نبيل هلال
nabilhilal2@yahoo.com
Blog Contributor since:
12 April 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
القرآن يفند قصة عروج النبي محمد(ص)-المقال الثاني من سلسلة القرآن في مواجهة التراث

أنصح القارئ الكريم ألا يواصل متابعة هذه السلسلة من المقالات ما لم يكن لديه الفضول ليعرف الحقائق القرآنية التي طمسها تراثنا الأصفر , وهى مقالات موجهة في المقام الأول إلى المسلم إذ تتيح له الدليل والبرهان على أن القرآن هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل , والله المستعان: لما أبطأ الوحي عن النبي (ص) بعد نزول سورة "العَلَق", ظن النبيُ أن ربَّه قلاه , وأن الوحي قد انقطع , وأن الملك لن يعاود الاتصال به , وربما خامره الشك عن حقيقته وحقيقة الأمر , فنزلت سورة الضحى لتطمينه وإخباره أن ربه لم يودعه :"وَالضُّحَى{1} وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى{2} مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى{3} وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولَى{4} , وقد نزلت هذه السورة بعد حوالي ثلاث سنوات من بدء البعثة النبوية , وترتيب نزولها هو الحادي عشر ( كل ما يتعلق بترتيب نزول السور وزمن نزولها , رجعنا فيه إلى كل من المراجع التالية :

  1- د. مصطفى زايد – الإحصاء والقرآن الكريم , 2- د. مصطفى زايد – المصحف – مطبعة الدار الهندسية , 3- د. مصطفى زايد- إحصاءات القرآن 4- د .عبد المنعم الحفني – موسوعة القرآن العظيم - مكتبة مدبولي ) .

 وبعد نحو السنة بعد نزول سورة الضحى نزلت سورة النجم التي تسجل رؤية النبي لجبريل , فكان نزول سورة النجم في بداية السنة الخامسة من بدء البعثة النبوية ( د. مصطفى زايد – المصحف – ص 72 ) وهي المسطور فيها الإخبار بلقاء الرسولين ,جبريل رسول الله إلى محمد رسول الله إلى الناس. فرأى النبيُ جبريلَ مرتين : الأولى كانت في أول ظهور للملك في الأفق الأعلى ثم نزوله واقترابه من النبي حين غطه وضمه وأبلغه أول سور القرآن ,سورة العلَق {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }العلق1, والمرة الثانية عند سدرة المنتهى- وهي شجرة سدر (شجرة نبق ) مزروعة في مكان خارج مكة على حدود المناطق المأهولة بالقرب من المكان الذي فيه جنة المأوى -كما سيرد تفصيل ذلك لاحقا , وهي في تراثنا الأصفر شجرة تنبت فوق رؤوس حملة العرش ! وإذا كان النبي قد عُرج به فعلا , فلماذا لم يكن من مكة مباشرة ؟ يذكر تراثنا الأصفر أن البيت المعمور فوق مكة تماما ! بحسب خيال الوضاعين إذ لم يعلموا أن الأرض غير مسطحة بل كرة دوَّارة بحيث ينتفي إمكان قول ذلك , أفلم يكن من الأسهل , والأمر على ما قالوا , أن يكون العروج من مكة بدلا من بيت المقدس ! يقول كعب الأحبار" إن الحكمة من الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويا من غير تعويج (!) , وهذا على أساس أن باب السماء الذي يقال له (مصعد الملائكة) يقابل بيت المقدس , وهو أقرب من الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا!" (ابن حجر العسقلاني والسيوطي – الإسراء والمعراج – تحقيق محمد عبد الحكيم القاضي ) .

ولا شيء يمكنه إجبارنا على أخذ هذا الكلام بجدية. وبينما استنكر مشركو قريش الإسراء - حسب رواية التراث- وكذبوا النبي , لم تذكر لنا المراجع مثل هذا الاستنكار للعروج المزعوم وهو الأوْلى بالتكذيب . وبمراجعة التفاسير نجدها جميعا تقترب وتحوم حول هذه المعاني وإن لم تصب قلب الحقيقة مباشرة بفعل إضافة كلمة أو اثنتين إلى الخبر, وهو أمر يسهل عمله على نصوص منقولة شفاهة طوال 150 سنة وقبل تدوينها بأكثر من 1300 سنة, ولننظر مثلا فيما جاء في تفسير الطبري من أن أم المؤمنين عائشة قالت : " كان أول شأن رسول الله أنه رأى في (منامه) جبريل عليه السلام بأجياد ". وأجياد منطقة في مكة ولا تزال معروفة بهذا الاسم إلى الآن . وصحيح أن أمنا عائشة لم تكن آنذاك زوج النبي - إذ تزوجها في المدينة بعد الهجرة - مما يؤكد أن النبي نفسه هو من أخبرها بذلك. وقد جاء في سورة التكوير التي تسبق سورة النجم نزولا - فترتيب نزول سورة التكوير هو 7 , بينما ترتيب سورة النجم 23 : " فلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ{15} الْجَوَارِ الْكُنَّسِ{16} وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ{17} وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ{18} إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ{19} ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ{20} مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ{21} وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ{22} وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ{23}التكوير 15-23 .

ففي تفسير الطبري : "ولقد رآه بالأفق المبين" أن النبي رأى جبريل بأفق من نحو أجياد في شرق مكة . وهو كلام يؤيد ما سقناه سلفا عن أن الله يقسم بأن من ينقل كلامه إلى محمد , رسول كريم هو جبريل وهو ذو قوة عند ذي العرش مكين , وهو نفس المعنى والوصف الذي ورد في سورة النجم (ذي مِرة ) أي قوة , وهو وصف لجبريل , ذي قوة عند ذي العرش مكين , مطاع ثم أمين , فأمْره مطاع وهو أمين على ما ينقله من الله إلى محمد , لذا فالأمر على ما سبق وصفه: وما صاحبكم (محمد) بمجنون , ولو كان الوصف (برسول كريم ) مقصود به النبي وليس جبريل , لما قال الله "وما صاحبكم بمجنون " وإنما جاز أن يقول (وما هو بمجنون ) .

والله يؤكد في سورة النجم :"مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى"17 , وهو نفس المعنى في سورة التكوير "وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ{22} وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ{23} وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ{24} وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ{25}. لذا فرؤية النبي لجبريل كانت مرتين : الرؤية الأولى مذكورة في الآية 7 من سورة النجم- ترتيب نزول 23, وسبق ذكر هذه المرة الأولى في الآية 23 من سورة التكوير - وترتيب نزولها 7 . والرؤية الثانية كانت عند النزلة الأخرى بالقرب مكة عند سدرة المنتهى القريبة من جنة المأوى . وجاء في تفسير ابن كثير عند تفسير أوائل سورة النجم:" إن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها ورسول الله في الأرض , فهبط عليه جبريل وتدلى إليه فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمئة جناح ( !!!!!) , ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني( ليلة الإسراء ), وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعدما جاءه جبريل أول مرة , فأوحى إليه صدر سورة العلق , ثم فتر الوحي فترة " انتهى كلام ابن كثير. وكان المعنى يستقيم تماما مع ما أوردناه سلفا لو لم يتم إضافة كلمتي (ليلة الإسراء) .

 وقد ورد في تفسير ابن كثير أنه في حديث عن عائشة لما سألوها هل رأى النبيُ اللهَ ، نفت ذلك وقالت :" ولكنه رأى جبريل , لم يره في صورته إلا مرتين : مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد وله ستمئة جناح قد سد الأفق ", وإيراد الخبر على هذا النحو دون تخصيص أن مرة سدرة المنتهى كانت في السماء , والثانية في أجياد , وعطف المرتين على هذا النحو , يشير إلى أن المرتين حدثتا في الأرض. وفي تفسير الجلالين جاء أن أول رؤية للنبي لجبريل كانت في حراء . ولما سُئل النبي عن رؤيته لله تعالى , قال :" لا , إنما رأيتُ جبريل مُنْهَبِطَا". وينسبون إلى ابن عباس قوله : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد , ... أما نحن بني هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين . وكأن المسألة مفاخرة ومباهاة .

 والخوض في كلام عن رؤية الله هو مما لا يصح الخلاف حوله , بل هو من قبيل الجهر بالسوء من القول ,وهو جدل يكون العقل فيه مجرد ضيف شرف. والله يصف رؤية النبي لجبريل بأنه من آياته " الكبرى , يقول في سورة النجم الآية 18:" لقد رأى من آيات ربه الكبرى " , و"الكبرى" -كما يقول أهل الدراية باللغة هي مؤنث أكبر - فهي تمكين النبي البشري من رؤية مخلوق من منطقة كونية أخرى من خارج عالم الأرض المحسوس , من عالم الغيب الذي لا نعرفه ولا يعرفه أحد إلا من شاء الله , فهو تفرد وسبق وتكريم للنبي , إذ يرى جبريلَ شديد القوى ! وهو كائن نوراني ليس مخلوقا من الطين ,وانفرد محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه , برؤيته رأي العين دون كل البشر منذ الأزل وحتى الأبد . البشر المخلوق من طين الأرض يرى بعينيه مخلوق غيبي (فضائي) من مكان ما من الكون العلوي, أي آية كبرى تلك ! ويزعمون أن المعراج كان مع الإسراء في ليلة واحدة , مع أنه لا إشارة في سورة الإسراء عن هذا العروج , فالله تعالى يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1 .

ولو كان ثمة عروج لذكره الله في نفس الآية . وتضاربت الآراء والحكايات حول هذه المعجزة مما ينفي المصداقية عن كثير مما أثير حولها , فغياب الرواية الأكيدة الموحَّدة إنما يؤكد عدم ثبوتها عن النبي . والأصوب هو الاكتفاء بما جاء عنها في القرآن. وكان العروج أَوْلى بتكذيب المشركين لأنه أشد عجبا وأبعد تصديقا من الإسراء . وكل ما قيل حول عروج النبي إلى السماوات العلى يعتمد على تأويل الفقهاء لسورة النجم. والبيِّنة الدامغة الشديد الأهمية التي غابت عن الوضَّاعين هي أن الفارق الزمني بين نزول سورة النجم وسورة الإسراء هو أكثر من ست سنوات تقريبا , فنزول سورة النجم سابق على نزول سورة الإسراء , فترتيب نزول سورة النجم هو 23 وكان ذلك في بداية السنة الخامسة من بدء البعثة النبوية , وترتيب نزول سورة الإسراء هو 50 وكان ذلك في السنة الحادية عشر من بدء البعثة النبوية . أي أنه في الوقت ما بين نزول سورتي النجم والإسراء , نزل الوحي بربع القرآن الكريم تقريبا , إذ نزلت سورة الإسراء بعد سورة النجم بعدد 27 سورة. فما الداعي لأن يغفل القرآن ذكر الحادثتين معا في سورة واحدة وينتظر أكثر من ست سنوات ينزل خلالها ربع القرآن ثم يتذكر فجأة ويورِد قصة العروج . وكل ما ذكره الوضّاعون عن العروج كان في سورة النجم التي نزلت قبل حدوث الإسراء في زعمهم , فكيف تتحدث سورة النجم (بصيغة الماضي)عن وقائع لن تحدث إلا بعد نحو ست سنوات ! وإن لم يكن إلا هذا لكفى .

انتهى المقال 

 ويتبعه المقال الرابع بإذن الله تعالى

 - بتصرف من كتابنا الإسراء بين القرآن والتراث

- نبيل هلال هلال







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز