ابو الحافظي
mm.vegeta@yahoo.fr
Blog Contributor since:
17 September 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الربيع الجزائري قادم

عندما كتبت ضد ما يسمي "الربيع العربي" اتهمت بطريقة آلية أنني أدافع عن الديكتاتورية , وهذا الأمر لم يزعجني كثيرا , ولكن الذي أزعجني حقا هو أن أكون في خندق واحد مع من دمر حياتي وأحلامي , وهذا ليس من باب الاستعطاف لان "النيف" الذي يعني الكبرياء الجزائري علمنا أن لا نطلق شكاوينا كما يفعل المخنثون ذهنيا , وإنما من باب النقاش أنا شخصيا رأيت بأم عيني كيف كان ابن أختي يموت الموت البطيء علي احد أسّرة المستشفيات الحكومية وعمره لم يتجاوز 3 أشهر , في حين طويل العمر المعاق انطلق مسرعا في طائرة خاصة إلي احد المستشفيات العسكرية في فرنسا , ومع هذا وضعنا أيدينا علي جراحنا , ووضعنا حساباتنا الشخصية جانبا , وقلنا أن الجزائر فوق الجميع , والوقت ليس مناسبا لتصفية الحسابات الداخلية.

 

أما شلة الأغبياء والبلهاء التي اختطفت الجزائر فاعتقدت أنها اذكي الأذكياء وأنها قادرة علي خداعنا , وربما تصورت وتوهمت أنها وجدت الطريقة التي استطاعت بها توظيف "الاغبياء" من أمثالي لدفاع عنهاوعن غباءها وبالمجان..وشلة الأغبياء والبلهاء هذه , تعتمد علي طريقتين غبيتين أساسيتين..الطريقة الأولي هي التنازلات المقدمة للخارج وقد تجلي ذلك في البرود الإعلامي والدولي المدهش بعد مهزلة الانتخابات الرئاسية , وتجلي كذلك بعد القمع الرهيب والشديد والغير مسبوق للحركة الاحتجاجية التي عرفتها منطقة القبائل , والتي كان من الممكن بسهولة استغلالها إعلاميا وتصوريها علي أنها بداية الشرارة "الثورية" التي تتعرض لأقصي عمليات البطش من "النظام الديكتاتوري" ,وهذا الذي لم يحدث..والذي لن يحدث أيضا هو أن كل أغبياء التاريخ لا يتعلمون أن أمريكا ولقطاءها من البدو ليس لهم أصدقاء مهما كانت قيمة الخدمات والتنازلات..

 

وشلة الأغبياء والبلهاء هذه تعتمد أيضا علي توظيف الدين واللعب علي وتر التقية والورع , وهذه النقطة أريد التركيز عليها كي لن تنخرط القوي المدنية في معركة افتراضية غير موجودة في الواقع , فأجهزة الأمن في الجزائر لا هَمَ لها سوي مطاردة العُشاق في كل مكان , مع أن المخدرات والحبوب المهلوسة تباع في الشوارع الجزائرية كما تباع الخضر والفواكه , وهذا السلوك تلجئ إليه كل الأنظمة الطرزانية البدائية كي تظهر بأنها أنظمة مؤمنة تحمي الأخلاق والفضيلة وتحارب هؤلاء الأشرار الذين ينشرون الرذيلة , وأتمني علي السادة القراء أن يحافظوا علي هدوئكم لأنني سأخبرهم أني درست بأحد مراكز التكوين المهني في الجزائر الذي يمنع المتربص من التحدث إلي متربصة داخل المؤسسة أو حتى خارج المؤسسة عند الاقتراب من باب الدخول , نعم عزيزي القارئ لقد قرأت جيدا ما كتبه , مؤسسة تكوينية مهنية تحرم علي الذكور والإناث التحدث مع بعضهم البعض , ويتم اتخاذ إجراءات إدارية جد قاسية في حق كل من ثبت إدانته تصل إلي حد الفصل والطرد النهائي إذا ما قبض عليه في حالة تلبس وهو يتبادل أطراف الحديث مع الجنس الأخر..تكبييييييييييييير..

 

وهذه احد مسببات الإمراض الاجتماعية التي مازلنا نعيشها حتى اليوم , فكلنا نعرف في الجزائر أن الشاب الجزائري لا يمانع إطلاقا من إقامة علاقة غرامية مع الفتيات , ويمكن أن يتحول نفس الشاب إلي مُدان في جريمة شرف عندما يتعلق الأمر بأسرته , وهذا إن دل علي شيء فهو دليل أننا نعيش درجة عالية من النفاق الاجتماعي سببها نظام تربوي ومعرفي مريض وبعيد تماما عن كل عقل ومنطق ومرتبط أساسا بسلطة سياسية رجعية متخلفة , ورائينا علي الشاشات كيف كان رئيس الجمهورية يحضر شخصيا حفلة تقديم الجوائز لحفظة القرآن ويقدم لهم المكافئات المالية المغرية التي لا يحلم بها حالم , وبالطبع أنا لست ضد أي إنسان يحفظ القرآن , ولكن أنا ضد هذه السياسة الرجعية ومحاولة الظهور بان الحاكم هو راعي الإيمان والتقوى لان هذا السلوك القروسطي لا يخلق سوي ثقافة النفاق وإيمان المظهر , والأموال والجوائز التي كانت تقدم لحفظة القرآن هي ليست أموال بوتفليقة ولا أموال احمد اويحي , بل هي أموال الشعب , وإذا كان هؤلاء البوتفليقيون المؤمنون يحبون حقا الله ورسوله كان الأجدر بهم أن يساهموا بأموالهم الخاصة , وان يبقي الموضوع سري وخصوصي دون اللجوء إلي هذه الحركات الاستعراضية البدوية.

 

وهذه السياسة المتخلفة هي التي دفعت وجعلت أئمة المساجد يخرجون في احتجاجات غريبة يطالبون بما يسمونه "حقوقهم" وهذه سابقة لم تحصل في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال ..وبدون لف أو دوران حقوق هؤلاء الأئمة هي المطالبة بزيادة أجورهم , ولو كنا في دولة تحترم نفسها , الائمام هو خادم الله ولا يسعي إلا لإرضاء الله , والله هو الذي سيكافئه وانتهي النقاش , وإذا كان هناك من سيناقش أو من سيعترض ويُعارض فهي السلطة في الجزائر وتوابعها التي كرست هذه الجنونية وساهمت في ازدهارها خاصة في الحقبة البوتفليقة حتى أصبحت الجزائر قبلة وجنة كل شيوخ التكفير , وخير دليل الجملة الشهيرة التي قالها زعيم التكفير المدعو 'وجدي غنيم' حين زار الجزائر سنة 2009 حيث قال  "تعوّدت ان تقودني الشرطة إلى السجون وليس إلى المساجد"

 

وكل ما يُقال عن عودة الوجه المدني وحقوق المرأة والانفتاح في عهد بوتفليقة هو مجرد كذب في كذب في كذب , فالعقول البوتفليقية البدوية لم تأخذ من المدنية ومن العلمانية سوي القشور وقدمتها كواجهة للعالم الغربي , فمنعت مثلا المرأة المحجبة من الظهور علي التلفزيون الرسمي كصحفية أو إعلامية , يعني بهذا المنطق القاصر الأعوج إذا نزعنا عن المرأة حجابها في التلفزيون سينزل علينا مباشرة الإبداع كما تنزل الأمطار في فصل الشتاء..وعندما نتحدث عن المدنية الحقيقة سنُطارد وسنُعاقب وسنُوصف بكل الأوصاف التي لا يمكن أن تتصل إلا بأرذل البشر , وذات مرة تحدثت مع احد أزلام السلطة , وقلت له بصريح العبارة أن هناك مسيحيين  في الجزائر خاصة في منطقة القبائل , ولا استطيع ولا احد يستطيع أن يقدم نسبة حضورهم في المجتمع لأنهم لا يُعلنون عن أنفسهم خوفا من التعصب الديني , والمشكلة العويصة والعظيمة أن أبناءهم مُجبرون ومُُكرهون ومُرغمون علي حفظ القرآن والأحاديث النبوية في المدرسة الحكومية , وسيرسبون وسيُعيدون السنة إن لم يفعلوا ذلك..فقدمت طرحا وهو جعل مادة التربية الدينية مادة اختيارية ويعود الاختيار في ذلك إلي أولياء الأمر خاصة في المرحلة الابتدائية التي تعتبر مرحلة هامة في تكوين الشخصية , ويمكن أيضا إضافة التربية الخلقية التي ستكون بمثابة الوعاء الجامع بين كل التلاميذ..

 

فجاوبني محاوري "المدني" "الديمقراطي" بقوله : إذا كان هؤلاء يعيشون في بلد مسلم عليهم أن يتعلموا الإسلام..وراح يُرغد ويُزبد في سرد المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين , وكيف يجب محاربتها والتصدي لها , والصق بي كل الأوصاف والاتهامات القرقوشية من كفر إلي ماسونية إلي صهيونية إلي عمالة إلي خيانة ولم يترك لي أي نافذة يمكن أن أتسلل من خلالها للوصول إليه أو  للوصول إلي نتيجة حوارية متزنة..وهذه هي المدنية يا عزيزي القارئ يفرضون عليك معتقدا بعينه , ويستعملون أموالك لنشره , وعليك أن تصمت وأن تبتلع لسانك وإلا سينزلون بك أقصي العقوبات بتهمة الإساءة إلي المقدسات..ثم يسألونك بلا حياء , من أين يأتي الإرهاب؟؟ ومن أين يأتي التعصب الديني؟؟ ولماذا هناك في منطقة القبائل من يطالب بالانفصال؟؟ ولماذا لا احد استطاع إخماد الفتنة في غرداية؟؟

 

كلها أسئلة سهلة وجوابها أسهل , والذي يعرف الجزائر , يعرف جيدا أن إسلام التكفير والتفجير انتهي ودفناه في حفرة مهجورة اسمها "العشرية السوداء" , وكل من يُحاول تخويفنا بعودة البعبع الإسلامي فهُم الأغبياء والبلهاء الذين مازالوا يُحاولون صناعة البعبع واستخراجه من حفر الماضي كي ينطلق في مهمة استعراضية بائسة ويائسة تشبه عمليات توزيع الأموال علي حفظة القرآن , وعنوانها هذه المرة "نحن أو الإرهاب"..

 

وفي الحقيقة قمة الإرهاب هو ذلك المنظر المقرف والمقزز عندما ظهر طويل العمر رفقة شقيقيه ومعهم طفلهم الصغير الذي كان يسرح ويمرح في مكتب الانتخاب وكأن الجزائر أصبحت مملكة بوتفليقية قروسطية , وأنا متأكد أن تلك الصور هي أكثر الصور استفزازا لكل الجزائريين لان براءة ذلك الطفل البوتفليقي الذي ظهر مع العائلة الحاكمة ستجذب إليها براءة الأطفال , وستجذب معها أسئلتهم وأمانيهم البريئة التي تخرج مباشرة من قلوبهم الصغيرة البريئة دون المرور عبر الإدارة العقلية للكبار التي تخضع لحسابات المصالح والمخاوف , وأكيد أن براءة الأطفال ستقول بلا تردد , كم هو محظوظ ذلك الطفل البوتفليقي المدلل..فهل أطفال الجزائر يأكلون ما يأكله ذلك الطفل البوتفليقي المدلل؟؟وهل أطفال الجزائر يلعبون بالألعاب التي يلعب بها الطفل البوتفليقي المدلل؟؟ وهل أطفال الجزائر يلبسون ما يلبسه الطفل البوتفليقي المدلل؟؟وأين يدرس هذا الطفل البوتفليقي المدلل؟؟ وأين يسكن؟؟وبأي لغة يتكلم؟؟ ومن هم أصدقاءه؟؟وهل الطفل البوتفليقي المدلل كان سيموت علي احد أسّرة المستشفيات الحكومية وعائلته تنظر إليه بحزن , وتتمني موته السريع كي يرتاح من عذاب الدنيا ومن عذاب الجزائر.

 

نحن جزائريون عندما رفضنا العهدة الرابعة صنعنا ربيعنا , وصَكَكْنا كلمة  "شياتين" وباللهجة الجزائرية تعني المُتملقين , وإذا كان هذا اللفظ يحمل في مكنونه نوعا من الازدراء والاحتقار إلا انه لفظ  جزائري قح , يعكس شخصية الإنسان الجزائري القح والرزين والأمين والذي يُؤمن أن حدود الوطن يرسمه أبناء الوطن وعبارات الوطن , تحت سقف سيادة الوطن وسلامة الوطن وسلامة أبناء الوطن , عكس مُصَوغات الربيع العربي التي صكت عبارات "البلطجية" و"الشبيحة" و"المرتزقة" و"البلاطجة" وكل تلك الألفاظ التي تعكس فكرة واحدة ومشتركة وهي "العنف مقابل العنف" , لان الدلالات اللغوية للبلطجي ومشتقاته تسعي لتوصيف شخص مُنفلت يُمارس العنف بلا قيود وبلا حدود , وأكيد أن ردعه لن يكون إلا بصورة مشابهة ومماثلة , وهنا انفلتت الأوطان وتبعثرت حدود الأوطان , وظهرت معها خيوط وخطوط السياسية الجديدة التي ضمت الناتو وقطر في خريطة الوطنية والأوطان , وهكذا انطلق الحريق بصياغة العبارات التي تتلاءم وتتناسب لإشعال الحريق.

 

ربيعنا لن يكون إلا ربيعا مزهرا , فأرجوكم تبسموا أيها الجزائريون لان العالم ينظر إلينا منبهرا ومتعجبا , ويقول عنا أننا شعب لا يموت..نعم إننا شعب لا يموت..فرغم كل الشرائع والقوانين التي تزدري الحياة مازالت في الجزائر حياة , ومازال هناك عشاق , ومازال وجه سندريلا مبتسما ويضحك لصباح , لهذا ربيعنا سيكون معجزة المعجزات.








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز