زكرياء حبيبي
zakariahabibi81@yahoo.fr
Blog Contributor since:
01 April 2011

كاتب من الجزائر

 More articles 


Arab Times Blogs
مُسودّة دستور لتبييض سواد واقع الجزائريين

بعدما حطّم الرقم القياسي في البقاء على كرسي الرئاسة في الجزائر، وبعدما حطّم إرادة الشعب، وانتزع العهدة الرئاسية الرابعة في استحقاقات أبريل/نيسان 2014 باستعمال شتى أنواع التزوير المفضوح، ها هو الرئيس بوتفليقة أو بالأحرى حاشيته التي أرغمته على دخول معترك الإنتخابات الرئاسية، برغم عجزه ومرضه المزمن، تخرج على الجزائريين لإسماعهم أغنية جديدة، تحمل عنوان "تعديل الدستور"، وإقرار إصلاحات تراها "عميقة وواعدة".

هذه الإصلاحات التي إختزلتها مسودة تعديل الدستور، في تعديل 47 مادة، أهم ما يُميّزها، هو تحديد عدد العهدات الرئاسية، لتصبح عهدة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، لتكريس مبدأ التداول السلمي على السلطة، لكن المعروف لدى العام والخاص، أن العهدات الرئاسية كانت محددة في عهدتين فقط في دستور 1996، وأنّ الرئيس بوتفليقة هو الذي فتح قفل العهدات الرئاسية، عبر تعديل جزئي للدستور سنة 2008، وبالتالي فالحديث عن الإصلاح هذه المرة، يُعتبر حديثا مغلُوطا ومُغالطا، ويتوجب استبدال مصطلح الإصلاح، بمصطلح الإقرار بالخطأ، أو التوبة، أو العودة إلى جادة الصواب، لأن الإصلاح في مفهومه الدقيق، هو الإنتقال إلى ما هو أحسن وأفضل، وبوتفليقة في مسودة التعديل الدستوري، إنّما يعود إلى الوراء، لاسترجاع المكاسب الديموقراطية التي وأدها في السابق، كما أن حديث المسودة عن تعزيز الحريات الفردية والجماعية، وبالأخص حرية الصحافة والإعلام، يفقد هو الآخر جديته ومعناه، فخلال عهدات بوتفليقة الثلاث، تمّ خنق الحريات وتمييع الفضاء الإعلامي، وتحويل الإعلام العمومي إلى إعلام حكومي بامتياز، وفي الوقت نفسه، تمّ فتح قطاع الإعلام أمام أصحاب الأموال الوسخة، الذين تهافتوا على إنشاء المؤسسات الإعلامية من جرائد وقنوات تلفزيونية، لخدمة مصالحهم بالدرجة الأولى، وما تبقى من صحافة مهنية محترفة، تمّ التضييق عليها، بحرمانها من الإشهار، أو تمكينها بحصة لا تسمن ولا تغني من جوع، حصة إشهار تُبقيها على قيد الحياة فقط، ولا تُمكنها من التطور والذهاب بعيدا في خدمة المواطن وتمكينه من حقه في الإعلام.

وفيما يتصل بالأحزاب السياسية، حولها الرئيس بوتفليقة، إلى دكاكين لبيع المواقف والدعم السياسي في المواعيد السياسية الهامة، وما إن تنتهي هذه المواعيد، تُسارع إلى إغلاق أبوابها، في انتظار فتح مزايدات سياسية لشراء الذمم.

أما عن السلطة التشريعية، فحدّث ولا حرج، فباعتراف بعض النواب في البرلمان، أن الأخير اقتحمه بارونات المخدرات وحتى عاملات النظافة، وكل من هبّ ودبّ، لا لشيء سوى لتشويه إرادة الشعب الجزائري، وإقصائه بشكل مُخز عن ممارسة سيادته الفعلية، فكان أن تحول البرلمان إلى صندوق بريد لاستلام مشاريع القوانين الآتية من الحكومة والمصادقة عليها لا غير، والحال نفسه عاشته السلطة القضائية، التي فقدت ما اكتسبته من استقلالية في وقت مضى، وأصبح بالتالي القضاة تحت رحمة وسيف وزارة العدل، التي تعزل من تشاء وترقي من تشاء، وتنقل من تشاء من القضاة، ما دامت الأغلبية في المجلس الأعلى للقضاء، هي بيد الجهاز التنفيذي، وهذه الظاهرة كان لها انعكاساتها على المواطنين بالدرجة الأولى، حيث أصبحت آلة القضاء تنتج أرقاما لا أحكاما، فالقاضي بات يُسأل عن عدد القضايا التي فصل فيها، لا عن نوعية الأحكام التي أصدرها، ولن نتحدث هنا عن الضغوط التي يتعرض لها القضاة أثناء ممارسة مهامهم، لأن قضاء خاضعا للإدارة، لا يمكنه أن يكون عادلا، ونزيها، وأهل القضاء أعرف الناس بما مُورس على العدالة من ضغوط ومساومات خاصة في قضايا الفساد، التي هزت الجزائر بشكل غير مسبوق في العهدات الرئاسية الثلاث لبوتفليقة، ويكفي أن أشير هنا إلى الإستغراب الذي أبداه فاروق قسنطيني رئيس  اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، بخصوص التأجيل غير المبرر لبرمجة قضية عبد المومن خليفة في الدورة الجنائية القادمة.

هذا الإستعراض السريع لحال السلطة القضائية والتشريعية، والسلطة الرابعة أي الإعلام، يبرز إلى أي حد نجح الرئيس بوتفليقة، في تدجين وترويض هذه السلطات، وبالتالي نجاحه في بسط إرادته وإرادة حاشيته على كامل الشعب الجزائري، وهو اليوم وكعادته، يحتكر لنفسه سلطة تحديد ما يجب أن يكون عليه الإصلاح، ويحتكر سلطة اختيار من يُحاورهم من هذا الشعب، فرئاسة الجمهورية أكدت أنها "وجهت 150 دعوة إلى الشركاء المعنيين بمشاروات تعديل الدستور"، من أحزاب وجمعيات وشخصيات وطنية.. وكأنّ باقي الشعب الجزائري غير معنيين بهذه المشاورات، بل ولا يُعتبرون شركاء.. ويكفي هنا أن نشير إلى أنّ حوالي 50 بالمائة من الناخبين الجزائريين لم يصوّتوا خلال الإنتخابات الرئاسية التي جرت يوم 17 أبريل/نيسان 2014، إذا نحن أخذنا بأرقام وزارة الداخلية الجزائرية، أما إن نحن إعتمدنا على ما أجمع عليه غالبية المراقبين المستقلين لهذه الإنتخابات، فسنصل إلى الجزم بأن حوالي ثُلُثي الناخبين لم يشاركوا في إقتراع 17 أبريل، ولا يُمكن والحال كذلك، أن تُقنع السلطة السواد الأعظم من الجزائريين، بأنّ من دعتهم للمُشاورات، يُمثلونهم فعلا، وأكثر من ذلك كلّه، هل ستنجح هذه السلطة بأساليبها غير الديموقراطية، في إسترجاع ثقة الشعب الجزائري، عبر هذه المُشاورات العبثية التي سيُقاطعها العديد مّمن وُجهت إليهم الدعوة.

برأيي أن أهم ما تضمنته مسودة تعديل الدستور، هو إغفالها في الوقت الحالي، الإشارة إلى خلق منصب نائب لرئيس الجمهورية، وأقول في الوقت الحالي، لأنه لا يُستبعد بعد إنطلاق المشاورات التي سيقودها أحمد أويحيى رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، أن تُضاف مادة للدستور، لإنشاء هذا المنصب، -"وهذا نُزولا عند رغبة الشركاء السياسيين"-، وأرى أن إغفال الإشارة إلى مسألة إنشاء منصب نائب للرئيس، كان متعمّدا، بل هو طُعم، لطمأنة المعارضة السياسية، وجرّها بالتالي إلى زريبة المُشاورات، وإن إستبعدنا هذا الإحتمال، قد نصل إلى فرضية أخرى، مُؤدّاها أنّ بوتفليقة لم ينجح في إقناع دوائر قوية في السلطة، لتبني فكرة إنشاء منصب نائب رئيس الجمهورية، تكون من صلاحياته القيام بمهام الرئيس بالوكالة، وإتمام عهدة الرئيس في حال حُدوث أي مانع دستوري، والحال كذلك، يمكننا أن نقول بأنّ حاشية بوتفليقة قد خسرت أهمّ رهان عوّلت على تجسيده من خلال العهدة الرئاسية الرابعة لبوتفليقة، وهذا ما سيُبقي باب الإحتمالات مفتوحا عن آخره، بل وسيُبقي عنصر المُفاجأة قائما على الدّوام، خاصة في ظلّ الحالة الصحية المتدهورة لبوتفليقة، والتي لم تُمكّنه حتى من قراءة نص الخطاب الذي كان مقررا أن يتوجه به إلى الشعب الجزائري مُباشرة بعد أدائه اليمين الدستورية.

بين مُعادلة الإحتمال والمُفاجأة، سيكون على من وُجهت لهم الدعوة للمُشاركة في المشاورات، أن يُحدّدوا هم كذلك موقفهم بوضوح، فهل سيقبلون بالمُغامرة، والدخول في مُشاورات مُبهمة، قد تُفضي إلى تعديل دُستوري يُكرس هيمنة حاشية بوتفليقة حتى لا أقول بوتفليقة شخصيا، لأننا سنكون هذه المرّة في مُواجهة علنية مع السيد أحمد أويحيى، الذي ينعته غالبية الجزائريين ب"رجل المهمات القذرة"، والذي لن يضرّه في شيء، إقحام أي تعديل دستوري، يُبقي على هيمنة بوتفليقة وحاشيته، ما دام أن مصالحه ستكون مُصانة ومحفوظة. أم أن هؤلاء "الشركاء"، سيعون أخيرا، أنّ اللعبة خطيرة للغاية، وتزكيتهم لمُسودة دستور بعيدا عن رغبة وإرادة الشعب الجزائري، ستُسوّد تاريخهم إلى الأبد.

برأيي أن ما يحصل هو شكل من أشكال اللعب الصبياني لا غير، وأنّ المخرج الآمن من الأزمة الراهنة، يتطلب قبل كلّ شيء، الوعي بأن الجزائر ليست في مأمن ممّا حصل ويحصل في وطننا العربي والإسلامي، وأن أفضل وسيلة للخروج بالجزائر إلى برّ الأمان، هي ليست توسيع دائرة المشاورات، بل إنزال همومنا ومشاكلنا السياسية إلى القاعدة الشعبية، لمناقشتها بعيدا عن هيمنة من زوّر وتسلّط على الشعب الجزائري، وهذا عبر الإتفاق على تشكيل هيأة للإشراف على هذه النقاشات، لا يكون أعضاؤها ممن تآمروا على الشعب، ووفروا الحماية للفساد والمُفسدين، هيأة تتكفل بإدارة حوار وطني جاد وهادف، يُفضي إلى تحقيق انتقال حقيقي إلى الديموقراطية، ودولة الحقّ والقانون، لأن من يدعي الحكم باسم الشعب، يتوجّب عليه بدءا أن ينزل إلى هذا الشعب، وألا يُنصّب هو بنفسه، نخبا بحسب رغبته ومزاجه، ويدعي أنها هي من تُمثّل هذا الشعب، وهذا ما نعيش تفاصيله اليوم والحديث قياس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز