علي جاسم
alijassim5@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2014



Arab Times Blogs
أصول وجذور الرأسمالية العربية


المقال إهداء إلى البروليتاريا البحرانية

السلطة السياسة بعقيدتها الرأسمالية تنظم مصالحها مع الطبقة البرجوازية بحيث تقوم الحكومة بتطويع القانون ليسمح لأصحاب رؤوس الأموال بالاستثمار واستغلال موارد الدولة من أرض ودعم لوجستي ووضع تشريعات هزيلة وجائرة تسهل استخدام العمال بأجور زهيدة ولساعات طويلة مقابل الأرباح الطائلة التي تسهم في تضخم رؤوس الأموال لصالح الطبقة البرجوازية مما يجعلها في مراكز اقتصادية قد تكون أقوى من الدولة، فما حسبك بالعامل الضعيف، ولنفترض أن يقوم صاحب منشأة لخياطة الملابس بتشغيل العمال في منشأته وهو قوم بشراء القماش على سبيل المثال ب5 دولارات والعامل يقوم بتحويل القماش إلى سلعة "لباس" ومن بعدها يقوم صاحب المنشأة ببيع القطعة الواحدة ب15 دولار بينما أجر العامل دولارين فقط، وصافي ربح صاحب المنشأة بعد خصم قيمة القماش وأجر العامل يصبح 8 دولارات وهو ما يطلق عليه في علم الاقتصاد بالقيمة المضافة وفي الواقع هي قوة العامل وجهده التي قام بشرائها منه صاحب المنشأة بثمن بخس لا يتناسب مع ما بذله من جهد

ومن المظاهر التي أصلت للرأسمالية في تاريخنا كمجتمعات عربية أقوم بإيراد بعض المعلومات التاريخية في هذه المقالة، فبعد أن انتقلت خلافة الدولة الإسلامية عقب اغتيال عمر إلى عثمان أدخل الأخير تحديثات اقتصادية كان يعتقد بصوابها وهي السماح للأفراد بأن يقوموا بمبادلة أراضيهم التي استملكوها بعد غزوات المسلمين في العراق والشام بأراضي في الحجاز أو في أي مصر تم غزوه وضمه للدولة الإسلامية أو أن يقوموا بشراء أراضي في الأمصار الأخرى. هذه التحديثات الاقتصادية التي أدخلها عثمان سمحت لفئة قليلة ممن كانت قدراتهم الشرائية مرتفعة بأن يقوموا بشراء الكثير من الأراضي في العراق والشام وتفضيلهم لهذين المصرين يعود لخصوبة الأراضي هناك، فكثر استصلاح الأراضي لاستثمارها في الزاعة حتى تحولت الأراضي الزراعية في الدولة الإسلامية لإقطاعيات يعملون فيها العبيد بدون مقابل والأحرار بما يسد رمقهم فقط! وبالتالي إزدادت الطبقة الأولغرشية آنذاك ثروة وازداد الفقراء فقراً، ويشبه عميد الأدب العربي طه حسين تلك الفترة من حكم عثمان بالفترة التي شارفت فيها الدولة الرومانية على النهاية عندما انعدمت العدالة وتصارعت طبقتان إحداهما غنية والأخرى فقيرة يتم استرقاقها من أجل تضخيم رؤوس أموال الأثرياء.
انتهى عهد عثمان بثورة أدت إلى قتله، واختيار الثوار للإمام علي بن أبي طالب خليفةً للدولة الإسلامية، وقد قام ببعض التدابير لإزالت المظالم والمفاسد التي استشرت في عهد عثمان، ومن بعض تلك التدابير، أولاً: إبعاد الطبقة الأرستقراطية "الأمويين" من الحكم ثانياً: إلغاء العصبية القرشية التي عادت للظهور بعد أن قضى عليها نبي الإسلام محمد، ثالثاً: المساواة وعدم تفضيل أحد في العطاء بسبب نسبه أو لغته أو أسبقيته في الدخول إلى الإسلام ، ولكن لم يتسنى الوقت لعلي بن أبي طالب في تحقيق دولته الفاضلة بسبب ثورة الأمويين المضادة وتمردهم في الشام وقصر فترة ولايته.
 
بعد أن بحثت عن الأصول والجذور التاريخية للرأسمالية في مجتمعنا العربي أنطلق بآلة الزمن لأبحث في زمان ومكان ليسا بعيدين عني والزمن هو عشرينات القرن الماضي والمكان هو البحرين، المجتمع في البحرين عربي مسلم محافظ، وبطبيعة الحال هذا المجتمع غير منفصل عن واقع المجتمع العربي المليء بتراكماته التاريخية خصوصاً من الزاوية الاقتصادية لذلك ليس مستغرباً أن يكون النظام الاقتصادي في البحرين مشابهاً لباقي الدول العربية المحيطة به، يذكر العالم الانثروبولوجي فؤاد اسحق الخوري الذي درس المجتمع في البحرين لعقد كامل أنه مع بداية نشوء البيروقراطية في البحرين وهي فترة العشرينات تراجعت تجارة اللؤلؤ بسبب منافسة اللؤلؤ الصناعي الياباني للؤلؤ الطبيعي الذي يستخرج من المغاصات مما أدى إلى تدهور الاقتصاد بالرغم من وجود النفط آنذاك ولكن البحرين لم تستطع استخراج النفط وتصديره بسبب كونها دولة مستعمرة ولا تملك سيادتها وقد تذرع البريطانيين بمنعهم من استخراج النفط بحجة أن الاقتصاد العالمي لا يحتاجه حالياً، ولكن في الثلاثينات تم تأسيس شركة نفط البحرين "بابكو" وهي التي تولت استخراج النفط وتصديره وبالتالي كان ذلك إنقاذاً للاقتصاد في البحرين، وقبل استخراج النفط كان الاقتصاد قائم على تجارة اللؤلؤ كما ذكرت والزراعة وصيد السمك وبعض الحرف البسيطة كصناعة الفخار والسفن إلا أن هذه المهن أخذت تتراجع شيئاً بعد شيء بسبب عزوف الأفراد عن العمل في هذه المهن وتوجه الغالبية للعمل في الصناعة كمصنع تكرير النفط  ووصلت ذروة العزوف تلك في نهاية الستينات وبداية السبعينات عندما استقلت البحرين وأنشأت أول مصنع للألمنيوم في الخليج "ألبا" إضافة إلى مشروع إصلاح السفن "الحوض الجاف"، فتلك الفترة الممتدة من الثلاثينات إلى بداية السبعينات كانت الفترة الزاهرة لحركة العمال كون غالبيتها من العمالة المحلية التي تشترك في التطلعات والأهداف إلا أن زيادة الطلب على العمالة خصوصاً في مجال البناء فرض استقدام العمالة الأجنبية بصورة كبيرة بسبب التوسع العمراني وهذا الاستقدام تسبب بعبء ثقيل للدولة الحديثة أضف إلى ذلك أن الحكومة شجعت الاستثمار الأجنبي فتهافتت رؤوس الأموال الأجنبية على البحرين لإنشاء البنوك والفنادق والشركات والتي قامت بتشغيل العمالة الأجنبية مستغلة رخص أجورها، وأضف إلى ذلك سياسات التمييز تجاه السكان الأصليين من قبل الحكومة وعدم اشراكهم في السلطة وحرمانهم من الخدمات الأساسية وتهميش مناطقهم كل ذلك أسهم في غياب العدالة وتفشي الظلم، وبزيادة عدد العمالة الأجنبية التي شكلت ضعف عدد العمالة الوطنية آنذاك ساهم ذلك بإفشال أنشطة الحراك العمالي من اضرابات واحتجاجات مما جعل الظروف المزرية لعمال البحرين تتضاعف فإذا كانت العمالة الأجنبية في السابق ضعف العمالة الوطنية فالأخيرة الآن لا تتجاوز العشرة بالمئة!
 
 حديثي عن العمالة الأجنبية والوطنية ليس من باب العنصرية أو الكراهية إنما نقد لسوء تخطيط السياسات الاقتصادية في الدولة، فالأجدر بالاتهام بالعنصرية هي الدولة لتحايلها على الاتفاقيات الدولية التي تبرمها والتي تتضمن بنوداً بعدم التمييز بين العمالة الوطنية والأجنبية في الأجر، والتفافها على ذلك بعدم تحديدها حداً أدنى للأجور في التشريعات الوطنية.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز