د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
ثلاث مداخلات في مسألة الديمقراطية - 1
 

مداخلتي الأولى هي مجرد سؤال يستتبع سلسلة من الأسئلة

 

قبل بضعة أيام وصف أحدهم في الصحافة الروسية الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالقرد. وأثار ذلك شيئا من الامتعاض في بعض الأوساط لأن الوصف فُهم على أنه إشارة إلى الأصل الأفريقي لأوباما. بالتأكيد فإن تربيتي الإسلامية أولا، وانتمائي إلى الإنسانية ثانيا لن يسمحا لي بأن أحط من قدر أحد للونه، أو لغته، أو دينه، أو عرقه، أو طائفته، وأستنكر ذلك سواء وجّه إلى أوباما، أو إلى غيره، وبالمناسبة أقف إجلالا أمام ذكرى باتريس لومامبا، ومارتن لوثر كينغ، ونيلسون ما نديلا، وغيرهم من أبناء أفريقيا العظام. ولكني، وأقولها بكل أمانة، أشعر بدافع قوي لضم صوتي إلى ذلك الصوت الروسي، إن لم يكن يشير إلى أوباما الشخص، بل إلى أوباما الرئيس، فالحقيقة التي لم أجد على الإطلاق أسطع منها طيلة حياتي هي أن الرئاسة الأمريكية مسرح تاريخي لعروض السيرك يقفز عليه كل مرة قرد جديد، يؤدي دور الرئيس، وقد يكون اسمه ريغان، أو كارتر، أو بوش، أو كلينتون، أو أوباما، فيقدم عرضا شيقا على مدى أربع سنوات يُرقّص خلالها، والسلسلة في رقبته، على أنغام "أون ذه ريفر أوف بابيلون" الديمقراطية، وإذا أجاد الرقص يمدد له العرض لأربع سنوات أخرى. كلهم كانوا قردة من أولهم إلى الرابع والأربعين فيهم، ومن لم يؤد الرقصات المطلوبة من القرود بشكل مرضٍ قطعوا عرضه بلا رحمة – لا تنسوا جون ف. كندي، ولا حتى ريشارد نيكسون، مثلا. الفارق الوحيد بين أوباما ومن سبقه من القرود هو أن عبارة "ديمقراطية" تناسب لسان الذين سواه وهم يُرقّصون لأنها جزء من تكوينهم المنافق، أما أوباما فيصعب على الإنسان أن يربط بين عبارة النفاق الأمريكية "democracy" وبين وجهه الأفريقي الذي لا يناسبه النفاق والكذب، فما تزال أفريقيا برمتها أقرب إلى الطبيعة البريئة، النقية، الصافية منها إلى الزيف الأمريكي، ولم ينشأ الخراب، والفساد، والكذب فيها إلا حيث دخل الرجل الأبيض. لكن أوباما، مع هذا، هو أسوأ قرد ارتقى مسرح السيرك الرئاسي الأمريكي، فهو لم يكتف بالرقص، بل ووضع طاقية على سمت رأسه وهو يُرقّص على إيقاعات "أون ذه ريفر أوف بابيلون" كي يُرضي من يمسك بالسلسلة في رقبته

 

أوباما يشيد بالانتخابات في الهند، أوباما لا يعترف بالانتخابات في فنزويلا. أوباما يبارك انقلاب النازيين على الحكومة المنتخبة في أوكرانيا، أوباما لا يعترف بالتصويت في شرق أوكرانيا. أوباما راض عن الباكستان، أوباما غير راض عن الديمقراطية في إيران. أوباما لا يتذكر الديمقراطية عندما يزور مملكة آل سعود التي هي آخر بقايا القرون الوسطى، لكن أوباما يريد فرض ديمقراطيته المزعومة بقوة الحديد والنار، وحتى باستخدام الإرهابيين في سورية. سؤالي هو: من الذي نصّب أوباما أو أي قرد أمريكي قاضيا في مسائل الديمقراطية والانتخابات في العالم، فيشيد بها في هذا البلد، ولا يعترف بها في ذلك البلد؟

 

لم يجر في أي محفل دولي التصويت على تنصيب أمريكا قاضيا في مسائل الديمقراطية، فأمريكا نصّبت نفسها بنفسها في هذا الدور، فأية ديمقراطية هذه التي لا تستند لا إلى تصويت، ولا إلى انتخابات، ولا إلى أي شكل من أشكال استفتاء الآخرين في أمر يخصهم؟ إن كان هذا ممكنا فما الفرق بين الديمقراطية، والنازية، والفاشية، والشيوعية؟ أم أن الديمقراطية دين جديد، والرئيس الأمريكي هو نبيّه الأثوَل؟

 

هذا ليس التناقض الوحيد الذي يجده المرء عند الخوض في الحديث عن "رعاية" أمريكا للديمقراطية في العالم، بل إن أمريكا تناقض نفسها بلا حياء في كل خطوة، وفي كل كلمة تتفوه بها عن الديمقراطية، فأمريكا هي صاحبة الحملات الصليبية (كما سماها جورج بوش الابن) لغزو بلدان العالم، وتركيع شعوبها. كيف يستقيم مفهوم الديمقراطية مع غزو بلدان الآخرين، وتحطيم بناها التحتية، وحرمان شعوبها من الماء والكهرباء، والمستلزمات الصحية، والتعليم، وأبسط حقوق الإنسان؟ كيف يستقيم مفهوم الديمقراطية مع حصار الشعوب، وقتلها بالجوع والمرض، واليورانيوم؟

 

أمريكا هي جلاد الشعوب، وأكبر قاتل في التاريخ

 

نحن لم نر خلال العقود الستة الماضية ولا حالة واحدة في العالم سارعت فيها أمريكا وجوقتها الديمقراطية في أوروبا (بريطانيا وفرنسا) إلى تأييد أنظمة نالت رضى شعوبها، وكانت تحمل بذور الديمقراطية في ثنايا برامجها الوطنية، بدءً من نظام مصدق في إيران عام 1953، ومرورا بنظام عبدالكريم قاسم في العراق في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، ونظام عبدالناصر في مصر، مرورا بنظام اللندي المنتخب ديمقراطيا في تشيلي عام 1973، وانتهاء بالنظام الذي انتخب ديمقراطيا في أوكرانيا. الولايات المتحدة وجوقتها الديمقراطية كانت دائما عدوة للأنظمة التي تختارها الشعوب، ومصممة على فرض أنظمة دكتاتورية قمعية في كل بلد في العالم خارجها، ومن أراد الأمثلة فيمكنه أن يبدأ بحكم بهلوي في إيران، والمرور على حكم ماركوس في الفليبين، وبينوشيت في تشيلي، كي لا يتوقف في أمريكا اللاتينية بل يقفز إلى العالم العربي، حيث أكثر البلدان تخلفا، ودكتاتورية، ومعاداة للديمقراطية، دولة آل سعود مثلا، هي الحليف الأوثق للولايات المتحدة

 

إن الولايات المتحدة الأمريكية تضرب أكبر مثل على نفاقها وكذبها بشأن الديمقراطية عندما تريد الانفراد بدور القوة العظمى في العالم، وإملاء سياساتها الرعناء على بقية بلدان هذا العالم، وعندما تضرب عرض الحائط بمصالح كل شعوب الأرض المشروعة لتضمن مصالحها غير المشروعة. لم يشهد العالم في تاريخه فترة أشد ظلاما من تلك السنوات الفاجعة التي ظنت فيها أمريكا أن القرن الواحد والعشرين هو قرنها. أمريكا هي دولة راعي البقر الذي لم يتعلم أبدا أن يتفاهم مع أحد إلا بالرصاص

 

باختصار شديد، إذا كان من حق السارق، والقاتل، والمحتال أن يصبح قاضيا يحكم بين الناس فإنه سيكون من حق الولايات المتحدة الأمريكية وجوقتها أيضا أن تكون حكما في قضايا الديمقراطية في العالم. أمريكا ستنجب المزيد من القرود، لكن مكان آخرهم لن يكون على مسرح السيرك، بل في قفص الاتهام أمام محكمة التاريخ والشعوب

 

يتبع

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز