حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
أكسروا حاجز الخوف من الطبقة الوسخة

التهريج السياسى يعنى التنظيم الإخواني المتأسلم في أوضح صوره ... فبينهم وبين القانون عداء دائم وكراهية وحرب لا تنقطع... فما أن اعتلى ممثلهم ومندوبهم لدى مؤسسة الرئاسة محمد مرسي سدة الحكم حتى كانت حربه الأولى مع القانون ممثلاً في المحكمة الدستورية، واستمرت حروبه مع القانون تتواصل لتصبح شغله الشاغل .... ويدعمه في حربه على القانون، والذي يهدف لأخونة مصر جيش إلكتروني كبير في ساحات التويتروالفيسبوك ولكن مجموعات أخرى كبيرة العدد لم تقف مكتوفة الأيدي وهي ترىمصائب هذا المرسي الذي تسيره دون شك بوصلة مرشد التنظيم الأعلى للأخوان المتأسلمين !!... لقد أفاقت أنظمة الإسلام السياسي من نشوة التفوق في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر لتواجه استحقاقات الواقع وتحويل الشعارات البراقة إلى برامج قابلة للتنفيذ، بعد أن ألهبت بها مشاعر الجماهير، مستغلة أشواقها المنبثقة من إيمانها العميق بدينها ورسالته الخالدة!!...وعندما جاءت ساعة العمل، اتضح خواء الشعار الذي ظل مرفوعاً لأكثر من 80 عاماً، ولم تستوعب التنظيمات المتأسلمة، الدروس المنبثقة من تجربة السودان، الذين نفذوا أول انقلاب عسكري باسم الإسلام السني، وظلوا في سدة الحكم لأكثرمن ثلاثة وعشرين عاماً، نتج عنها حصاد الهشيم، حطموا دولة من أكبر دول القارة الافريقية ومن أغنى دول العالم بثرواتها الطبيعية البكر، فمزقوها وأفقروها وشتتوا أبناءها على اتساع قارات العالم!!...

وهنا يقفز للذهن لماذا لم تحدث الثورة فى صعيد مصر ؟ ....لماذا لم تحدث ثورة في تلك المساحة الجغرافية التي تسمى بحزام الفقر في مصر والممتدة من هرم خوفو في الجيزة حتى معبد أبو سمبل جنوب أسوان؟ ... المتعارف عليه فى العلوم السياسية هو أن من يقومون بالثورات هم تلك الفئات المهمشة جغرافيا واقتصاديا والتي تعاني من نقص في التنمية والحياة الكريمة.... ومنطقة صعيد مصر كلها تعيش في عالم ما قبل الحضارة والحداثة، حيث ترى الفلاح وليومنا هذا في الصعيد يحرث أرضه بالمحراث ذاته الذي تجره البقرات والذي تراه مرسوما كما هو على جدران المعابد الفرعونية !!!..رغم هذا التوقف في الزمن، ترى لماذا لم ينخرط هؤلاء في الثورة؟...لماذا لم ينخرط الصعيد في الثورة المصرية؟... مما لاشك فيه أن ثورة الجياع التي يخافها الكثيرون لم تحدث، تلك الثورة التي تحذر النخب منها لأنها ستأكل الأخضر واليابس، مع أنه واضح في تحذير الطبقة السياسية النخبوية من ثورة الجياع نوع من التمني وكأنهم كانوا يتمنون أن ينقذهم هؤلاء الجياع والمهمشون من قبضة «الإخوان» أثناء غترة حكمهم لمصر .... من منظور تخطيط المدن لأماكن حدوث الثورات في ما يسمى بميادين الحرية....لقد انتقم الخديوى اسماعيل من عبد الناصر!!.. مصر الخديو إسماعيل بميادينها، مثل ميدان الإسماعيلية (نسبة إلى الخديو إسماعيل والمعروف بميدان التحرير الآن) وميدان القائد إبراهيم في الإسكندرية، هي التي سمحت بتجمع مليوني للبشر...... أما مصر عبد الناصر، التي لم تعتمد مساحات الحرية كنظام في المعمار وتخطيط المدن، لم يكن فيها ميدان واحد يستوعب أن يتجمهر به مائة شخص... وكان هذا هو تخطيط مدن الصعيد وعشوائيات القاهرة.... لم يتظاهر الصعايدة من وجهة النظر هذه لأن مصر عبد الناصر لم تترك لهم مساحة للتظاهر بتبنيها المعمار الشمولي في تخطيط المدن.... ليبرالية الخديو في تخطيط المدن انتقمت لحفيده الملك فاروق من شمولية تخطيط عبد الناصر ونظامه ومن أتوا من بعده....

من يعرف تاريخ الصعيد جيدا ، يدرك أن الصعيد في عهد أسرة محمد علي كان أبناؤه يرفضون التجنيد.... لذلك كان يتم بتر أصبع الزناد أو السبابة من اليد اليمنى مع ختان الطفل حتى لا يتم تجنيده في حوش أفندينا..... فيعفى من الخدمة لأنه غير لائق طبيا، حيث لا يستطيع أن يضغط على زناد البندقية من دون أصبع السبابة المقطوعة مع ختان الطفل..... كان أيضا أهالي الصعيد يتهربون من الضرائب، وكانت هناك عائلات تقتل جباة الضرائب!!... النقطة هنا وباختصار، أن الصعيد كان دائما لا يريد الانخراط في الدولة، ويحاول قدر المستطاع أن يتجنب عنفها ضده ويتجنب حروبها التي تشنها ولا يريد أن يشارك فيها..... والدخول في الثورة هو نوع من الانخراط في الدولة التي يحاول الرجل الصعيدي طوال حياته أن يتجنبها....... ومن هنا لم يدخل في الثورة لأنها ستجلب إليه الدولة إلى عتبة داره وهو الذي قضى عمره كله محاولا الابتعاد عن خيرها وشرها لأن شرها في الغالب أكثر من خيرها..... لقد كان الرجل الصعيدي يتبع استراتيجيات مقاومة للدولة حتى في زراعته، رغم أنه ابن الوادي، فلم يكن يزرع القطن الذي تحصله الدولة إلا نادرا، كما أنه في أماكن قليلة يزرع محاصيل مثل القصب عندما يكون قريبا من مصانع السكر، حيث يستطيع حماية محصوله ولا يمكن استغلاله.... المهم أن زراعات الصعيدي لا يمكن تتبعها عن طريق الضرائب أو حتى الاستحواذ عليها بالقوة....للأسف هناك من يرى بأن الصعيد من المناطق المتخلفة ويجب أن تُضم إلى سيطرة الدولة.... هؤلاء الناس يا سادة ليسوا متخلفين، وإنما أهل حضارة..... فمثلا مصر كانت في القديم تحكم من طيبة (الأقصر الآن) أو من أبيدوس في سوهاج.. إلخ. لكن هؤلاء الناس رأوا في تركيبة الدولة الحالية وبنيتها ظلما بينا لهم..... ظلما لا يستطيعون تعديله.... لذلك قرروا طواعية تجنب الدولة عملا بمبدأ : (ابعد عن الشر وغني له).. فالدولة بالنسبة لهم شر مطلق سواء أكانت دولة ثورية أو ديكتاتورية...على صعيد أخر هناك صنف من أهل الصعيد قرروا الانخراط في الدولة لكنهم لم ينخرطوا فيها من الصعيد، بل ذهبوا إلى «مركز الحكم» في القاهرة، وعاشوا هناك، وشاركوا في الثورة أو الثورات بهويتهم الصعيدية، لكنها ثورة ليست في الصعيد كمكان وإنما ثورة هوية صعيدية في القاهرة....

أهل الصعيد يدركون أنه لو انتصرت الثورة أو هزمت فالنتيجة واحدة، هي أن حالهم قبل الثورة سيشبه حالهم بعد الثورة.....وخير مثال ناصع على صدق كلامى حالة قنا في صعيد مصر ... فمحافظ قنا أيام حسني مبارك بعد أن أصبح محافظا للإسكندرية كترقية من قبل مبارك وشارك في قمع الثورة في الإسكندرية عاد إلى قنا محافظا وحاكما مرة أخرى !!.... إذن قبل الثورة هو نفسه بعد الثورة.... لا يأتي من القاهرة للصعيد خير...... وهو ما ينطبق على كل الجماعات التي عانت من الظلم التاريخي في بناء دولة ما بعد الاستعمار في العالم العربي، حيث يريد الناس في الأطراف أن يبتعدوا عن الدولة سواء قامت ثورة أو لم تقم ...أبعد عن الشر وغنى له !!!.. وهذا يأخذنا الى : هل كسر المصرى حاجز الخوف بداخله ؟!... مما لاشك فيه أن أننا لم نكسر حاجز الخوف بل لم نفتح «خرما» واحدا في جدار الخوف !!.. فما زال الكاتب المصرى يتمنى أن يكتب مقالا بلا خوف ممن يدعون أنهم حراس الدين الذين قد يخرجونه من الملة ومن دون خوف ممن يدعون أنهم حراس الوطنية الذين لن يتورعوا في أن يرموا من يخالفهم الرأي بالعمالة والخيانة....يجب أن يعرف الجميع أن الثقافة المصرية تتجاهل ما ينتقد منظومة مفاهيمها الحاكمة، فمن يتربعون على العرش لن يزعزعهم نقد ما داموا قادرين على تجاهل الأزمة..... وقد تجاهل مبارك الوطن كله لمدة ثلاثين عاما ولم يحدث له شيء... فقط البيولوجيا والعمر واهتراء النظام السياسي جعل البيت يقع على من فيه !!..في مصر لم ينكسر حاجز الخوف.... فى هذا الصدد يحضرنى تعريف فى العلوم السياسية اسمه (King’s Dilemma ) أو معضلة الملك !!... حيث استمر مبارك في الحكم لثلاثين عاما جعلت منه ملكا ليس بالمعنى القانوني وإنما بمعنى الأمر الواقع !!...حكم مبارك يقل قليلا عن حكم محمد علي باشا الذي أسس الأسرة المالكة في مصر والتي انتهت بالثورة على الملك فاروق أو الانقلاب على حكمه من مجموعة من ضباط الطبقة الفقيرة التي حدثها الملك وسمح لها بدخول الكلية الحربية.... نفس الأمر فعله مبارك عندما قام بعملية تحديث ممنهجة لخدمة ملكه وخدمة مشروع التوريث.... حيث نشر شبكة خطوط تليفونية جعلت التواصل ممكنا من القرى إلى العاصمة، ونشر الإنترنت وشبكات الاتصال، ولكنه فشل في إدارة المؤسسات مع سرعة التحديث ومساحته، فانقلب عليه الناس وقوضوا ملكه !!....تلك هى القصة با ختصار !!..

لم يكن عهد مبارك سيئا جدا من حيث التحديث على مستوى القاع، ولكنه فشل في صناعة مُلك له ولولده على غرار محمد علي.... هذا الكلام الذي يبدو تطبيقا حرفيا لنظرية King’s Dilemma لا نستطيع أن نقوله لأن حاجز الخوف ما زال قائما.. لا نستطيع أن نقوله لأننا نخاف من حراس الثورة ومن حراس الوطنية.... خوف بعضه فوق بعض كظلمات بطن الحوت التي عانى منها يونس.... حاجز الخوف لم ينكسر لأننا لا نستطيع أيضا أن نتحدث بصراحة عن أن ظاهرة الإخوان اليوم هي نتاج تقسيم العمل الذي حدث في نهاية عصر مبارك منذ عام 2000 عندما بدأت الشرعية في التأكل.... فقرر صفوت الشريف قواد نظام مبارك وجماعته أن يكون الحكم والدولة لنظام مبارك ويترك الشارع للإخوان.... وليس الشارع بمعناه الحرفي ولكن أيضا الإعلام، فقد كانت تتقاسم جماعة الإخوان مع الدولة صفحات «الأهرام» و«الأخبار»، حيث كانت الصفحات الأولى للدولة وصفحات الرأي للتيار الديني.... يجب أن يعلم الجميع أن إخوان اليوم هم نتاج عصر مبارك !!...ولو كانت هناك محاكمة واجبة للنظام فكان من المفروض أن تكون عن تقسيم الدولة بين نظام تأكلت شرعيته وبين التيار الديني من دون رأي للشعب في ذلك..... دققوا النظر فى أموال جماعة الإخوان المسلمين التى تضاعفت وشركاتها التى توغلت وتغولت لتصبح منافسا حقيقيا في معادلة الاقتصاد المصري.... وأصبح رجال أعمال الإخوان مثل خيرت الشاطر وحسن مالك إضافة إلى مئات الشركات الصغيرة هم من يحددون حركة البورصة المصرية !!... جماعة الإخوان، اقتصادا وسياسة، ترعرعوا في عهد مبارك ولم نناقش هذه الظاهرة بما يليق بها لأن حاجز الخوف لم ينكسر....

أننا لم نكسر حاجز الخوف بل لم نفتح «خرما» واحدا في جدار الخوف !!.. قارنوا بين فترة الحكومة الانتقالية فى ظل المجلس العسكرى بعد مبارك أيام المشير محمد حسين طنطاوي وبين حكومة ابراهيم محلب التى بها الكثير ممن عملوا مع نظام مبارك وحكومة الببلاوي التى بها نصف دستة ممن عملوا مع مبارك ونصف آخر ممن عملوا مع مرسي !!... ومع ذلك كان الخطاب الاعلامى الانبطاحى أمام السلطة فى جميع الحالات لا يقترب من النقد، بل سادت نغمة أنها مرحلة انتقالية وتسيير أعمال وكلام من قبيل( لنعط الحكومة فرصة كي تدير شؤون الناس)...حاجز الخوف جعلهم لايقدمون سرد تليفزيونيا راقيا ولا معايير للنقد ولا معلومات عن الوزراء وتاريخهم وعلاقاتهم..... فقط كل ما يقال: فلان مفكر اقتصادي أو سياسي وله باع !! ولا ندري باع في ماذا؟ !!..أين تعلم؟ وما هي إنجازاته؟ وما علاقته بالنظام القديم؟... قلة قليلة من الكتاب - كنت أحدهم - هى التى قالت وتحدثت عن عوار اختيار الببلاوى ومحلب وغيرهم وقلت : إننا ننتقي من الصف الثالث لنظام مبارك، وقلة هى التى قالت إن زياد بهاء الدين مثلا كان الرجل الثاني بعد محمود محيي الدين في وزارة الاستثمار، وإن قلت شيئا كهذا تم تجاهله.....فى مصر لك الحق في القول ولكن من في الحكم لا يستمعون إليك!!...حرية التعبير في النظم الديمقراطية تعني أن من حق الفرد أن يجد إجابة لما يقدمه من نقد للنظام، وليس مجرد كلام في الهواء يتبعه «طناش» من قبل الدولة....حاجز الخوف لم ينكسر بعد... لم ينكسر الخوف أيضا على مستوى اللغة، فلغتنا بعد الثورة هي ذات لغتنا الخائفة والحريصة بعد الثورة !!.. الثورة تبدأ في رأس الفرد لا في الشوارع أو مقاهى وسط البلد أو اجتماعات النشطاء .... وليس من الثورة في شيء استبدال استبداد بآخر !!... فلا الواقفون مع الاخوان لديهم الحس النقدي لمستقبل مصر ولا القدرة على نقد مرشد الإخوان وسياساته التي ورطت مصر وأفلستها في سنة واحدة... أن ترسيم الحدود بوجود حراسا للدين ومن يقول غير قولهم فهو كافر بهذه الصرامة هو توزيع لمساحات الخوف لا إلغاؤها، والخوف في المساحات الأصغر أخطر بكثير من ذلك الخوف الذي كان موجودا في ظل نظام مترهل كنظام مبارك في آخر أيامه... عندما ينكسر حاجز الخوف في الرأس سينتج لغة جديدة وخطابا جديدا وإعلاما جديدا.. وقتها فقط يمكننا الحديث عن كسر حاجز الخوف الذى بداخلنا !!..

أننا لم نكسر حاجز الخوف بل لم نفتح «خرما» واحدا في جدار الخوف !!.. هل نستطيع أن نناقش وبدون خوف أن مرسى رغم أنه كان منتخبا ديمقراطيا عبر الصناديق الا أنه فشل فى جمع شتات الوطن ويجب اسقاطه أيضا !!.. هناك من يقول أن هناك انقلاب على «شرعية الرئيس المنتخب ديمقراطيا»... هذا كذب وهراء وخيالات مريضة... هل نكسر حاجز الخوف ونقول كما تقول العلوم السياسية : أن الشرعية في الحالة المصرية هي قصة كاملة لا يمكن تجزئتها لكسب نقاط؛ فهي تبدأ من 25 يناير وليس من يوم الصندوق الذى اجلس مرسى على عرش مصر !!.. فلا قفص مبارك كان يرمز إلى العدالة، ولا صندوق مرسي كان رمزا للديمقراطية !!.. لان هناك ثمة خلط عند البعض بين الشرعية كترجمة لما هو قانوني في كلمة (legitimacy القانونية ) ... فى عقول الاخوان خلط واضح بين كلمة شرعية وكلمة شريعة !!...هما مفهومان بعيدان عن بعضهما كل البعد، ولكل منهما دلالات معرفية قادمة من عوالم الإيمان والعرفان وفي سياقات ثقافية مختلفة !!..أننا لم نكسر حاجز الخوف !!..هل نستطيع أن نناقش وبدون خوف أن قصة الثورة في مصر وشرعية «الإخوان» من عدمها، لا تبدأ بالصندوق والطوابير والزيت والسكر والرشى الانتخابية، ولكنها تبدأ في 25 يناير، حيث لم يكن هناك إخوان في الثورة باعتراف «الإخوان» أنفسهم (راجع تصريحات العريان لماذا لم ينضم «الإخوان» إلى الثورة)...فالقانونية الانتخابية بمعناها الديمقراطي الحديث، هو أن ينتخب الإنسان ما يريد ومن يريد في جو يكون فيه الفرد حرا.... بمعنى أن تقف علياء المهدي التي وضعت صورها عارية على الإنترنت في طابور الانتخاب في دائرتها الانتخابية لتدلي بصوتها من دون أن يكفرها أو يقصيها أو يقتلها أحد بدعوى الخلط بين الشريعة والشرعية.....

فأساس الديمقراطية هو الفرد الحر لا العشيرة ولا القبيلة.... الفرد الحر هو أول المصفوفة الحسابية للديمقراطية... فهل الناخب الذي صوت لمرسي كان فردا حرا؟ أكسروا حاجز الخوف وزجاجات الزيت وكل الرشى الانتخابية وجاوبوا على السؤال ؟!!..... لقد تم انتخاب مرسي يا سادة بنفس صناديق مبارك المزورة ، ونفس وزارة داخلية مبارك التي أشرفت على الانتخاب وتزويرها ، ونفس المحافظين القادمين من عالم أمن الدولة، ونفس القضاة الذين أشرفوا على الانتخابات من المستشار حاتم بجاتو المشرف على الانتخابات، إلى المحافظين أنفسهم !!...بل زاد التزوير في عهد مرسي ليصبح تزويرا من المنبع في قضية «المطابع الأميرية»؛ أي مطبعة الدولة التي تطبع ورقة التصويت، وتحمل اسم «الأميرية» نسبة إلى أمراء العصر الملكي، لأنهم هم من أنشأوها ولم يغير جمال عبد الناصر الاسم.... المهم أن كثيرا من الأوراق الانتخابية خرجت من المطابع مسودة لصالح مرسي، وكانت هناك أدلة على ذلك، حيث استبعدت لجنة الانتخابات بعض هذه الأوراق رغم أنها لم تستبعدها كلها...... وفي هذه الحالة، ليس مهما كم من الأوراق قد تم استبعادها، لأن ثبوت الظاهرة والدليل كاف لبطلان الانتخابات كلها !!...انتخاب مرسي كان مزورا كانتخابات مبارك، و العام الذي مر بين عزل مبارك وانتخاب مرسي لم يكن كفيلا بأن يغير المجتمع المصري إلى مجتمع سويسري !!... أكسروا حاجز الخوف وفكروا بمنطق الحقيقة وليس بمنطق الجماعة والعشيرة !!..الخلط بين الشريعة والشرعية والتزوير باسم الوطنية في عهد مبارك هو نفسه التزوير باسم الدين في عهد مرسي !!...الشرعية والديمقراطية ليست صندوقا.... نعم مرسي منتخب، ولكن ليس ديمقراطيا كما يدعي البعض !!...

الديمقراطية تحدث في سياق سياسي، تكون الحرية الفردية هي الأساس فيه... الديمقراطية هى أن يكون الفرد حرا !!!.. ولم يكن الجو في مصر أيام انتخاب مرسي حرا، ولم يكن الفرد هو الأساس فيه.. فعالم مرسي ليس عالم الفرد، بل هو عالم الجماعة، جماعة الإخوان و«الجماعة الإسلامية» والجماعة السلفية إلخ...من الجماعات والسواد الأعظم التى تنافى الديمقراطية !!!... حيث لا أفراد هناك كل الموجود سواد من البشر يمحو الحرية الفردية باسم الدين في عهد مرسي وباسم وطنية زائفة في عهد مبارك... هل نملك الشجاعة لكى نكسر حاجز الخوف من الجماعة ونقول : لم يكن مرسي رئيسا منتخبا ديمقراطيا !!...هل نملك الشجاعة لكى نكسر حاجز الخوف من الجماعة ونقول أيضا : انها جماعة عابرة للحدود، لا تؤمن بالدولة الوطنية حسب نظام ما بعد معاهدة وستفاليا !!..حيث لا يمكن الحديث عن انتخابات ديمقراطية خارج صندوق مغلق آخر ليس صندوق الانتخابات، بل أعني صندوق الدولة الوطنية المغلقة وذات السيادة الملتزمة بقوانين محددة.... فإذا انتفى الإيمان بالدولة الوطنية بمعناها الحديث انتفت معه فكرة الديمقراطية.... وبصراحة مطلقة، لا ديمقراطية في أي سياق يختلط فيه الديني بالدنيوي.... الديمقراطية تحدث فقط عندما يحدث فصل بين الدين والدولة، ومتى تم الخلط فأي حديث عن ديمقراطية فهو عبث.... نخلص من هذا أننا أمام مرسي منتخب، مما يعنى أن الانتخابات لم تكن تمت للديمقراطية بصلة ولا الرئيس ديمقراطي، وأتحدى من يجد أي علاقة بين جماعة الإخوان والديمقراطية قولا أو فعلا.... مرسي كان رئيسا انتخب بما يشبه السلوك الغربي من حيث وجود صندوق وطابور من البشر يضعون أوراقا في الصندوق، ولكن لم يكن رئيسا منتخبا ديمقراطيا كما انتخب أوباما في أمريكا أو كاميرون في بريطانيا.... وكما أن في مصر لدينا رصيفا يشبه الرصيف ولا يؤدي وظائفه، ولدينا تاكسي به عداد، ولكنه لا يعمل ولا يحاسبك السائق طبقا للعداد كما يحاسبك في لندن وبرلين وجنيف وواشنطن، فكيف لك أن تتصور أن انتخاب مرسي كانتخابات أوباما وأنت تعرف أن العداد لا يعمل؟ إنه وهم الصندوق والسذاجة في الحكم على الظواهر، ولدينا في مصر ما يكفينا ممن يغالطون بمنطق ساذج ولا نحتاج إلى مغالطات أكثر سذاجة من الخارج فقط، لأن أصحابها يجيدون كتابة موضوع تعبير.... نقول لهؤلاء المتطوعين بمغالطاتهم: سعيكم مشكور، ولا أراكم الله مكروها في عزيز لديكم.... عندما تكسرون حاجز الخوف تكلموا !!..

هل نملك الشجاعة لكى نكسر حاجز الخوف من الجماعة ونقول أن المقابلة أو المفاضلة بين «25 يناير» و«30 يونيو» هي مناظرة زائفة الهدف منها الهروب من مواجهة أزمات مصر الحقيقية ...وهنا لا أتحدث عن المفهوم المنقول من الحالة التركية والذي تلقفه أصحاب العقول الناقصة والمعروف بالدولة العميقة.... وهو مفهوم مغشوش ومطبق خطأ نتيجة لتدني حالة العلوم الاجتماعية في المنطقة العربية....فأصل الدولة العميقة التاريخي في تركيا يعود إلى النظام الخاص الذي أنشأ عام 1889 شبكة عابرة للقوميات أشبه بالتنظيم السري لـ«الإخوان المسلمين» ولا ينطبق على الجيش المصري كما يصر مروجو مفهوم الدولة العميقة المدعومين فكريا ولوجستيا من تركيا !!... الدولة العميقة التركية لا توجد في مصر ولكن نظرية مانكير أولسون والتي درسها معظم طلاب السياسة في فترة الماجستيرعن (أصحاب المصالح)،والتي خرجت منها نظرية الدولة العميقة في أصلها التركي أفضل بكثير لتحليل الحالة المصرية إذا أصر ضعاف العقول..... على صعيد أخر يروج أعضاء الحزب الوطني المنحل ورجالات نظام مبارك
مغالطات كبرى هي أن موجة «30 يونيو» من الثورة قامت ليس ضد نظام «الإخوان» بقيادة محمد مرسي وحسب، وإنما قامت ضد ثورة «25 يناير» !!.. ويستخدمون الملايين الهائلة من الشعب المصري التي خرجت إلى الشوارع على أنها أكبر دليل على أن «30 يونيو» هي الثورة، وأن «25 يناير» هي مجرد احتجاج عابر أو فورة غضب.... مما لاشك فيه أن ثورة يناير لم تكن في «25 يناير»، وإنما كانت يوم 11 فبراير يوم تنحي مبارك.... يومها خرجت مصر عن بكرة أبيها بأعداد كالتي خرجت يوم 30 يونيو وربما أكثر لتقول (لا) لنظام مبارك..... إذن «11 فبراير» ليست أقل عددا من «30 يونيو»..... أعداد المصريين الذين خرجوا يحتفلون بنهاية استبداد مبارك لا تقل عن أعداد الذين خرجوا إلى الشوارع يوم عزل مرسي في 3 يوليو 2013 معلنين احتفالهم بنهاية الاستبداد الديني في مصر.... نفس الأعداد تقريبا خرجت ضد الفساد والاستبداد أيام مبارك ونفس التحالف أيضا خرج ضد فساد واستبداد «الإخوان».... إذن المقابلة بين «25 يناير» و«30 يونيو» هي مقابلة مغشوشة لمحاولة تمكين رجالات مبارك مرة أخرى....

هناك طبقة مصرية هى «الطبقة الوسخة» التى تركب أي موجة وأي ثورة ولديها من المرونة ما يجعلها تخدم أيا من كان في السلطة... والناظر إلى تشابك العلاقات الاقتصادية بين نظام مبارك ونظام «الإخوان» يدرك هذه الحقيقة بالأرقام وبالأسماء... «الطبقة الوسخة» ركبوا موجة عبد الناصر، وركبوا موجة السادات وموجة مبارك وموجة يناير، وركبوا موجة «الإخوان» خلال عام حكمهم اليتيم ويريدون الآن ركوب «30 يونيو».... هذه «الطبقة الوسخة» ليست الدولة العميقة وإنما الطبقة الطفيلية بالمعنى السوسيولوجي، أو طبقة ورد النيل بالبلدي....مما لاشك فيه إن الطبقة الوسطى بالمعنى الأوروبي ليست أرقاما، أي أن تكون ضمن معيار معروف من الثراء المالي، وإنما يصحب هذا الثراء المالي غنى قيمي وأخلاقي، وإذا انتفت الصفة القيمية والأخلاقية عن المال انحدرت الطبقة من حالة الطبقة الوسطى إلى حالة «الطبقة الوسخة» !!...النقطة الرئيسة هنا هي أن ما حدث في 30 يونيو وفي 3 يوليو من حيث خروج المصريين إلى الشارع رفضا للاستبداد والفساد، هو ذاته ما حدث يوم 11 فبراير 2011.... إنها رغبة الشعب المصري في أن يمتلك مقدراته ويحكم السيطرة على دولته..... ولا يوجد في مصر مؤسسة يتجلى فيها النسيج المصري سوى مؤسسة الجيش، لذا نرى اليوم حب المصريين للجيش يتجلى في أحسن صوره.... ولكن للأسف يحاول البعض أن يترجم خطأ حب المصريين للجيش على أنه احتضان لدولة مبارك..... هذا غير صحيح فالجيش المصري ودوره في بناء الدولة هو مخالف تماما لدور جيش الدولة العميقة في تركيا... والذي كان جزءا من مافيا مسيطرة بشكل حصري على مقدرات الدولة التركية ، وتحالف مع جماعات مشبوهة منها جماعات الجريمة المنظمة لتحقيق مكاسبه.... فهل هذا ما يريد أن يصل إليه مروجو مفهوم الدولة العميقة في مصر؟ أليس مفهوم الدولة العميقة في صورته الفجة هو ما قاله الإخواني أبو العلا ماضي عندما قال إن للمخابرات المصرية، نقلا عن الرئيس السابق مرسي، جيشا من البلطجية يصل إلى 300 ألف بلطجي؟ ....

الجيش في مصر ليس لديه بلطجية ولا تحالفات مع الجريمة المنظمة، كما يحاول من يروجون لمفهوم الدولة العميقة الإيحاء به من دون تصريح، والجيش المصرى ليس جيش مبارك أو جيش «الإخوان».... الجيش المصرى هو المؤسسة الوطنية الوحيدة الباقية في مصر، لذا يلتف الناس حوله..... ولن يكون الجيش المصري بتركيبته الوطنية هو جيش الدولة العميقة التركيةكما يروج الجهلاء سياسيا الحمقى فعليا .... هناك فروق كبيرة بين مصر وتركيا، واستيراد المفاهيم بهدف تشويش الناس وخلط الأوراق عمل قبيح.... أما محاولة ترويج أن «30 يونيو» تعني عودة دولة مبارك، وأن حب الناس للجيش يعني حبا لنظام مبارك، فتلك هي المعارك الوهمية التي قد تودي بمصر للتهلكة.... فليعلم القاصى والدانى أن الجيش المصرى هو المؤسسة الوحيدة اليوم في مصر التي تعرف معنى المصلحة الوطنية المصرية بشكل مؤسسي، وذلك لأن مصلحة الوطن جزء من عقيدته العسكرية، على عكس جماعات المصالح الأخرى أو «الطبقة الوسخة»التي تسيطر على بيروقراطية رثة لا تخدم إلا مصالحها الضيقة... كفوا عن هذا العبث ولننتقل جميعا من مراهقة الثورة إلى رشد الدولة من خلال كسر حاجز الخوف !!...فالعبرة بالنتائج... ولو استطاعت «الطبقة الوسخة» أن يركبوا الموجة ستخرج موجة ثالثة أعتى من «30 يونيو» ضد إعادة تركيب نظام مبارك.... فلو كان لدى هؤلاء ذرة خوف على البلد أتمنى ألا يحاولوا ركوب الموجة لأن بنية الدولة المصرية بهشاشتها الحالية لا تحتمل موجة ثالثة وقد تنكسر الدولة بشكل لا يمكن إصلاحه هذه المرة ونقول وداعا لمصر كما نعرفها.....

حمدى السعيد سالم
صحافى ومحلل سياسى







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز