عبدالله بدر اسكندر
abdullahvaus@gmail.com
Blog Contributor since:
06 May 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
ويعلم ما في الأرحام

 

 

كان دأب الرعيل الأول من المفسرين هو الذود عن كتاب الله تعالى بما في الكلمة من معنى إلا أن مبلغ علمهم لا يمكن أن يتصل بالاكتشافات الحديثة لأنها لم تكن ظاهرة في أعصارهم ومع ذلك فقد تجد في تفسيرهم بعض الإشارات التي نحتاجها في عصرنا على الرغم من أن الأدوات المعتمدة لديهم لا تتعدى إلى أكثر من المأثور أو علم البلاغة وصولاً إلى بعض الجوانب الفلسفية التي لا يستطيعون من خلالها تبيان الحقيقة للعامة من الناس باعتبار أن القرآن الكريم هو كتاب العامة والخاصة وإن كان يتضمن بعض المقاصد التي لا ترى إلا بمنظور فلسفي وهذا يجانب إرادة الجم الغفير من الناس الذين ليس بمقدورهم أن يركنوا إلى تلك العلوم.

 

من هنا يمكن القول إن الفرق الكبير بين أفعال الله تعالى وأفعالنا لا يحتاج إلى الظهور المستمد من الفلسفة المبهمة باعتبار أن الباعث الثاني لأفعالنا تتحكم فيه قوانين الطبيعة من حولنا والتي تتجسد في القوى الفاعلة للأعراض أو تلك التي نشعر بها، كالغضب أو الفرح، السعادة، الحب، الجوع.. إلخ، وعند دراسة كتاب الله تعالى نجد الكثير من الأفعال منسوبة إليه "جل شأنه" وبنفس معاني الألفاظ التي اجتمعت عليها اللغات، كالمغفرة والحكمة، القوة، العزة، العدل، الشهادة، والوحي.. وصولاً إلى الخلق والإرادة والتدبير وغيرها من الأفعال التي ذكرت في متفرقات القرآن الكريم. كما في قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط) آل عمران 18. وكذا قوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً) النساء 5. إذا ما قرن بقوله: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب) البقرة 212. وقريب منه، آل عمران 37. النور 38. الشورى 19.

 

وبالإضافة إلى هذا تجد هناك الكثير من الآيات التي تبين ما ذهبنا إليه، ومن جهة ثانية يمكن الوصول إلى أمثلة أخرى يظهر فيها جمع من الأنبياء والصالحين الذين نقل الله تعالى لهم القدرة، ومنهم سليمان الذي آتاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمه الحكمة ومنطق الطير وسخر له الريح عاصفة تجري بأمره، وكذا الشياطين الذين يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك. وكذلك تجد كيف مَنّ الله تعالى على عيسى حيث نقل إليه القدرة على الإحياء وجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير، كما في قوله تعالى: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) المائدة 110. وقريب منه، آل عمران 49.

 

وهنالك أمثلة أخرى يعرضها القرآن الكريم كما في الآيات التي ذكر فيها إبراهيم وكيف أن الله تعالى نقل إليه القدرة، ويمكن معرفة ذلك من قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) البقرة 260.

 

وعند الجمع بين المشتركات الفعلية لواجب الوجود وبين الخلق وارتباط ذلك مع نقل القدرة للأنبياء كما مر عليك وللمقربين كما حصل مع العبد الصالح الذي وجده موسى عند الصخرة يظهر لنا الفرق في الدلالات القرآنية التي تبين أن ممكن الوجود ليس له من الأمر إلا التبعية التي يستمد فعلها من واجب الوجود، حيث أن أفعال الخلق لا يمكن أن تقاس بأفعال الله تعالى، وهذه النسبة تكون جلية في ملكه تعالى الذي لا ينفد، كما في قوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل 96. وقد جمع تعالى تلك الأشياء التي لا يعتريها الفناء في ملكوته الذي ذكره في قوله: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون) المؤمنون 88. وعند الـتأمل في كلامه سبحانه ستجد الإجابة لهذا السؤال في قوله: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون) يس 83.

 

وبناءً على ما تقدم يمكن معرفة الفرق في إيتاء رؤية الملكوت لإبراهيم في قوله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) الأنعام 75. وبين من هم دونه كما في قوله: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) الأعراف 185.

 

من هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) لقمان 34. وعند تأمل ما قدمنا من البحث سوف تجد الفرق والمطابقة النسبية بين فعله تعالى وبين أفعال الخلق، حيث أن النسبة بينهما تتجسد في الأصالة من جهة واجب الوجود وفي الأخذ بالأسباب من جهة ممكن الوجود، وهذا يثبت أن العلم قد توصل بالفعل إلى معرفة نوع الجنين من حيث الذكورة والأنوثة. وللمفسرين في الآية آراء:

 

الرأي الأول: قال ابن كثير: هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب (لا يجليها لوقتها إلا هو) الأعراف 187. إلى أن قال: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه. انتهى. والإشارات التي ذكرناها في أول البحث ظاهرة في كلامه.

 

الرأي الثاني: ذهب الفخر الرازي إلى ان بعض المفسرين يقول: إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذي كان في كثيب رمل في زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة، ويعلم أنه أين هو ولا يعلمه غيره، ولأن يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة في برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره، فلا وجه لإختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنما الحق فيه أن تقول كما قال الله: (واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده) لقمان 33. إلى أن ختم بحثه في قوله: ويعلم ما في الأرحام إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر عليها كما هو قادر على الخلق في الأرحام.

 

الرأي الثالث: قال الآلوسي: ويعلم ما في الأرحام أي أذكر أم أنثى أتام أم ناقص وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال عطف على الجملة الظرفية أيضاً نظير ما قبله وخولف بين (عنده علم الساعة) وبين هذا ليدل في الأول على مزيد من الإختصاص اعتناءً بأمر الساعة ودلالة على شدة خفائها، وفي هذا على استمرار تجدد التعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الإختصاص ولم يراع هذا الأسلوب فيما قبله بأن يقال ويعلم الغيث مثلاً إشارة بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحاً عظم شأنه لما فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة البعث المشار إليه بالساعة في الكتاب العظيم، قال تعالى: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين***فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى) الروم 49-50. 

الرأي الرابع: يقول ابن عاشور: (ويعلم ما في الأرحام) اي ينفرد بعلم جميع أطواره من نطفة وعلقة ومضغة ثم كونه ذكراً أو أنثى وإبان وضعه بالتدقيق، وجيء بالمضارع لإفادة تكرر العلم بتبدل تلك الأطوار التي لا يعلمها الناس لأنه عطف على ما قصد من الحصر فكان المسند الفعلي المتأخر عن المسند إليه مفيداً للإختصاص بالقرينة. انتهى ما نحتاج إليه. وفي البحث لطائف أخرى.

 

الرأي الخامس: كل ما ذهب إليه الطباطبائي في هذه الآية هو أن قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) الغيث المطر ومعنى جمل الآية ظاهر. وقد عد سبحانه أموراً ثلاثة مما تعلق به علمه وهي العلم بالساعة وهو مما استأثر الله علمه لنفسه لا يعلمه إلا هو ويدل على القصر قوله: (إن الله عنده علم الساعة) وتنزيل الغيث وعلم ما في الأرحام ويختصان به تعالى إلا أن يعلمه غيره، وعد أمرين آخرين يجهل بهما الإنسان وبذلك يجهل كل ما سيجري عليه من الحوادث وهو قوله: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) وقوله: (وما تدري نفس بأي أرض تموت) وكان المراد تذكرة أن الله يعلم كل ما دق وجل حتى مثل الساعة التي لا يتيسر علمها للخلق وأنتم تجهلون أهم ما يهمكم من العلم فالله يعلم وأنتم لا تعلمون فإياكم أن تشركوا به وتتمردوا عن أمره وتعرضوا عن دعوته فتهلكوا بجهلكم. انتهى. ثم انتقل إلى البحث الروائي وأشار إلى بعض الروايات التي وصفها بأنها تأبى التقييد ولا يعبأ بأمرها.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز