضرب به المثل على كذب الإخوان، ورأيت إسفاف قادتهم أثناء المحاكمات كأنهم صبية، ورأيت فتياتهم أشد ترهيبا من عتاة البلطجية، يقطعن الطرق ويستخدمن الشماريخ ويغلقن الجامعات، لقد تماهى الإخوان في الإرهاب فأصبحوا مثار ريبة لا مصداقية لهم البتة.... على صعيد أخر انتهت انتخابات مصر الرئاسية، التي تعتبر الترجمة القانونية من خلال صندوق الانتخابات لمن خرجوا في 30 يونيو 2013.....المصريون حسموا بخروجهم المعركة الانتخابية لصالح عبدالفتاح السيسى ، ومع ذلك تبقى شرعية النظام والرئيس «مش في الصندوق فقط».... رئيس مصر القادم ليس سرا الآن .... ولكن ما بعد انتخابات الرئاسة هنا ستبدأ الأسئلة الصعبة والتحديات الأصعب..... وهذا يفرض على الرئيس الجديد المشير السيسي تبني استراتيجية جديدة لم يتعود عليها، اللعبة أكبر وأعقد، هي أشبه بإدارة أكثر من حرب على أكثر من جبهة..... على طريقة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق، الذي كان يرى أنه على الإدارة الأميركية أن تدير أكثر من حربين في وقت واحد.... هذه التحديات وطريقة التعامل معها، ومصر تكتب فصلا جديدا من تاريخها بقيادة جديدة، وربما شعب جديد....

على صعيد أخر دائما تأتى المقارنة لتربط بين مصر وباكستان وتركيا من حيث علاقة الجيش بالمجتمع ودور الجنرالات في السياسة وعلاقة الجنرال بالدين والدولة !! لدرجة أنهم قارنوا المشير عبد الفتاح السيسي بجنرال باكستان محمد ضياء الحق !!... رغم أن ألف باء سياسة تقول : (أن النظم السياسية أكبر من الأفراد)....لكن كتيبة الكتبة لصالح الأخوان كلهم اصرار بهدف الأضرار ويركزون على الشخص لا على النظام السياسي وكأن مصر مفرغة من القوى الاجتماعية المختلفة !!....نعم هناك وجاهة وإغراء في مثل هذا التناول فهو شيق من حيث القراءة ويسهل مهمة الباحث كما أن الشخصية الكاريزمية الطاغية مغرية بالدراسة. وظاهرة المشير عبد الفتاح السيسي تستحق التمعن لما لشخصيته من حضور قوي أقنعت المصريين بالخروج الأكبر في التاريخ إلى الشوارع لمنحه تفويضا لمواجهة الإرهاب.... لكن المشير السيسي ليس أتاتورك وليس ضياء الحق !!..... ولكن الرجلين يمثلان فى مخيلة السيسى محددات الصندوق السياسي الذي يتحرك فيه بالطريقة نفسها التي يمثل بها النموذجان الباكستاني والتركي الصندوق الذي يحدد طبيعة النظام السياسي المصري القادم..... فالنظام المصري غير قادر على أن يصل إلى علمانية أتاتورك بوضوحها الذي لا لبس فيه، الى جانب أنه بعيد كل البعد من تلك الصورة المتشددة لخلط الدين بالسياسة في النموذج الباكستاني رغم ظهور قوى اجتماعية في مصر تستقي من المودودي طرحه الديني ومن جماعات التطرف المتأسلم كثيرا من صفاتها وتدفع مصر في هذا الاتجاه دفعا....

السيسي لم يكن ولن يكون تلك الشخصية المتزمتة دينيا كما حاولت أن تروج عنه جماعة الإخوان بعد أن تسلم قيادة الجيش من المشير طنطاوي.... فهو رجل مسلم وسطى يتسم بالتقوى على الطريقة المصرية، ولكنه ضابط منضبط في المقام الأول وولاؤه لوطنه ومؤسسته العسكرية....... ولكن ربما هناك وجه تشابه بين علاقة السيسي بالرئيس المعزول محمد مرسي الذي عينه في منصبه ورقاه لرتبة فريق أول، وعلاقة ذو الفقار علي بوتو والجنرال ضياء الحق الذي رقي أيضا قبل أن يقوم بعزل علي بوتو، كما عزل السيسي مرسي..... ولكن الأول كان بانقلاب عسكري كلاسيكي والثاني استجابة لمطلب ملايين المصريين الذين ملأوا الشوارع والميادين.... والأميركيون مغرمون دائما وأبدا بدعم الجنرالات في العالم الثالث، حتى جمال عبد الناصر نفسه كان محل دعم أميركي..... حيث وقفوا معه ضد العدوان الثلاثي في عام 1956 ضد فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، ولكن ناصر غير وجهته بعد ذلك وخسر الأميركيين..... لذلك السيسي قريب من حالة عبد الناصر أو ربما خليط بين عبد الناصر والسادات .... ضياء الحق كان الجنرال ذاته في باكستان، وأيضا على عكس ما يقال عن تدين ضياء الحق .... إلا أن ضياء الحق عندما كان يعمل في الأردن كمستشار عسكري قبل عودته إلى باكستان، يقول عنه من عرفوه هناك أنه كان رجلا معتدلا في تدينه ولم يكن متشددا.... أما الجنرال أتاتورك فقد ظهر في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت الذي كانت تنهار فيه الإمبراطورية العثمانية، وكان أتاتورك رجلا ثوريا من الناحية الاجتماعية حيث غير حروف لغة الكتابة وأمر بمنع حجاب المرأة بمعنى النقاب.... ولكنه لم يكن ديمقراطيا كما تصوره الميثولوجيا التركية، فقد كان رجلا عسكريا علمانيا لكن كانت به كل ملامح التسلط.....

ومع ذلك خلف من بعده نظاما أخذ تركيا إلى الأمام وخلق نموذجا يكون فيه الجيش حاميا للديمقراطية. .... لذلك الحديث اليوم في العواصم العالمية المهمة يركز على شخص السيسي على أنه أتاتورك ليس من زاوية العلمانية، ولكن من زاوية دور الجيش كحام للدستور ووجود رجل قوي على رأس المؤسسة المكلفة حماية الدولة وحماية الدستور، وتكون حكما بين القوى الاجتماعية والسياسية في البلاد.... غذى هذا التصور في الغرب وقتها ، التصريح الذي قاله المتحدث العسكري المصري الذي أكد على أن السيسي يفضل موقعه الحالي كقائد للجيش وهو منصب ما بعده منصب. كثيرون في الغرب يفضلون السيسي في موقعه، ولكن المصريين، أو على الأقل شرائح واسعة منهم، فضلت السيسي رئيسا خصوصا بعد ترك المتحدث العسكري الباب مواربا حين قال بأن للسيسي الحق في الترشح للرئاسة مثله مثل أي مواطن مصري عند خروجه من القوات المسلحة.....اللافت للنظر أن السيسى ليس الجنرال ضياء الحق إذ جاء نقده لجماعة الإخوان المسلمين من منطلق أنهم جماعة لا تؤمن بالدولة الوطنية، جماعة عابرة للحدود تريد إقامة نظام خلافة لا علاقة له بالدولة المصرية. كل كلام السيسي وتحذيراته تبعدنا كثيرا عن نموذج ضياء الحق فهو رجل لا يخلط الدين بالسياسة .... السيسي يتحدث بألم عن أميركا التي أدارت ظهرها للشعب المصري وللجيش المصري الوطني المعتز بوطنيته.... السيسي هنا ليس ضياء الحق.... كما أنه ليس أتاتورك.... السيسى نموذج مصري خالص، نموذج ثالث وهو أيضا ليس البكباشي جمال عبد الناصر. السيسي خليط بين عبد الناصر والسادات ويجب ألا يتخوف الغرب من السيسى....

نتيجة انتخابات الرئاسة المصرية بكل أسف لن يحسمها صندوق الانتخاب وحده، بل ستحسمها مظاهرات الشوارع والميادين، ليس في المدن المصرية، وإنما في مدن العالم، وعلى شاشات التلفزة العالمية، وفي فضاءات العولمة الجديدة المتمثلة في الإنترنت من «فيسبوك» و«تويتر» وغيرهما..... شرعية الانتخابات وقبولها لن يكون فقط داخل حدود الدولة المصرية، بل جزء كبير منها سيكون عالميا في طبيعته، وهذا هو التحدي الأكبر، الذي يجب أن يجهز الجميع أنفسهم له...... إنها معركة تحديد الأغلبية القانونية الهادئة مقابل الأقلية الناعقة..... أي كتلة من هاتين الكتلتين يعتبرها الخارج ممثلة لنبض الوطن وروحه..... وهذه الظاهرة ليست مصرية، حتى لا يتعجل البعض الحكم، بل هي ظاهرة عالمية من انتخاب بوتين رئيسا لروسيا إلى أوكرانيا، ومن قبلها دول البلقان ووسط أوروبا بدرجات أقل..... وبهذا تكون القصة ليست الانتخابات، بل ما بعدها، وتصبح القصة ليست الصندوق، بل من سيخلق الكتلة الأكبر، ويسوقها لتبرر ما في الصندوق، وتشرعنه، فيصبح رمزا للوفاق، أو تعلنه مزورا فيصبح رمزا للشقاق.....

إذن، التحدي الكبير ليس إجراء انتخابات نزيهة، ولكن ما بعد انتخاب الرئيس، حيث تبدأ معركة شرعية هذه الانتخابات في الداخل والخارج....لذلك أطرح سؤالا لم يمر على بال أحد : هل شرعية الانتخابات وقبول نتائجها في مصر شرعية محلية أم دولية؟ .... وأين تكسب الانتخابات، هل يكسب المرشح الانتخابات في الصندوق، أم يكسبها في ميادين مصر وشوارعها؟ ... أرجعوا بالذاكرة للوراء قليلا من يتذكر كيف فاز الإخوان بانتخابات الرئاسة السابقة... لا ينسى لحظة خروج «الإخوان» في الساعة الرابعة فجر الاثنين (18 يونيو 2012)، عندما خرج أعضاء مكتب الإرشاد، وكل من كانوا جزءا من حملة محمد مرسي الانتخابية، وأقاموا مؤتمرا صحافيا في شكل احتفالي وكرنفالي أعلن فيه «الإخوان» بصفة منفردة أن محمد مرسي هو الفائز في الانتخابات، وتوالت الساعات، وبعدها احتل «الإخوان» ميادين مصر احتفالا بالنتيجة، ولم تكن هناك نتيجة قد أُعلنت بشكل رسمي، ولكن «الإخوان» أوهموا الوطن كله، وكذلك العالم، بأنهم هم من فازوا بالانتخابات، وأن أي نتيجة أخرى ستُعلن هي تزوير لإرادة الأمة... وأمام حركة الصياعة هذه، وضع «الإخوان» لجنة الانتخابات والمجلس العسكري في مأزق كبير أمام الرأي العالمي والمحلي.... وامتلأ الفضاء «الفيسبوكى» و«التويترى» بتهديدات النشطاء الاخوانجية الذين أعلنوها صراحة، بأنهم سيحرقون مصر لو أعلنت لجنة الانتخابات، ومعها المجلس العسكري بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، فوز الفريق أحمد شفيق..... الفضاء الإلكتروني والصحافة والتلفزيونات العالمية أعلنتها صراحة : إما مرسي أو أن الانتخابات مزورة ولا شرعية لها لا محليا ولا دوليا....

لقد أعلن «الإخوان» فوزهم وبوضع اليد في «وش الفجر»،هذه الفعلة الشنعاء لم تكن ابتكارا إخوانيا ولا عبقرية فريدة في فن سرقة الانتخابات، أو في إيجاد بلبلة حول نتيجة الانتخابات وشرعيتها، قبل ظهورها، والضغط على الداخل والخارج بضربة استباقية لقبول فوز الجماعة..... ما قام به «الإخوان» هو نفس ما فعله من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في انتخابات الرئاسة في روسيا في 4 مارس 2012.... أي قبل انتخاب محمد مرسي ببضعة شهور، أن نقل الحالة الروسية لم يكن البداية ولن يكون النهاية..... في الحالة الروسية التي نقلتها جماعة الإخوان فعل فلاديمير بوتين ما فعله «الإخوان»..... فقبل أن تشكك لجان المراقبة الدولية أو المعارضة في انتخابات 2012، أعلن الرئيس الروسي أمام جماهيره في الميدان الأحمر وأمام الشاشات، أن الفائز بالانتخابات هو فلاديمير بوتين...... بعد هذه الحركة، ورغم تشكيك الصحافة العالمية والمراقبين في النتيجة، وحديثهم عن التزوير، كانت النتيجة قد حسمت محليا في الميادين الروسية، وعلى شاشات التلفزيون الروسي، بصور للحشود الكبيرة التي تحمل صور بوتين.....

الحالة المصرية في الانتخابات الرئاسية ستكون أكثر تعقيدا؛ فالعالم على الأقل اعلاميا ما زال منقسما (ربما بشكل غير متساوٍ) في تعريف ما حدث في مصر في 3 يوليو 2013.... البعض قبل رؤية «الإخوان»، مثل قناة «الجزيرة»، وصحيفة الـ«غارديان» البريطانية، وسماه انقلابا.... والبعض أذعن للرؤية المصرية التي تقول إن ما حدث في 3 يوليو هو انحياز الجيش المصري للإرادة الشعبية ضد نظام الإخوان بالطريقة نفسها التي انحاز بها للشعب ضد مبارك في يناير 2011... بالطبع كسبت جماعة الإخوان كثيرا في الإعلام العالمي، وكانت أنجح من الدولة في الترويج لرؤيتها من القصة، والأسباب كثيرة منها قدرة تنظيم الإخوان على توفير المعلومة للصحافة والتلفزة العالمية بشكل استباقي، يحدد ملامح الحوار العالمي حول مصر، قبل أن تصحو بيروقراطية الدولة المصرية من النوم العميق الذى يشبه نوم أهل الكهف ....الى جانب نوعية من يسوقون الرسالة الإعلامية.... ففي «جماعة الإخوان»، يقاتل أعضاء «الإخوان»، كل على طريقته، في الإعلام العالمي لإنقاذ سمعة التنظيم الاخوانى... فالتنظيم هو الأصل، والأفراد مجرد أدوات كل هدفهم هو إنقاذ التنظيم...... أما من يعملون في بيروقراطية الدولة، وخصوصا في الخارج، فعيونهم على إحراز نقاط لمصلحتهم هم، من أجل لفت نظر من يحكمون في القاهرة، في ظل هذه التحديات الجديدة يجب علينا جميعا أن نتعامل مع أسئلة صعبة من نوع: هل تحسم نتيجة الانتخابات على شاشات التلفزيون المحلي أم على شاشات التلفزيونات العالمية؟ أم أن نتيجة الانتخابات وشرعيتها ستصنع في «تويتر» و«فيسبوك» والفضاء الإلكتروني الحديث؟....السيسي نتيجة طبيعية للثقافة السياسية المصرية التي تختلف كثيرا عن باكستان وتركيا.... ويجب ألا نتعجل في الحكم على الرجل ونضعه في قوالب جاهزة مثل ضياء الحق أو أتاتورك..... امنحوا مصر الفرصة كي تلتقط أنفاسها وامنحوا هذا الرجل فرصة.... لا نريد نموذج تركيا ولا نموذج باكستان فالسيسي ليس ضياء الحق أو أتاتورك..... نريده مصريا وهو حسب كل المؤشرات يبدو كذلك.... فقط لا تخنقوا الرجل وامنحوه ومصر مساحة كي يتنفسا....







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز