عبدالله بدر اسكندر
abdullahvaus@gmail.com
Blog Contributor since:
06 May 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
لا يعلمون الكتاب إلا أماني

اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون الكتب السماوية التي حملت المنهج دون الإعجاز لا تتعدى إلى أكثر من بقعة مكانية وفترة زمنية على ما هو مشرع في المعارف التي اتخذت من أحكامها ما يتناسب وعصر كل نبي من الأنبياء الذين أنزلت إليهم تلك الكتب أو من جاء بعدهم وسار على نفس الأحكام المنزلة فيها كما هو الحال في التوراة التي توارثها جمع من الأنبياء، وعند الجمع بين الأحكام الثابتة تظهر بعض المقررات التي تختلف أحكامها تبعاً للزمان أو للمتغيرات الطارئة التي تحدث لأمة دون أخرى، كما بين تعالى ذلك بقوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) المائدة 48. ومن جهة أخرى نجد أن تلك الشرائع قد ترتبط في نفس المعارف الكلية وصولاً إلى الشريعة الخاتمة التي أقرت الكثير من الأحكام التي حملتها المناهج السابقة، علماً أن المفاهيم الكلية التي توارثها الأنبياء لا يمكن تجزئتها إلى مصاديق وإن اختلفت مقاصدها نظراً للزمان والمكان أو ما يستجد من أحداث تبنى على التفريق من وجه ومن وجه آخر تلازم الأسس والروابط التي يصعب افتراقها حسب النظم التي بينها الله تعالى بقوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) الشورى 13 

من هنا يظهر أن الغاية الأسمى التي تبنى عليها جميع الرسالات يكون مردها إلى العامل المشترك والثابت في نبذ الآلهة وتوجيه العبادة إلى إله واحد لا شريك له وهذا من أهم التطبيقات التي توافقت عليها جميع الشرائع وإن اختلفت السبل المؤدية إلى فهم الأسلوب بين كل دعوة وأخرى نظراً للزمان والمكان كما أسلفنا، ومن هنا نجد أن الرسالة الخاتمة قد بينت السبل الجائرة  التي كان لها الأثر الأكبر في بيان أسباب الاختلاف الذي حصل بسبب اتخاذ العلم وما آلت إليه نتائج البغي التي بني عليها علماً أن ذلك الاختلاف لم يكن عن جهل وإنما كان يسير ضمن الأطر التي تتحكم في المصالح الثابتة للأطراف المتنازعة، وقد أشار تعالى إلى تلك الحقيقة بقوله: (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) آل عمران 19 

وبناءً على ما قدمنا يظهر الفرق الذي يترتب عليه نبذ المساوئ التي اتخذها جمع من العامة الذين يتبعون الظن فيما شرع إليهم حتى بني ظنهم على أمانيهم التي تفترق على أصول لا تستمد نهجها من الكتب المنزلة على أنبيائهم بل تأخذ ذلك النهج من الأساطير أو ربما اعتمد نهجهم على الأخذ بالكلية دون التفصيل الذي بني على ثوابت بينة تظهر فيها الأحكام على أفضل وجه ولهذا دعاهم الحق سبحانه أن يأخذوا بأحسن ما جاء في الألواح التي أشار إليها بقوله: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين) الأعراف 145. ومن خلال هذا الطرح يظهر أن المفاهيم التي ساروا عليها كان لها الأثر الأكبر في تفرق هذه الأمة على كثير من مصاديقها ولهذا نجد الكثير منهم قد اتخذ التحليل المعاكس للأطر الصحيحة التي يتضمنها القرآن الكريم، وهذا من أهم الأسباب التي أدت إلى تفرقة الأمة وابتعادها عن النهج الذي أراده الله تعالى والذي بين فيه أن الشريعة الخاتمة هي الأصل المصدق لجميع الشرائع السابقة وهذا يجري في الكتاب الذي ختمت به تلك الشرائع، كما بين تعالى ذلك بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة 48 

وبناءً على هذا نفهم أن الظهور المتكرر لأصحاب الطرق الجائرة في جميع الرسالات السماوية يكون مرده إلى أناس لا يحصل لديهم التغيير أو جلب الفائدة المرادة من الرسالة التي بنيت على الظن مما يجعل الكثير من الحقائق لا تستمد أحكامها من القضايا الشرعية أو المسلمات المتعارف عليها، ولهذه الأسباب فقد ظهرت هناك مجموعة من الطرق التي أشرنا إليها في عقيدة أصحاب الحل والعقد منهم مما جعل بعض أتباعهم يأخذ الإتجاه الطردي دون مفاضلة بين ما جاء في الكتب السماوية وبين ما يتلقونه من الأساطير المنتشرة بين الأمم في كل زمان ومكان حتى أصبحت الرسالة التي انتقلت من نبي إلى آخر لا تعادل أيسر الأجزاء المرادة من الكتب الموجهة إليهم، وهذا ما جعل موقفهم أقرب إلى نشر تلك الأجزاء المحرفة أو الترويج لها بما يتناسب والطرق الخاصة التي أخذت العمق الواسع في عقولهم حتى جعلت ظنهم لا يتجاوز الموارد الكلية الخارجة عن ملازمة المعارف الحقيقية مما أدى إلى دخول المصاديق الأولية إلى قلوبهم دون المفهوم الكلي الذي وصل إليهم عن طريق الكتب التي لم تحرف بعد ولهذا كان مرد  الأخطاء الشائعة أقرب إلى الصواب الذي اختلج في مخيلتهم 

من هنا يظهر أن أمانيهم التي ذكرها الحق سبحانه تشير إلى ما في نفوسهم التي آثرت المادة وركنت إلى الأرض دون أن تتصل في الخارج الذي يحمل المنهج الصحيح، وهذا ما بينه تعالى على لسانهم ثم رد عليهم في قوله: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) البقرة 80. وقد يترتب هذا القول على أفعالهم التي أشار إليها تعالى بقوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون) البقرة 76. ثم بين تعالى أن هذه الأعمال لا يمكن أن تصدر إلا من الأميين الذين لا يعلمون الكتاب على الوجه الذي نزل به بل كان علمهم أقرب إلى العلم الإجمالي أو المأخوذ بالكلية دون التفصيل، وهذا ما نتج عن أمانيهم الملازمة لأفكارهم، كما بين تعالى ذلك في قوله: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) البقرة 78. هذا ما لدينا وللمفسرين في الآية آراء 

الرأي الأول: قال الآلوسي في روح المعاني: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب) مسوقة مستأنفة لبيان قبائح جهلة اليهود أثر بيان شنائع الطوائف السالفة، وقيل: عطف على (وقد كان فريق منهم) البقرة 75. واختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه اعتراض وقع في البين لبيان أصناف اليهود استطراداً لأولئك المحرفين، والأميون جمع أمي وهو كما في المغرب من لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرأون أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه، أو إلى أم القرى لأن أهلها لا يكتبون غالباً والمراد أنهم جهلة، والكتاب: التوراة كما يقتضيه سباق النظم وسياقه، فاللام فيه إما للعهد أو أنه من الأعلام الغالبة وجعله مصدر كتب كتاباً، واللام للجنس بعيد، وقرأ ابن أبي عبلة (أميون) بالتخفيف (إلا أماني) جمع أمنية وأصلها أمنوية أفعولة وهو في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى ويقرأ والمروي عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم أن الأماني هنا الأكاذيب أي الأكاذيب أخذوها تقليداً من شياطينهم المحرفين وقيل: إلا ما هم عليه من أمانيهم أن الله تعالى يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم وأن آبائهم الأنبياء يشفعون لهم، وقيل: إلا مواعيد مجردة سمعوها من أحبارهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة 

الرأي الثاني: قال الفيض الكاشاني في الصافي: الأمي منسوب إلى الأم أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرأ ولا يكتب (لا يعلمون الكتاب) المنزل من السماء ولا المكذب به ولا يميزون بينهما (إلا أماني) إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم هذا كتاب الله وكلامه لا يعرفون أن ما قرأ من الكتاب خلاف ما فيه، ويضيف: أقول: هو استثناء منقطع يعني إلا ما يقدرونه في أنفسهم من منى أخذوها تقليداً من المحرفين للتوراة واعتقدوها ولم يعرفوا أنه خلاف مافي التوراة. (وإن هم إلا يظنون) ما يقلدونه من رؤسائهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم 

الرأي الثالث: ذكر مكي بن أبي طالب في تفسير الهداية: إن قوله تعالى: (ومنهم أميون) أي ومن هؤلاء أميون فهم أبعد من الإيمان من غيرهم. وقال ابن عباس: هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام هذا من عند الله وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً. وقيل الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن، وقيل الأميون في هذا الموضع نصارى العرب. ثم فسر الكتاب بالتوراة وانتقل إلى قوله تعالى: (إلا أماني) وفسره بالأحاديث ثم نقل عن مجاهد من أنهم كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها. انتهى بتلخيص منا. فإن قيل: قوله تعالى (يأخذوا بأحسنها) يقتضي أن يكون في الألواح ما هو دون ذلك؟ أقول: الإشارة هنا إلى أخذ أحسن ما في الألواح يراد منه الأحكام التي تحمل أكثر من وجه، كما في العفو الذي هو أفضل من القصاص، أو أن الأمر لا يتعدى إلى أكثر من الكناية المترتبة على منزلة الكلام، كما في قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الزمر 18 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز